كانت الأنفاس محتبسة في صدور الثوار، والصمت الذي خيّم على أطلال الإقليم لم يكن صمتَ هدوء، بل كان أشبه بهدوء المقابر قبل أن تنفجر الأرض بالموتى.
وقف جيش الثوار في اصطفافٍ حديدي، عيونهم شاخصة نحو الأفق الضبابي، وعقولهم في أقصى درجات التركيز. أرواحهم تعانقت مع الموت سلفاً؛ فإما النصر الذي يغسل عار السنين، وإما موتٌ يخلده التاريخ.
ومن خلف تلك الصفوف المنظمة، كان المشهد يمزق نياط القلب؛ القرويون المنهكون، شيوخاً وشباباً لا يفقهون من فنون الحرب شيئاً، وقفوا جنباً إلى جنب مع الثوار. أجسادهم الهزيلة ترتعد، وأطرافهم ترتعش خوفاً من فكرة مواجهة قبضة، لكن في أعينهم بريقٌ مرعب من الكرامة. كانوا يمسكون بسكاكين المطبخ، المناجل الصدئة، والفؤوس الخشبية، يتهامسون بينهم بأسنانٍ تصطك: "نحن معكم.. سنموت هنا أو نعيش أحراراً.. لا عودة للذل، لا عودة لسياط العبودية".
في التمركزات التكتيكية، وقف القائد "أوين" كجبلٍ لا يتزحزح في الجهة الشرقية، بينما تمركز "أوريليان" في الجهة الغربية، ووقف الكونت "فيليكس نوفاريس" شامخاً كنسرٍ جارح على قمةٍ مرتفعة، وبجانبه العملاق "غابرييل"، و فاتح الإقليم آسر عيونهما تخترق الأفق بانتظار طلائع جحافل "قبضة العدالة الحديدية".
مرت الساعة الأولى... ثقيلة كأنها دهر.
ثم انقضت الساعة الثانية... ولم يظهر طيفٌ لرايات العدو!
بدأ التململ يتسرب إلى صفوف الجنود. الأيدي التي تقبض على السيوف تعرقت، والتساؤلات بدأت تنهش عقولهم: "هل هذا فخ؟ هل يمارسون علينا حرباً نفسية لنرخي دفاعاتنا؟ هل يلتفون حولنا الآن؟"
الشك كاد أن يكسر هالة التركيز العالي، حتى انطلق صوت "كونت فيليكس" الجهوري، شاقاً سكون كصاعقةٍ رعدية:
"أيها الجنود! اصطحبوا عقولكم وركزوا! كفاكم شروداً في الأوهام! العدو قد يباغتنا في أية ثانية ليفترس لحومكم! انتبهوا لأسلحتكم!"
ثم التفت إلى نوابه، وأمر بإرسال دوريات استطلاع سريعة تمسح السواحل والتلال المجاورة، للتأكد من عدم وجود أي هجوم برمائي أو التفافٍ غادر.
مر الوقت ببطءٍ قاتل. وفي داخله، كان ذهن فيليكس يغلي كمرجل.
"ما اللعبة الخبيثة التي يلعبها ألفريد؟ هل الأخبار التي وصلتنا مزيفة لترويعنا؟ هل وقع جاسوسي في الأسر وتم استنطاقه؟"
بجانبه، كان غابرييل يتفقد ثبات الصفوف، بينما القائد "موريست" يعض على شفتيه، والشك يتسرب إلى ملامحه بوضوح.
لم يعد الصبر خياراً. استدعى فيليكس كلاً من "موريست" و"أوريليان" قائد الفرقة التاسعة للنخبة، وأعطاهما أمراً مباشراً:
"تسللا بهدوء وحذر مطلق. لا تأخذا معكما حراساً كي لا تلفتوا الانتباه. أريد خبراً يقيناً."
وتم الاتفاق على نظام الإشارات الضوئية الخيميائية الملونة:
الأحمر: نتعرض لهجوم.
الأصفر: رصدنا العدو وهو يتأهب.
الأخضر: لا يوجد أي أثر للعدو.
انطلق أوريليان وموريست كشبحين يبتلعهما الظلام، يتوغلان بحذرٍ شديد نحو المنطقة التي كان يُفترض أن يمر منها جيش ألفريد الجرار.
