سرمد

الفصل 14

دموع الفرح.. وضحكات الظلام

957 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

بمجرد تراجعهم أمر مورست جنود بالإكمال الإنسحاب من الغابة للعودة الريف الجنوبي.

"أكملوا تراجع ...سنترك الغابة لهم.."

لم يكن طريق العودة الى الريف الجنوبي مجرد انسحاب عسكري، بل كان مسيرة نصر أسطورية.

بين صفوف جيش الثوار، تعالت صرخات الفرح الممزوجة بذهول واستغراب لا يوصف. الجنود يتهامسون ويصرخون في آن واحد: "كيف حدث هذا؟ كيف سقطت إلدورا ونحن هنا؟ متى خططوا لذلك؟". لم يفهموا تفاصيل الخديعة، لكن النتيجة كانت كافية لتفجير براكين السعادة في قلوبهم.

في وسط هذه الجلبة، كان العملاق "غابرييل" و"أوين" يشاركان الجنود فرحتهم . غابرييل، الذي كان يسحق الجماجم قبل ساعات، يربت على مصابين، يضحك ،ويعاملهم كإخوة دم لا كثوار تحت إمرته.ابتسم أوين وهو يمسح الدماء عن وجهه، وصرخ فيهم: "هذا هو طعم النصر! اليوم جعلناهم يبتلعون ظلمهم!"

وفي المقدمة، كان الكونت "فيليكس نوفاريس" يسير على جواده بهدوء. التفت لينظر إلى جنوده وقادته، فارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، ابتسامة فخر تمتزج بهيبة قائد يرى جيشه يكبر أمامه كإخوة ينضجون في أتون المعارك.

على النقيض تماماً، وفي إحدى القرى القريبة من قصر الورد، كانت الأرض تشرب دماء الأبرياء.

اللورد "ألفريد" فقد صوابه بالكامل. غضبه لم يعد مجرد تكسير، بل تحول إلى طغيان أعمى. نزل بحرسه الشخصي إلى تلك القرية الوادعة، وبأمر واحد منه، تمت إبادتها عن بكرة أبيها.

"لكم الويل ..كما سيلقاه فيليكس..".

"أرجوك سيدي أترك أطفالي ".

ابتسم ألفريد ببرود وهو ينظر إلى المرأة المنكفئة عند قدميه. "أنينكِ يزعجني..." قالها بهدوء، قبل أن يهوي بسلاحه.

النيران تلتهم الأكواخ، والجثث متناثرة في كل مكان. لم يسلم حتى جنوده من بطشه؛ كل من تجرأ على النطق باسم "فيليكس" كان يتلقى ضربات قاتلة من ألفريد نفسه. صار كالثور الهائج، يقسم بأغلظ الأيمان أنه سيحرق العالم بأسره ليأتي برأس فيليكس.

وفي خنادق منطقة "سُول" الموحلة، وصلت الأخبار كالصاعقة إلى المارشال الاعظم "غريغوريو".

لقد فهم اللعبة أخيراً. فهم كيف تم استدراجه واستنزاف قواته ليترك إقليم "إلدورا" -حيث خزن أحدث الأسلحة والمعدات- لقمة سائغة في يد الثوار. انفجر غريغوريو من الغضب، لكنه غضب ممزوج بالخجل والرعب من غبائه.

"يالي من أخرق لقد أستدرجت...وأعميت بصيرتي..".

وقبل أن يستوعب حجم الكارثة، وصله أمر مباشر من اللورد ألفريد يطالبه بالتوجه فوراً إلى القصر.

"سيدي لقد جائك الإستدعاء مباشر من لورد ألفرد".

في إقليم "إلدورا" المحرر، كان المشهد يبكي الحجر.

القرويون الذين عاشوا عقوداً تحت سياط العبودية، يحيطون بالقائد "آسر" وجنوده. النساء يذرفن دموع الفرح، والرجال ينهالون بالعناق على الثوار، والأطفال يركضون بسعادة حاملين هدايا بسيطة -أرغفة خبز، أزهار، وأشياء متواضعة- ليقدموها لمنقذيهم.

وقف آسر ينظر إليهم. قلبه يرقص فرحاً لحريتهم، لكنه يعتصر ألماً على ماضيهم البائس.

"مهما غابت شمس الحق...وحل الظلام..سيأتي يوما الفجر العظيم..".

توجّه آسر إلى مخازن الإقليم العظمى. وما إن فتح أبوابها حتى تجمد في مكانه. جبال من الذهب، والفضة، وأكوام لا حصر لها من بذور القمح والطعام الفاخر. تسلل غضب أسود إلى قلب آسر وهو ينظر إلى هذه الثروة؛ تذكر كيف كان هؤلاء القرويون يعملون في الحقول كالدواب ليل نهار، جياعاً، هزيلي الأجساد، ليدفعوا هذه الضرائب، ومن يعجز.. يُشنق.

"تأكلون ناس وهم أحياء...وتسلبونهم حقوقهم... ".

