سرمد

الفصل 12

عواء العاصفة

866 كلمة · 4 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

لم تكن السماء في تلك الليلة تبكي، بل كانت تصرخ بغضب أعمى. عاصفة رعدية هوجاء ضربت منخفض منطقة "سُول"، محولة الأرض إلى مستنقعات من الوحل اللزج متازمنة مع خطاب كونت، والسماء إلى لوحة سوداء تمزقها سياط البرق. في ظل هذا المناخ الكارثي، تجلت النظرة الثاقبة للكونت "فيليكس نوفاريس".

بينما كان جنود "قبضة العدالة الحديدية" يئنون تحت وطأة دروعهم ومعداتهم الثقيلة التي اجتذبت برودة المطر وبدأت تثقل حركتهم في الوحل، أمر فيليكس ثواره بالتخلي عن الحديد والاكتفاء بالدروع الجلدية الخفيفة التي اعتادوا عليها في معسكراتهم . كانوا خفافاً، متمرسين، وينتظرون إشارة الانطلاق كقطيع من الذئاب الجائعة،كان هذا بمثابة الخبر السار الذي لم يكون يتوقع حدوثه ، استعدوا بتنظيم لتنفيذ خطة غوتو المشروحة سابقا لهم .

بدأ الزحف في جنح الظلام. آلاف الثوار ينحدرون من الغابة المرتفعة كظل واحد لا يصدر صوتاً سوى حفيف الرياح وقطرات المطر، و عينا فيليكس متوهجتان.

تسللت الطلائع الأمامية، وبدأت شفراتهم تحصد حراس الأبراج في صمت تام، لكن المارشال "غريغوريو" لم يكن قائداً يُؤخذ على حين غرة. حذره الدائم وحراسته المشددة التي فرضها على معسكره كشفت التسلل. صرخة جندي مقتول، متبوعة بصوت بوق التحذير، شقت سكون العاصفة، لتُقرع أجراس القلاع وتُدق طبول الحرب معلنة بداية الجحيم.

في ثانية واحدة، أضاءت السماء المظلمة بآلاف السهام المشتعلة والمغلفة بهالات مقاتلي القبضة الحديدية. أمطرت السماء موتاً محققاً. لم يتردد فيليكس؛ استل سيفه وانطلق كالسهم، وبحركة دائرية خاطفة أطلق مهارته المرعبة "شفرات الوميض النجمي". تمزقت مئات السهام في الهواء وتناثرت كشرر منطفئ، وبجواره كان "غابرييل" يوجه لكمات مدمرة للهواء، فتخلق موجات ضغط هائلة تشتت وابلاً كاملاً من السهام، بينما تكفل "مورست" و"أوين" بحماية الأجنحة بمهارة قتالية لا مثيل لها. ورغم هذه الاستماتة الأسطورية، اخترقت السهام أجساد عدد لا يحصى من الثوار. سقطوا في الكمائن، واخترقتهم الرماح، وسُحقت أجساد بعضهم بصخور المنجنيقات، لكن صوت فيليكس كان يتردد في الأرجاء محفزاً، يحرق الخوف في قلوبهم ويدفعهم للتقدم فوق جثث رفاقهم.

وسط هذه المجزرة، كان" لوجارو" يركض ويلهث. أنفاسه باردة، وجسده مغطى بالوحل والدماء، وقد أصيب ببعض الجروح، لكنه لم يتوقف. كان ينظر برهبة إلى غابرييل الذي يطحن العظام بقبضتيه. استمد لوجارو من رؤيتهم طاقة وحشية، فاندفع بشهامة، يعزز نصل معلمه بهالته البسيطة، استعدادا للاشتباك.

مع استمرار التقدم حافظ الثوار على تشكله وتقسيماتهم "Eمقلوب" ولواء في كلا جانبين.

اصطدمت مقدمة الثوار بالتشكيل الأول لجيش غريغوريو. تراجع رماة السهام بانتظام ليحل محلهم تشكيل مرعب من رماة الرماح الخارقة للدروع. بدأت الرماح تمزق الدروع الجلدية للثوار، لكن الإرهاق والوحل سلب جنود الإمبراطورية سرعتهم. تقدم العملاق غابرييل، وركز هالة مرعبة في يده اليمنى، ثم سدد لكمة مدمرة من مسافة عشرين متراً. انفجر الهواء، وانطلقت موجة صدمة سحقت ثلاثة و عشرين جندياً دفعة واحدة، وأطاحت بستة عشر آخرين أرضاً.

"الموت لكم .."