وعندما وصلا... توقفا في مكانهما مشدوهين!
لم يكن هناك جنود، ولا رايات، ولا خيام... لكن الأرض كانت تتحدث بمرارة! كانت السهول مدكوكة بالكامل، الأشجار محطمة، وآثار حوافر عشرات الآلاف من الخيول وعجلات المنجنيقات الثقيلة محفورة بعمق في الطين.
تفحص أوريليان الأرض، ونظر إلى موريس بذهول، لقد كان الجيش هنا فعلاً، لكنه التفت وعاد من حيث أتى!
فوراً، أطلق موريس شعلة الإشارة الخضراء في السماء المظلمة، وأرسل برمز دخاني مفاده طلب حضور القائد فيليكس شخصياً،رمز الإستدعاء.
جاء فيليكس مسرعاً، وما إن رأى حجم الأحافير في الأرض حتى تبددت فكرة خيانة الجاسوس من رأسه تماماً. لقد كان الجاسوس صادقاً، الجيش كان هنا، وانسحب بأمرٍ ما!
وفي خضم هذا البحر من التساؤلات، سمعوا رفرفة أجنحةٍ قوية. نزل عُقابٌ جارح ضخم -من طيور المراسلة الخاصة بفيليكس- وحطّ مباشرة على كتف الكونت. ربّت فيليكس على الريش الخشن للعقاب، وسحب الرسالة من أنبوبه الصغير.
فتحها، وقرأ محتواها بصمت، ثم رفع رأسه ببطء قائلاً لقادته:
"جيش ألفريد انسحب بالكامل... لأسبابٍ مجهولة وغير معروفة قطرياً، يشاع أنها فرقة...."
(قبل وصول هذه الرسالة لفيليكس بساعات - في طريق العودة لجيش ألفريد)
كان المشهد في جيش "قبضة العدالة الحديدية" يكسوه الخزي والغموض. أكثر من مئة وعشرين ألف جندي يسيرون أدراجهم، رؤوسهم مطأطأة، وعقولهم تغلي بتساؤلاتٍ لا يجرؤون على النطق بها.
من هؤلاء الاشخاص الذين أوقفوا زحفهم؟ وما تلك الورقة التي كسرت تقدم اللورد ألفريد ؟
اقترب المارشال الاعظم "غريغوريو" بخيله من اللورد ألفريد، الذي كان ينظر أمامه بعينين فارغتين همس غريغوريو بصوتٍ خافت، يملؤه التوجس:
"سيدي اللورد... هؤلاء الفرسان الذين أوقفونا... هل هم... هل هم هؤلاء الذين حدثتني عنهم في تلك المرة؟"
لم يلتفت ألفريد، بل اكتفى بالرد بصوتٍ بارد كصقيع الشتاء:
"نعم... إنهم هم."
ثم التزم صمتاً قبورياً، لم يتجرأ غريغوريو أو أي قائد آخر على كسره بعد ذلك.
عاد المشهد إلى الحاضر، بعدما عاد فيليكس أدراجه وألغى حالة الاستنفار القصوى، وعادت الفيالق لتتنفس الصعداء.
في تلك الأثناء، وفي غرفة اللورد ألفريد القاتمة داخل قصره العائد إليه بخفي حنين.
كان يجلس على كرسيه الوثير، يغمره شعورٌ بالهزيمة الساحقة التي لم يطلق فيها سهماً واحداً. فجأة، تسلل من نافذة الغرفة المفتوحة غرابٌ أسودٌ داكن، ليس غراباً عادياً، بل كائناً تنبعث منه هالة سوداء شريرة وخانقة.
حط الغراب على المكتب الفاخر، وبحركة مقززة، فتح منقاره و"بصق" لفافةً ورقية ملطخة بلعابٍ أسود.
امتدت يد ألفريد لالتقاط اللفافة. فتحها، و قرأ الكلمة الوحيدة المكتوبة بداخلها بصوتٍ مسموع، خشن، وممتلئ بالرعب:
".....الاجتماع السنوي..."
