سرمد

الفصل 15

اطلال الحرب ، وقرار الصدمة

1,536 كلمة · 8 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

السماء كُسيت برداءٍ أسودَ يبتلع النجوم، والضباب الزاحف ينبثق من أمعاء الغابة المظلمة كأيدي أشباحٍ تبحث عن طريدة. على مشارف تلك الغابة العتيقة، كانت تبدو قريةٌ ضخمة وادعة، غارقة في نومٍ عميق.

وفجأة، انبثقت في قلب الظلام الدامس عشراتُ الأعين الصفراء المتوهجة، تتأرجح بين الأشجار كشراراتٍ من الجحيم. أصواتُ أنفاسٍ وحشية، رطبة ومثيرة للثقزز، بدأت تصدر من حثالة "الغيلان" التي كانت تتضور جوعاً. لم تكن هناك أي مقدمات؛ وفي لحظة خاطفة، انقضت تلك الوحوش الكاسرة على القرية كالطوفان!

تعالت الصرخات وتمزق سكون الليل.

"النجدة!!!!.."

"أنقدونا من هذه الشياطين.."

الغيلان بدأت بفرس الكبير والصغير، تهشم الأجساد وتفترس دون رحمة. ارتفعت طبول الخطر تدقُّ بفرقعاتٍ مرعبة، ورنت أجراس القرية بصخبٍ يمزق الآذان.

"قاتلوا...لاتموتوا جبناء خائفين.!"

"لا تترك أهاليكم لقمتا صائغ..."

اندلع القتال في كل زاوية، وأمسك المزارعون والقرويون بما طالت أيديهم من فؤوس وسيوفٍ صدئة، يحاولون المقاومة بستماتةٍ يائسة، لكن تفوق الوحوش كان ساحقاً ومدمراً.

وفجأة... انشق الظلام.

من بين ظلال الأشجار العتيقة، خطى رجلٌ بسكينةٍ مريبة كأنما يتنزه في حديقة بيته. كان مفتول العضلات، بجسدٍ صلبٍ كأنه نُحت من صخور الجبال.

يعلو ظهره سيفٌ ملكيٌّ مرعب، عريض الشفرة ومزخرف بنقوشٍ ذات هيبة أسطورية تجعل من يراها يشعر بقلة حيلة. الغريب أنه كان يرتدي بدلةً بسيطة للغاية، تبدو وكأنها لباسُ لا يكترث بالمظاهر ، لكن رغم بساطة ملبسه، كانت تدفقات الهيبة الصادرة منه تجبر الأبصار على الشخوص نحوه!

في فمه، كان يمسك بغصن شجرةٍ صغير، يمتصه بلامبالاةٍ .

"أوه..ماالذي تفعله هذه الملاعين هنا... ".

"مفاجئة جميله..."

بمجرد أن وقعت عيناه على أعداد الغيلان المنتشرة كالنمل، ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ بسيطة... ابتسامة الخطورة المطلقة.

طقطقة!

سحق غصن الشجرة بين أسنانه بضغط شديد، ثم أخرجه ورماه جانباً. أمال رأسه بزاويةٍ حادة، وصاح بصوتٍ جهوريٍّ يفيض بالكاريزما والحماس:

" لنسحق هذه الحثالة ! "

قبض على مقبض سيفه الملكي. في تلك اللحظة بالذات، انطلقت موجة هالةٍ حارقة ركّزها بالكامل في ساقيه. انقبضت عضلاته، وتشققت الأرض تحت قدميه بصوتٍ أشبه بالرعد!

بَـــــوم!

في أقل من رمشة عين، ولد موجة انفجارٍ أرضية اندفع على إثرها بسرعة البرق متجاوزاً مسافة خمسين متراً في جزءٍ من الثانية! تحرك جسده الضخم بمرونةٍ خيالية، وسحب سيفه بحركةٍ دائرية واحدة مرعبة، لتنبثق تلك الهالة خضراء الوحشي.

الموجات كاسحة!