نظر آسر إلى جبال الذهب، ثم إلى أجساد القرويين الهزيلة. بصق على الأرض باشمئزاز وهمس بصوت مرعب: "جوعوا شعباً ليبنوا جبالاً من الذهب... أخرجوا هذا العفن، ووزعوه على أصحابه فوراً!"

بقرار حاسم، بدأ بتوزيعه فوراً على أهالي الإقليم الفقراء، لتعلو دعوات القرويين للثوار، محتفظاً بنصيب عادل لدعم الجماعة.

لكن المفاجأة الكبرى كانت في الترسانة العسكرية والميناء.

دخل آسر وأوريليان إلى الميناء العسكري، لتقع أعينهم على غنيمة تفوق الخيال: سبع عشرة سفينة حربية حديثة، أسطول مصغر مدجج بالمدافع، السيوف، والمعدات المتطورة.

وفي قاع تلك السفن، نزل آسر ليجد مئات القرويين المقيدين بالسلاسل إلى المجاديف. كانوا أحياءً أمواتاً، حياتهم عبارة عن تجديف مستمر تحت جلد السياط. حطم آسر سلاسلهم بنفسه.

"كيف تبرر لكم انفسكم هاته الأفعال..".

صرخ العبيد المحررون وبكوا بشكل هستيري ، بينما كانت أعينهم تلتمع بحقد أعمى وانتقام مؤجل تجاه "قبضة العدالة الحديدية".

"شكرا لك..سيدي..شكرا لكم ايها الثوار..".

"لقد سلبنا عائلاتنا..وعشنا تحت وابل السياط..وتجديف حتى الموت".

تحدث آسر في نفسه و هو محكم قبضته "سحقا...سحقا...سحقا لكم..".

وقف آسر وأوريليان ينظران إلى الأسطول بفخر، بينما كان لوكاس في الخارج يشرف على إصلاح المنازل المتضررة ومساعدة الأهالي، ليرسخ الثوار أقدامهم ليس كمحتلين، بل كمحررين.

"ساعدني في حمل هذا العود الخشبي.."

"حسنا..".

"أنتم أنقلوا الحجر..".

بعد عشر ساعات ،على مشارف القرى الآمنة للريف الجنوبي، كان جيش الثوار يقترب من قواعده.

ووسط هذه احتفالات كان شخص واحد يقف منعزلا عن جميع لمحه غابرييل.

اقترب غابرييل من لوجارو. سأله لوجارو وعيناه تلمعان بالفضول والاستغراب: "أخبرني يا سيد غابرييل.. كيف خططتم لهذا كله؟ من أين أتيتم بهذه الخطة التي خدغتنا جميعا؟"

نظر إليه غابرييل، وتلاشت ملامح الوحش الكاسر لتظهر ضحكة . مسح على رأس لوجارو قائلاً: "أوه، يا فتى.. نحن العضلات التي تنفذ فقط. أما هذا الكابوس الذي عاشه آلفرد اليوم..." صمت غابرييل للحظة، وانخفض صوته قليلاً ليضيف بغموض: "...فهو من تدبير وإخراج الثالوث."

عقد لوجارو حاجبيه باستغراب: "الثالوث؟ ما هو الثالوث؟"

اكتفى غابرييل بابتسامة واسعة، تاركاً عقل الفتى -وعقول من حوله- تغرق في بحر من التساؤلات حول هوية هذا الكيان.

في تلك الأثناء، بينما كان ألفريد يحشد جيشاً جديداً من كل الأقاليم المجاورة مدفوعاً بجنونه، كان هناك مشهد آخر يُرسم في بقعة بعيدة ومجهولة.

فارس يرتدي بزة سوداء داكنة كطائر شؤم، يمتطي حصاناً أسود يركض بسرعة جنونية، حتى وصل إلى بوابات قصر ضخم وعملاق، تصميمه يبعث على الكآبة والرهبة.

ترجل الفارس بخطوات مرتعشة، ودخل إلى قاعة واسعة ومظلمة. في نهاية القاعة، وقف شخص يرتدي لباساً ملكياً فاخراً، لكن ملامحه كانت غارقة في الظلام التام. كانت تنبعث منه هالة مرعبة، هالة من القوة الخالص والكآبة التي تخنق الأنفاس في الصدور.

ركع الفارس بخوف شديد، وسلمه لفافة ورقية، ثم تراجع للخلف بحذر وكأنه يهرب من وحش مفترس.

فتح الشخص الغامض اللفافة، وبدأ يقرأ تفاصيل : سقوط إلدورا، الخديعة في سُول، واستيلاء الثوار على الأسطول.

بدلاً من أن يغضب، بدأت كتفاه تهتزان. انطلق من حنجرته صوت ضحكة خبيثة، ضحكة متقطعة ينبعث منها رعب، يتردد صداها في جدران القصر كسموم تتسرب في الهواء.

أمسك اللفافة بيديه، وبحركة باردة مزقها إلى قطع صغيرة تناثرت على الأرض، ثم استدار بخطوات بطيئة ليعود أدراجه ويختفي في قلب الظلام.