بمجرد أن نطقها، طوى الورقة في قبضته ، بينما نفض الغراب الملعون ريشه وعاد ليحلق مبتلعاً إياه ظلام الليل.
في معسكر الثوار، انقلب التوتر إلى احتفالٍ حذر.
نيران التخييم اشتعلت من جديد، ورائحة الطعام المشوي ملأت الهواء. الجنود الذين كانوا مستعدين للموت، يجلسون الآن يأكلون ويمزحون، يشاركون طعام مع قرويين سعداء والأطفال بؤساء ،لكن عيون الكثيرين منهم كانت تتجه بفضول نحو فتىً يافع يجلس بهدوء، يراقبهم بعينين تحملان عمقاً لا يناسب سنه... "لوجارو".
وفجأة، وقف العملاق "غابرييل"، وضرب بكأسه الخشبي على الطاولة لينصت الجميع. تنحنح بصوته الجهوري الذي ألجم المعسكر، وصرخ قائلاً:
"أيها الإخوة! اسمعوني جيداً! اليوم، لم ننجُ فقط من الموت، بل كسبنا دماً جديداً ينبض في عروق ثورتنا، عشنا عدة تقلبات وهذا هو الوقت المناسب لتعريفكم به ، انضم إليكم اليوم أخٌ جديد، ثائرٌ صغير في عمره، لكنه ذاق من مرارة الكأس التي شربتموها جميعاً!"
أشار بيده الضخمة نحو لوجارو، وأكمل بنبرةٍ امتزج فيها بالفخر:
"نحن لا نتمنى أبداً أن يحمل الأطفال السيوف، ولا أن تُسرق طفولتهم في خنادق الدم. لكن... حثالة قبضة العدالة الحديدية لم يتركوا له خياراً. هذا الفتى عاش معاناةً صهرته، وحولته من طفلٍ إلى وحشٍ مكبوت يسعى للانتقام العادل. أعرفكم بأخينا... لوجارو! الفتى الذي انضم إلينا بأمرٍ مباشر من الكونت فيليكس شخصياً، دون المرور بمعسكرات التأهيل، لأن الكونت رأى في عينيه ما يكفي ليقف بينكم في ساحات !"
ختم غابرييل حديثه بابتسامة واسعة: "أريد منكم جميعاً أن ترحبوا به! اجعلوه يشعر بأن له عائلة لم تمت!، وإلا سأسحق عضامكم"
بمجرد أن أنها كلامه بدأ غابرييل بضحك،وسط نظرات الإعجاب من الجنود المبتدئين الذين كانوا في معركة فتح الإقليم الإلدورا.
فور انتهاء كلماته، نهض الجنود تباعاً. القادة، والجنود المتمرسون، وحتى القرويون. تهافتوا عليه واحداً تلو الآخر، يصافحونه بحرارة، ويربتون على كتفه هاتفين بحماس يبعث الدفء في العروق: "مرحباً بك يا فتى الصغير ...لوجارو!".
قضى لوجارو ليلته الأولى الحقيقية محاطاً بالاحتفالات. لأول مرة منذ سنوات، وهو يتذكر لياياله باردة مع جدته الحنونة، أحس بشعور الانتماء. أحس بالحب الخالص والامتنان لهؤلاء الرجال القساة من الخارج، الدافئين من الداخل،ورغم هذا الدفء، فإن نار الحقد والغل تجاه قبضة العدالة الحديدية التي قتلت طفولته لم تنطفئ، بل زادت استعاراً؛ فهو الآن يملك عائلة يخاف أن يفقدها مجدداً.
من بعيد، كان لوجارو يتأمل نظر وهو جالس في خارج إلى خيمة القيادة.
كان يرى "غابرييل" صورة المحار الصارم، الحكيم، العظيم الذي لم يحظَ به يوماً، يشعره بالأمان واللطف المخفي خلف قناع الجدية. بينما كان ينظر إلى العملاق "كونت فيليكس" كالأخ الأكبر الجاد والقوي في آنٍ واحد.
هنا، بين هؤلاء الثوار، وُلد لوجارو من جديد... ليس كضحية، بل كروح جديدة انبثقت داخله ، زادته دعما لتحقيق الانتقام، ولكن كل هذا لم يغير من قناعات لوجارو الإنانية.