قُطعت أرقاب خمسة عشر غولاً دفعةً واحدة! طارت رؤوس الوحوش في الهواء وسقطت الأجساد كالأخشاب المقطوعة، لتتفجر الدماء كالنوافير تحت ضوء القمر. لم يتوقف؛ بل بدأ مأدبةً من الذبح الصريح، يتحرك بين صفوف الغيلان كإعصارٍ من الفولاذ، يمزق الأجساد ويكسر العظام مبتسماً ابتسامته الجميلة ومهيبة ذاتها، وكأنه يلعب ألعاب الأطفال!

وقف القرويون والنظرات الذهول والرعب تجمدت في عيونهم. أجسادهم ترتجف من هذه القوة الغاشمة. تلك الهالة المرعبة التي تشع منه، مع تلك الابتسامة اللطيفة والغير مبالية، جعلتهم يتساءلون في سرهم: هل هذا الذي أمامنا بشر... أم وحشا من الحوش الحرب جاء لإنقاذنا؟

وفي ذات الأثناء، بعيداً عن تلك الغابة وعلى الجانب الآخر من الإقليم...

عاد المشهد إلى معسكر الثوار. كان التعب يمتزج بالراحة بعد ليلةٍ كاملة من الاحتفالات بالفوز السابق. ألسنة الدخان تقتعد من بقايا النيران المشتعلة، والجنود يستريحون على أطراف المعسكر.

لكن السكينة لم تدم طويلة.

اخترق المعسكرَ فارسٌ يستقل حصاناً يلهث بلعابٍ أبيض، ينتمي لشبكة الرسل الخاصة بـ "فيليكس نوفاريس". قفز الرسول عن ظهر جواده وسارع بنهجان حاد نحو خيمة القيادة، يمتلكه ذعرٌ شديد، حتى سلم فيليكس رسالةً مختومة بالجمع الأحمر.

فتح فيليكس الرسالة، وبمجرد أن وقعت أسطرها تحت عينيه، تجمدت ملامحه الحادة. " أعداد الغيلان في مختلف المناطق، والجزر، والأقاليم المجاورة قد شهدت ارتفاعاً طارئاً ومرعباً في الآونة الأخيرة. أعداد التسرب من أعماق المناطق المظلمة زادت بغزارة غير مسبوقة".

ظهر التوتر بوضوح على وجه فيليكس، وخيم عليه قلقٌ جاد. بدأ يتحسس مقبض سيفه ويسير بخطواتٍ مضطربة داخل الخيمة، يحدث نفسه بنبرةٍ مليئة بالخوف والمسؤولية:

"ما العمل مع هذه الكائنات الخبيثة التي بدأت تتسرب كالجذام وتلتهم القرى؟ إنها تقتل بلى تفريق ، وقضت حتى على ثكنات القبضة الحديدية ...؟"

ولم تكد تمر لحظات حتى تحول المشهد نحو أقصى درجات البطش ... نحو اللورد ألفريد!

كان ألفريد يقف على شرفة قلعته العتيدة، وعروق وجهه وجبهته بارزة كالأفاعي الملتوية من شدة الحنق. كان الغضب يعمي بصيرته بعد هزيمته. لم يستمع لأي صوتٍ للحديث أو التروي، بل صرخ بأعلى صوته ليصل كل الجنود الذين طلبهم من الأقاليم !

حشد ألفريد جيشاً جراراً لم يسبق للإقليم أن شهد مثله... مئة وعشرون ألف جندي!

جيشٌ كاسح، متوحش، تعززه آلاف الخيول والمعدات الثقيلة، حيث جلب متميزين من القوات الضاربة والفرسان المصفحين الذين يقعون تحت سلطته المباشرة.

في ساحة العرض العسكرية، جاء القائد "غريغوريو" حانياً رأسه، مطأطئاً عينيه . صاح ألفريد بنبرةٍ جحيمية تملؤها قسوة السلطة:

"جهزوا الجيش بأكمله! جهزوا ثلاثة فيالق كاملة لتباشر العمل فوراً كسلاسل إمداد لا تتوقف! أريد المنجنيقات، وآلات الحصار، وأقواس الرمي الفولاذية أن تملأ السهول! سأطحنهم هذه المرة تحت أقدام خيولي!"

