في قاعة يكسوها الرخام الابيض والصمت المرعب، وقف اللورد "ألفريد" يطالع الورقة المجعدة بين يديه. لم يكن صمته هدوءاً، بل كان زمهريراً يسبق العاصفة.
«سقطت الغابة المرتفعة... المارشال الاعظم غريغوريو أصيب بإصابة بالغة كدت تودي بحياته.. الثوار يتمركزون فوقنا».
انسحقت حواف الورقة بين أصابعه المكسوة بالخواتم. خفق قلب الرسول الذي جلب الرسالة رعباً وهو يرى عروق رقبة اللورد تبرز كحبال مشدودة. كان غضب ألفريد كافياً لإذابة الحديد، فكيف لجيش جرار يقوده مارشال الاعظم نائبي أن يُقهر أمام شرذمة من الفئران؟ لكن وسط هذا الغليان، التقطت عيناه السطر الأخير: «منطقة سُول لا تزال تحت سيطرتنا».
تنهد ألفريد ببطء، وبرد غضبه قليلاً ليتحول إلى قسوة خالصة. "سُول" هي العصب الحساس، مادامت لم تسقط، فاللعبة لم تنتهِ. التفت نحو قادته بحركة تنم عن غطرسة مطلقة، وأصدر أوامره بصوت لا يقبل النقاش:
"أرسلوا كتائب وآلاف المجندين لدعم غريغوريو فوراً. وابعثوا له برسالة واحدة؛ لا مجال للتراجع. سُول هي مقبرتهم أو مقبرتنا. من يهرب، من يتهاون، من يولي ظهره للعدو... يُجلد حتى يُرى عظم ظهره، ثم يُعدم. الانتصار، أو الموت!".
في الأسفل، حيث يقع منخفض "سُول" الواسع، كان الجحيم قد فتح أبوابه على مصراعيها. القرى الثلاث عشرة التي تتناثر في هذا السهل كانت تدفع ثمن هزيمة الإمبراطورية. جنود "قبضة العدالة الحديدية" لم يعودوا حماة، بل وحوشاً جريحة تفرغ غلها في أجساد الضعفاء. ركلوا أبواب الأكواخ، نهبوا مخازن القمح، وافترسوا طعام القرويين بشراهة. صرخات النساء والأطفال شقت سماء الريف، وكل من تجرأ على رفع صوته، كان سيف الإمبراطورية يمزق صدره بلا رحمة. وفي إحدى القلاع المحصنة وسط المنخفض، كان المارشال "غريغوريو" يجلس في غرفة مظلمة، وذراعه المصابة تنبض بألم شيطاني،لم يعد يشعر بها عظامه مفتتة. قرأ رسالة اللورد ألفريد، وعيناه تشتعلان بحقد . رمى الرسالة، ونهض ببطء متجاهلاً ألمه. كان يعلم حجم التهديد، وبدأ فوراً في تحويل منخفض سُول إلى مسلخ.
كعادته أمر غريغوريو جنوده بحفر شبكة معقدة من الخنادق المميتة وزرع الفخاخ في مقدمة جيشه. وخلف هذا الفخ، رصّ جيشه في تشكيل دفاعي متدرج لا يُخترق؛ في الخط الأول، اصطف رماة السهام من النخبة، قناصة قادرون على إمطار السماء بسهام معززة بهالتهم و بموت محقق. وخلفهم مباشرة، وقف مطلقو الرماح الثقيلة المخصصة لاختراق أصلب الدروع. أما القلب، فكان مرعباً؛ تشكيلات هندسية متراصة لجنود يحملون رماحاً طويلة جداً-كجيوش الإسكندر القديمة-تنتظر لتمزيق أحشاء أي فارس أو راجل يقترب. وخلف هذا السد البشري، وقفت الخيالة السريعة تترقب أي فجوة للالتفاف، بينما تمركز السيافون في المؤخرة كجدار أخير. كان غريغوريو مستعداً.
و كل الابراج و اسوار في أعلى دراجات تأهب ،
على النقيض من فوضى العدو وحقده، كانت الخيمة الملكية للكونت "فيليكس نوفاريس"-التي نُصبت فوق الغابة المرتفعة-تغوص في تركيز تكتيكي مميت.
التف القادة حول طاولة خشبية عريضة نُشرت عليها خريطة مفصلة لمنطقة سُول. كان هناك فيليكس، ونائبه "غابرييل"، والمخطط العبقري "غوتو"، إلى جانب "أوين"، و"موريست" الذي كان يستمع بصمت مميت. أشار غوتو بإصبعه إلى الخريطة، قائلاً بصوت رزين: "نحن نقف الآن في الغابة، وهي ترتفع عن منخفض سُول بحوالي ثلاثة أمتار ونصف إلى أربعة أمتار. هذا يمنحنا أفضلية الاندفاع. سُول تقبع تحتنا بقراها الثلاث عشرة وقواعد العدو الأربع... إنها العصب الحساس يا سيدي. إذا أحكمنا قبضتنا عليها، سنسد الطريق إلى سلسلة الجبال آل من الجنوب و طريق القدوم من الشمال. الجبال ستكون حصننا الطبيعي المنيع ضد أي زحف بري للإمبراطورية بفضل قسوة تضاريسها، ومنها سنخنقهم ونمهد لاستعادة باقي لسيطرة هل الشمال".
أومأ فيليكس بجدية، عيناه تدرسان التضاريس: "غريغوريو يعلم ذلك، واللورد ألفريد يعلم ذلك. لن يتخلوا عنها إلا فوق جثثهم. ما هو التشكيل الذي تقترحه يا غوتو لكسر دفاعاتهم؟" رسم غوتو بأصبعه شكلاً يشبه (حرف E مقلوباً على ظهره) يشير نحو قلب العدو.