تراجع رماة الرماح برعب، ليتقدم تشكيل الرماح الطويلة، مصمم لتمزيق أي هجوم. لكن فيليكس لم يمنحهم فرصة التمركز؛ بضربة هالة مكثفة من سيفه، شطر غابة الرماح من المنتصف، مسقطاً العشرات، ليدخل الثوار من الثغرة كالسيل الجارف.

" استمروا في الإندفاع.."

أدرك غريغوريو خطورة الموقف، فأرسل الخيالة المدرعة لسد ثغرات ومحاولة فتح الثغرات في صفوف العدو، لكن خيولهم كانت تنزلق في الوحل.

"سدوا ثغرات يا عديمي الفائدة هيا..!!!"

لتصطدم بصمود الثوار الأسطوري. تلا ذلك تقدم بلوك ضخم من السيافين المخضرمين، لتتحول المعركة إلى التحام جسدي ودموي لا يرحم.

شاخ!!!

شاخ!!!

في تلك الأثناء، و دعم متواصل من لورد الفرد بفرق متتابعة من كل قاعدة ومنطق يتوافدون من كل حدب وصوب ،حشد "غوتو" نخبة رماة الثوار ومستعملي الأسلحة عن بعد، وبدأ يمطر قلب جيش العدو بوابل قاتل.

"أمطروهم بالسهام الجحيم !!"

لكن اللورد "ألفريد" لم يكن يبخل بالدعم؛ ظهر لواء كامل من الإمبراطورية في هجوم مباغت لسحق وحدة غوتو. سحب العقل المدبر غوتو سيفه، وقاد رماته في قتال متلاحم، يذبح ويقاتل بضراوة لتبقى الجبهة متماسكة .

"لنعرفهم بقدر نفسهم...".

بدأت كفة الثوار ترجح نحو الخسارة مع استمرار تدفق الإمدادات اللانهائية من قواعد اللورد ألفريد،مرة تلو أخرى يأتي جنود لدعم.

"اقتربوا...يا أهل البوادي"

الذي أرسل كل ما يملك خوفاً من سقوط "سُول". تلاشت المعنويات قليلاً، قبل أن تهتز الأرض من الخلف بصيحة حرب شقت هدير العاصفة. لقد وصل الدعم الذي طلبه فيليكس سراً من القاعدة الجنوبية.

" لنمزق أحشائهم!!"

عشرون ألف جندي من النخبة، شياطين حرب أجسادهم خريطة من الندبات، وخبرتهم صُقلت في معارك الإبادة.

مجرد رؤيتهم تبث الرعب المطلق ، أنهم فيلق سفاحين التحم الفيلق الجنوبي بالمعركة، فعادت الكفة للتكافؤ وصارت الساحة مفرمة للحم البشري. القرويون يراقبون من نوافذهم المكسورة، قلوبهم ترتجف رعباً ورغبة مكبوتة في انتصار الثوار. المعركة وصلت ذروتها، غابرييل يمزق الأحشاء، وغريغوريو يسحق جماجم الثوار، وكل ضربة سيف قد تحسم مصير هذه الليلة الدامية.

وفي وسط هذا الجنون الملحمي، وفي اللحظة التي بلغت فيها المعركة أشدها... رُفع بوق، الكونت فيليكس نوفاريس يصدر أمرا ، وصدح بأمر واحد زلزل قلوب الثوار قبل الأعداء.

"انسحاب!"

و غوتو ارسل متفجرات بلون احمر ، و نفخ في البوق مع صرخة " تشكيل الانسحاب".

توقف الثوار عن القتال للحظة. ذهول وصدمة شلت عقولهم. لماذا؟ المعركة في أشدها و قد ننتصر ، والدماء التي نُزفت لم تجف بعد! لكن الانضباط العسكري والانصياع المطلق للكونت لم يترك مجالاً للتردد. التفتوا فوراً ووبدأوا في التراجع بتشكيل الانسحاب .

تقدم غابرييل، فيليكس، موريست، وبقية النخبة ليشكلوا جداراً بشرياً في المؤخرة، يصدون هجمات العدو بضراوة ليوفروا غطاءً آمناً لانسحاب الجيش، بينما أمطرت الفرق الأخرى سهام التغطية لإبطاء تقدم القبضة الحديدية.

انسحب جيش الثوار بأكمله وسط عاصفة من التساؤلات والأسف على من فقدوهم، تاركين وراءهم بحراً من الدماء، وجيشاً عدواً يقف في مكانه .

و غريغورو سعيد بنشوة الانتصار الممزوجة بالاستغراب وتساؤلات.