وعلى الجانب الآخر،حلق نسر في الأجواء بينزل على كتف فيليكس:

"سـ... سيدي فيليكس! اللورد ألفريد... إنه يحشد جيشاً خيالياً يقارب عدده مئة وعشرين ألف جندي! إنهم ينطلقون باتجاهنا!"

وقف فيليكس ينظر إلى رسالة بالإبتسامة الخافة.

"هل لهذه الدرجة جن جنون ذلك مختلف العقلي؟!" .

في تلك اللحظة، خيم صمتٌ مطلق ومريب على معسكر الثوار. المعسكر الذي كان منذ لحظاتٍ يسوده الفرح والطمأنينة والسعادة، تحول في ثوانٍ معدودة إلى ساحةٍ من الترقب والانتظار مجهول، والترقب الخانق، والصدمة الذهول.

"بكاد الإرتحنا و الأن علينا خوض معركة جديدة..!".

رفع فيليكس رأسه فوراً، وصاح بصوتٍ ملأ الأرجاء ليرفع معنويات جنوده ويبدد ذهولهم:

"استعدوا جميعاً! ليس لدينا وقت للذهول، الثورة لا تنحني أمام الأعداد!"

تحرك فيليكس بسرعةٍ وتخطيطٍ عسكري ذكي. جمع نخبة الفيلق الرابع والتاسع، وأرسل طلبات الإمداد العاجلة، بل إن القرويين والفلّاحين في الإقليم سارعوا بالقدوم إلى المعسكر يحملون أدواتهم لدعم فيليكس والدفاع عن أرضهم.

"سيدي..نحن مستعدون لتقديم أرواحنا .."

"لا..نريد عودة ذلك الظلم..".

ولم يكتفِ فيليكس بذلك، بل وضع خطةً دفاعية محكمة:

قام بفك المدافع الثقيلة التي كانت على متن السفن الحربية، ونقلها بشدة إلى أعالي أطلال الإقليم والتلال المرتفعة ليرجم بها القوات المتقدمة.

"هيا..!!..جرو يا الأشاوز..".

وفي الغابة الممتدة على بعد كيلومترٍ واحد من الإقليم، جهز مئات الرماة بالسهام النارية المدهونة بالزيت، حفر الخنادق، ونصب الكمين متفجرات، حتى إذا خسروا الخط الأول ورأوا أن المعركة تميل لصالح العدو، أحرقوا الغابة بمن فيها وجعلوا الأرض جحيماً تحترق تحت أقدام المهاجمين.

بدأت الأرض ترتجف بعيداً... جيش ألفريد الجرار بدأ يقترب.

عندما سمع "لوجارو" بنبأ هذا الجيش الأسطوري، صُدم.

"ه،ه...... شياطين لا تردع سحقا لكم...سيأتي اليوم الذي أدوس فيه على أعناقكم..".

ناده غابرييل " لوجارو...تعال لتدريب ".

بدأ غابرييل يدربه وسط أجواء الاستعدادات. ضرب غابرييل بسيفه خشبي الذي يدريب لوجارو به، وقال بنبرة حازمة:

"عزز سيفك! ... أنت تملك قوة جيدة ومخبوءة يا لوجارو، لكنك لا تعرف كيف تخرجها."

في تلك اللحظات الفاصلة، انساب شريط الذكريات في عقل لوجارو... تذكر معلمه القديم ، الذي كان يمرنه بكل قسوة وشهامة من أجل مصلحته، ذلك المعلم الذي زرع فيه بذور القوة.

"مرة أيام يا معلم.."

وفجأة، طفت على ذهنه كلمةٌ كان قد سمعها في الماضي ورسخت في أعماقه.

نظر لوجارو إلى غابرييل بصدمة وتساءل صارخاً:

"غابرييل! ما هو... الإيثيريون؟!"

تجمد غابرييل في مكانه، وفتح عينيه بشرارةٍ من الصدمة والذهول:

"كيف... كيف لفتىً مثلك في هذا العمر أن يعرف هذا الاسم المندثر؟!"