"المخلب الثلاثي، سيدي. لن نهاجم بكتلة عريضة تتكسر. حسب معلومات متوفر فالغريغوريو سينشر جنودا و يزودهم برماحهم الطويلة ستكسر ذلك التشكيل. في المقدمة، سننشر ثلاثة خطوط اختراق مركزة كالرماح، يقودها صفوة مقاتلينا؛ غابرييل، موريست، أوين. مهمتكم هي خرق قلب جيش العدو بقوة غاشمة وفتح الثغرات. وفي نفس اللحظة، تنطلق سبع فرق خفيفة من الجانبين للتحرك بالتوالي، مهمتهم اصطياد تلك الثغرات وتوسيعها. وبمجرد أن يبدأ تشكيلهم في التشتت، يتقدم التشكيل الصفيحي الخلفي-والذي يضم العدد الأكبر من جنودنا متميزين-لسحقهم وخنقهم في مساحة ضيقة". نظر غابرييل للخريطة، وابتسامة شرسة تعلو ثغره: "تشكيل مرعب.. نكسر عظامهم من الداخل ثم نطحنهم".
التفت فيليكس لأحد الرسل: "انطلق فوراً إلى قاعدتنا الجنوبية. أريد التعزيزات التي تركناها هناك أن تتحرك لدعمنا. ولكن اسمعني جيداً... تأكد من أن تصل أخبار حشودنا لغريغوريو. أريده أن يظن أننا سنرمي بكل ثقلنا هنا ، كي لا يجرؤ على سحب جندي واحد و اخبره أن يطبق خطة وهو يعرفها .
أريد غريغورو أن يبقى محاصراً بأبراجه وجدرانه الضخمة هنا".
خارج الخيمة، كانت رائحة الدماء والمراهم تملأ معسكر الثوار. الأطباء يتنقلون بين الجرحى، والجنود يستعيدون أنفاسهم بعد المعركة الدامية ويأكلون طعامهم بشراهة،.
وسط هذا المنظر مهيب والراحة المؤقتة، لفت انتباه الجميع صوت صليل معدن حاد يمزق الهواء. كان "لوجارو". ورغم بقائه ليل مع دوريات ، كان يقف في ساحة المعسكر، يتنفس بكل قوة ، لكنه يتدرب بسيفه بضراوة وعنفوان لا يصدق.
عرق يختلط بقطرات دم خفيفة تسيل من جروحه، ونظراته حادة كشفرة سيفه. توقف الجنود عن الأكل، وتجمعوا حوله شيئاً فشيئاً. في البداية، تهامسوا بتعجب: "ما خطب هذا الولد غريب الأطوار؟ لماذا يرهق نفسه الآن؟ ألا يشعر بالألم؟". لكن كلما استمروا في النظر، تحول التعجب إلى إعجاب "إنه يملك روح قتالية مع أنه لازال صغيرا ". في تلك الأثناء، كان غابرييل والآخرون يوزعون المعدات، يجهزون الرجال، ويعطونهم المساحة الكافية للراحة العقلية قبل الجولة اl القادم.
عندما مالت الشمس للغروب، كاسية سماء المعسكر بلون دموي كئيب، أمر فيليكس بجمع القوات. وقف الكونت الشاب على حافة التل المطل على منخفض سُول. خلفه، وقف آلاف الجنود في صمت مهيب، لا يكسره سوى حفيف رياح الغابة الباردة. نظر فيليكس في عيون رجاله. رأى الروح قتالي،وجمر مشتعل، ولكن الأهم... رأى وحوشاً مقيدة تنتظر من يكسر أغلالها.
أشار بسيفه نحو الأسفل، نحو القرى حيث تتصاعد أعمدة الدخان. "انظروا إلى الأسفل!" صرخ فيليكس بصوت غاضب تردد صداه في الغابة، "انظروا إلى ما يفعله كلاب (قبضة العدالة) بأهلنا! يسرقون قوتهم، ويسفكون دماءهم ليبردوا غل هزيمتهم! يظنون أن الأسوار والرماح ستحميهم منا!" توقفت الأنفاس، وشد الجنود على قبضات سيوفهم حتى ابيضت مفاصلهم."إنهم يملكون أوامر بالموت... نعم! اللورد ألفريد أخبرهم ألا يتراجعوا! ولكن، هل يظنون أننا نمتلك ترف التراجع؟!" رفع فيليكس سيفه عالياً، وبدأت هالة خفيفة تتوهج حول نصله في مشهد سلب العقول، "نحن لم نأتِ للقتال، نحن أتينا للتحرير! في المعركة القادمة، لا أريدكم أن تقاتلوا كبشر عاديين... تذكروا معسكرات التدريب التي صنعناكم فيها! افتحوا بوابات أرواحكم! أطلقوا العنان لطاقتكم وهالاتكم التي خبأتموها! اجعلوا أسلحتكم تتوهج بنار لا يطفئها حديدهم، ولا تردها دروعهم!" اغرورقت عيون الجنود القدامى بالدموع، بينما اشتعلت عيون الشباب بنار الحماس الخالص. "اليوم، نحن لسنا مجرد ثوار..." زمجر فيليكس بكل ما أوتي من قوة، "اليوم، نحن الكابوس الذي سيقتلعهم من جذورهم! من أجل سُول! من أجل إخوتنا! اقطعوا أعناقهم!"
انفجر المعسكر بصيحة واحدة زلزلت الغابة، صيحة حملت من الرعب ما يكفي لجعل جنود غريغوريو في الأسفل يرتجفون داخل خنادقهم. لقد التقت العاصفة بالجدار الحديدي، والمذبحة... قد بدأت للتو.