على قمة جرف صخري يطل على البحر، وقف القائد العسكري المرعب "آسر" كجبل لا يتزحزح. كان يمسك بيده اليمنى رمحاً هائلاً، نصله العريض والحاد يعكس أشعة الشمس كأنه مقصلة تنتظر الأعناق، رمحٌ يحمل هيبة لا توصف وتصميماً يفوق أسلحة الأساطير. وبجانبه، وقف "لوري"، الثعلب التكتيكي ونائب غوتو، وعيناه الباردتان تمسحان خريطة "إلدورا" المنشورة بين يديه.
تحتهما، امتد إقليم "إلدورا" الشاسع؛ جنة ساحلية تعج بالجزر والموانئ، لكنها تقبع تحت وطأة الحامية العسكرية الضخمة لـ "قبضة العدالة الحديدية".
وفي تلك اللحظة، شق صوت حوافر الخيل سكون الريح. ترجل رسول من فرسه بلهفة، وخفض مقدماً لفافة صغيرة لآسر.
فتحها القائد، ولم تكن تحمل سوى كلمات معدودة بخط فيليكس نوفاريس: "نفذ الخطة التي اتفقنا عليها".
ابتسم آسر ابتسامة وحشية كشفت عن أنيابه، والتفت نحو لوري الذي أومأ برأسه إيذاناً ببدء الحرب.
"لوري قد نقص عدد جنود الحماية في الإقليم بشكل كبير هذه فرصتنا".
خلفهما، لم يكن يقف مئة أو ألف، بل سبعون ألف مقاتل مع فيلقي الجحيم 4 و 9، صامتون كالموت, وفيلقين من جنود مبتدئين. بأمر من لوري، تخلص الجيش من كل الأمتعة الثقيلة والدروع المزعجة.
"ماهي طريقه الأفضل لنسلكه يا لوري "
أخرج لوري قطعة قماش:
"هذه الخريطة منطقة أعطاني إياه قائد غوتو ".
فتح لوري الخريطة .
"في هذه الجهة يوجد كهف منسي قلة من يعرفه هو طريق أفضل للمباغث"
"إذن لننطلق".
تحركوا كأشباح النهار عبر كهف سري ، كهف يخترق الجبال المحيطة بإلدورا ويقود مباشرة إلى قلب الإقليم الساحلي دون المرور بنقاط المراقبة، كهف هو طريق افضل لمباغثة
بمجرد خروجهم من الكهف، انشقت الأفعى إلى رؤوسها السامة؛ انطلق الفيلق التاسع العظيم بقيادة الوحش "أوريليان" نحو الجبهة الغربية للمعسكر، بينما اتجه الفيلق الرابع، نخبة بقيادة "لوكاس"، لابتلاع الجبهة الشرقية. الهدف تشتيت جنود قبضة العدالة الحديدية و نشر رعب في قلوبهم
أما القوة الضاربة، فقد قُسمت؛ ثلاثون ألفاً اتجهوا كالسيل نحو الميناء البحري، وأربعون ألفاً بقوا خلف آسر لضرب رأس الأفعى.. مركز حاكم الإقليم.
في الجبهة الشرقية، كان جنود "قبضة العدالة" يمارسون دورياتهم بملل، قبل أن تُحز حناجرهم في صمت مطبق. تسلل رجال "لوكاس" كالظلال، اصطادوا الحراس واحداً تلو الآخر بلا قطرة صوت.
شاخ!!!
ولكن بمجرد تأمين المداخل، ابتسم لوكاس وأعطى إشارته. لم يعودوا بحاجة للتخفي. تعمدت نخبة الفيلق الرابع الظهور بغتة وسط الساحات.
"من ظهرت هذه الشياطين!!!
انطلقت صرخات الرعب والهلع من جنود الإمبراطورية وهم يرون شياطين الثوار ينبثقون من العدم.
"أين أيها الجبناء لا مكان للهرب اليوم يومنا!!".
انقض لوكاس بسلاحه كإعصار مدمِّر، شق الأجساد وحطم الدروع، وتحولت الساحة إلى بحر من الدماء.
وفي نفس اللحظة من الغرب، وصل أوريليان برجاله. قُرعت أجراس الإنذار متأخرة.
دن!!
دن..دن..دن..!!
وتخبط جنود الإمبراطورية في فوضى عارمة. لم يعرفوا أين يوجهون رماحهم، الشرق يحترق، والغرب يُباد!
أما في الميناء، فقد أدرك بعض ضباط الإمبراطورية الكارثة.
"لن نسمح لهم بوضع أيديهم قذرة على هذه السفن.."
أمسكوا بالمشاعل وركضوا بجنون نحو السفن الحربية الراسية ليحرقوها، صارخين: "لن نتركها لفيليكس!". لكن قبل أن تلامس نيرانهم الخشب، أمطرتهم طلائع جيش الثوار بوابل من السهام والرماح.
"كعادتكم ..تلجئون لأنذل طرق..لن نسمح لكم بذلك..!!"
فسقطوا قتلى وتدحرجت مشاعلهم بعيداً عن الأسطول الثمين. لقد تم تأمين الميناء.
وسط هذه المجزرة وتشتت القوات الإمبراطورية التي استنزفتها تعزيزات منطقة "سُول"، سار آسر بجيشه الجرار محطماً بوابات المركز الرئيسي.
لم يقف في طريقه سوى حاكم الإقليم، "السيرش". رجل ضخم يحمل سيفاً طويلاً، وعيناه تشتعلان بغضب مميت.