تنفس غابرييل بعمق، ثم قال بتأمل وجدية ملأت نبرته:

"الإيثيريون... هو لقبٌ أسطوري كان يُطلق قديماً على حاملي جزيئات ثير. قوة الثير يا لوجارو هي طاقة أسطورية تسري في عروق الجسد البشري، تتكون من جزيئات أصغر بكثير من الذرة. هذه الجزيئات قادرة إذا استُحثت على التشكل وتجسيد العناصر الطبيعية أو التحكم فيها... كالنار، أو الهواء، أو الصخر، أو المياه! وهي قادرة على مضاعفة قوة جسد الشخص وقوة سيفه أو سلاحه أضعافاً مضاعفة لا يتخيلها عقل!"

بقي لوجارو شارد الذهن، يستمع إلى كلمات غابرييل بذهولٍ تام وكل حواسه متأثرة بتلك الحقائق .

أمسك غابرييل بكتف لوجارو وقال له:

"عليك أن تحاول الاندماج مع سيفك... أن تتدفق بكل طاقتك ونفسك إلى شفرته ، حتى تصيرا كياناً واحداً."

استحضر لوجارو في ذهنه صورة معلمه القديم، وابتسامته الصارمة التي كانت تحثه دوماً على التطور.

لكن قبل أن يكمل غابرييل شرحه، صرخ القائد "أوون" من أسفل التل:

"غابرييل! تعال فوراً! نحتاجك في سلاسل الإمداد لنقل الصخور وتحصين الجبهة!"

ربت غابرييل على ظهر لوجارو مشجعاً، ثم انطلق سريعاً نحو الجبهة الثانية ليكون في مقدمة المستعدين للاصطدام الشرس المرتقب مع جيش ألفريد.

بعد مسير ساعات.

وصل الجيش الجرار الذي يقوده ألفريد بنفسه إلى مسافة عشرة كيلومترات فقط عن مشارف الإقليم. كانت الأرض تحتظن غباراً كثيفاً يغطي عين الشمس من كثرة الجنود والخيول.

وفجأة...

من بين التلال، خرج فريق صغير لا يتعدى عدده 20 شخص فقط! كانوا يرتدون الدروع والدبابيس ذات الطابع الخاص.

وقف قائد هذا الفريق الصغير في منتصف الطريق، ورفع يده ملوحاً بصوتٍ مدوٍّ هز السهل بأكمله:

"تـــــوَقَّـــفُـــوا!"

في تلك اللحظة بالذات... حدث ما لم يكن في حسبان أحد!

تجمّد اللورد ألفريد في مكانه كأنه صُنِع من صخر! وجهه الشرس شحب فوراً، ولم يستطع أن يبوح بكلمةٍ واحدة، أو يعصي ذلك الأمر الشفهي، بل لجم حصانه بعنف وتوقف بالكامل!

تقدم أحد فرسان ذلك الفريق الصغير بخطواتٍ واثقة، ومد يده مسلماً رسالةً مغلقة إلى ألفريد.

بقي الجنود ينظرون باستغراب وذهول، حتى غريغوريو نفسه بلمعة عينيه المتفاجئة لم يستطع أن ينبس ببنت شفة، أو يستفسر عن هذا الهوان المفاجئ!

فتح ألفريد الرسالة ... وبمجرد أن وقعت عيناه على الكلمات المختصرة المكتوبة في الداخل، حاول صدم!

كانت الرسالة تحمل سطوراً قليلة لكنها حملت في طياتها تهديداً أو قوةً أعلى !

ودون أي مقدمات، ودون أن ينبس بببريرٍ واحد، أو يجيب على نظرات جنوده وقادته ، استدار ألفريد بحصانه، وصاح بصوتٍ مبحوح يملؤه الرعب والكتمان:

"انسحاب! أمر للجميع... انسحبوا فوراً!"

وقع القرار كالصاعقة على الجيش الجرار! مئة ألف جندي بدأوا بالالتفاف والتراجع نحو الخلف، يكسوهم الذهول والحيرة المطلقة، يبتعدون عن الإقليم بخطى ثقيلة، تاركين خلفهم خيطاً عريضاً من الغموض والمرعب الذي يلف حقيقة هذا الانسحاب.