التقى القائدان في الساحة. استل السيرش سيفه، بينما ضرب آسر عقب رمحه المهيب في الأرض فانشقت.
اندفع الاثنان نحو بعضهما، وتفجرت الهالة (Aura) من جسديهما كبركان ثائر.
"كيف تجرئ يا آسر على قدوم.!".
اصطدم سيف السيرش برمح آسر، فولد الاصطدام موجة صدمة (Shockwave) اقتلعت الحجارة من الأرض وصنعت حفرة ضخمة تحت أقدامهما.
كانت معركة طاحنة، كل ضربة بينهما تصنع زلزالاً صغيراً يرج الساحة. لكن آسر كان في مستوى آخر من الوحشية. بانحرافة جسد سريعة، استخدم آسر ضربة "المخلب" الخاطفة، وركز هالتها المرعبة في نصل رمحه.
طراااخ!
تحطم سيف السيرش الإمبراطوري إلى نصفين تناثرا في الهواء. لم يمنحه آسر ثانية واحدة لرمش عينه؛ التفت بحركة دائرية مرعبة، وهوى بنصل رمحه ليقطف رأس السيرش من جذوره، ليتدحرج الرأس أمام أقدام جنوده المتبقين.
سقطت رايات قبضة العدالة، وارتفعت رايات الثوار.
خرج القرويون المقهورون من أكواخهم ومخابئهم. في البداية كان الخوف يملؤهم، لكن ما إن أدركوا أنها قوات "فيليكس نوفاريس" -الثوار الذين يقاتلون للتحرير وليس للسلب- حتى تحولت دموعهم إلى صرخات هستيرية من الفرح، تعانقوا ورقصوا في الشوارع التي تطهرت من دماء ظالميهم. وقف آسر مبتسماً بثقة، ينظر بفخر نحو الميناء حيث رست سفنه الجديدة، بينما كان رجاله يوزعون الطعام على القرويين.
وفي غمرة هذا الانتصار، وسط جثث الأعداء، كان جندي واحد من الإمبراطورية يزحف في الخفاء، امتطى حصاناً وانطلق كالسهم هارباً نحو القصر آلفرد.
في الوقت ذاته، فوق منخفض "سُول" الطيني والدموي، كان فيليكس يقف وسط جنوده و غوتو يصرخ ، "التشكيل الانسحابي.. تراجعوا فوراً!". بعد أن لمح عقابا اكتمل الانسحاب وسط بحر من تساؤلات.
سرت تمتمات الاستغراب بين جنود الثوار. لماذا ننسحب؟ هل خفنا؟ هل فشلنا؟
بعد انسحاب حط عقاب على يد فيليكس جلد رسالة ما أن قراها حتى اشتعل فرحا بالابتسامة مهيب.
أمسك غابرييل اللفافة من فيليكس، وما إن قرأها حتى اتسعت عيناه، ثم انفجر في ضحكة هستيرية مدوية زلزلت الغابة. صرخ بأعلى صوته: "احتفلوا !! لقد سقط إلدورا! أسطولهم جنوبي لنا!".
تحول الاستغراب في ثانية إلى صرخات فرح مجنونة، لم يفهموا كيف حدث ذلك، لكنهم أدركوا أنهم كانوا مجرد "طعم" في خطة عبقرية. انسحبوا وهم يهتفون باسم فيليكس.
في المقابل، وتحت في خنادق سُول، وقف المارشال الاعظم "غريغوريو" غارقاً في طين الحيرة. كان مستعداً للموت، جهز فخاخه وجيشه، فلماذا ينسحب الثوار الآن؟ هل هو جبن غير معتاد من فيليكس؟ أم خوف من الخسارة؟ أم أن هناك كارثة لم يدركها بعد؟ الجهل كان يأكل قلب المارشال.
في قاعة القصر، حيث الصمت يخنق الأنفاس، دخل الجندي الهارب وهو يجر قدميه، والدماء تنزف من جروحه العميقة. ارتمى على ركبتيه أمام طاولة خشبية ضخمة يجلس خلفها اللورد "ألفريد".
تحدث الجندي بصوت يرتجف، والدموع تغسل وجهه المليء بالغبار: "سـ... سيدي اللورد... إلدورا... إقليم إلدورا قد سقط! الفيلق الرابع والتاسع... آسر... لقد ذبحوا الحاكم السيرش واستولوا على الأسطول البحري بأكمله!".
تجمد الهواء في القاعة.
نهض اللورد ألفريد ببطء مرعب. لم يقل كلمة. رفع قبضته التي تجمعت فيها طاقة ، وهوى بها على الطاولة الخشبية الصلبة.
كرااااك!
انشطرت الطاولة الضخمة إلى نصفين وطارت شظاياها في الهواء. كان وجه ألفريد ملتوياً في قناع من الغضب الشيطاني الخالص، عروق وجهه كادت تنفجر، وعيناه تشعان بلون الدم.
"فيليييكس!!" زأر ألفريد بصوت جعل جدران القلعة ترتجف، "أيها الملعون! أيها الحشرة القذرة!".
استل ألفريد خنجراً مزخرفاً من حزامه. لم ينظر حتى للجندي المرتجف أمامه، وبحركة واحدة سريعة لا تكاد تُرى، قطع رأس الجندي الذي سقط يتدحرج على الأرض، نافورة من الدماء صبغت السجاد الملكي.
وقف ألفريد يلهث، والدم يقطر من خنجره، مردداً في جنون: "سأحرقك... سأحرق العالم بأسره لأصل إليك!".