سرمد

الفصل 17

أسوار العرق.. ونواة الصخر

1,069 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

داخل حجرةٍ غارقة في عتمة خانقة لا يكسرها سوى وميض خافت لشموعٍ تحتضر، كان هناك رجلٌ يجلس بوقارٍ مرعب على كرسيٍ ملكي فسيح. لم تُظهر الظلال ملامحه، لكن الهالة التي كانت تنبعث منه جعلت الهواء في الغرفة ثقيلاً كأنفاس الموتى.

انشق الظلام عن فارسٍ مدرع، ركع على ركبة واحدة بوجلٍ واضح.

جاء صوت الرجل الجالس عميقاً، هادئاً، ومقشعراً للأبدان:

"تأكد من أن يحضر جميع اللوردات في الوقت المحدد... لا مجال للأعذار."

توقف للحظة، وارتسمت على وجهه المخفي في الظل ابتسامةٌ :

"أما بخصوص 'روميو'... فاتركه يشعر ببعض النشوة الآن. دعه يظن أنه كسر كبريائنا و صار قويا .. ثم... سأسحقه ."

كانت شمس الظهيرة تضرب خيام و غرف الثوار، ولا يزال المعسكر غارقاً في سباتٍ عميق بعد ليلةٍ طويلة من الاحتفالات، نسي فيها الرجال رائحة الدماء وتذوقوا طعم النصر ولذائذ الطعام.

لكن هذا السلام لم يدم.

دانغ! دانغ! دانغ!

دوي جرسٍ نحاسي ضخم شق سكون المعسكر كالصاعقة. كان العملاق "غابرييل" يجوب بين الخيام، يقرع الجرس بيدٍ واحدة، ويصرخ بصوته الذي يرجف الأرض:

"هيا يا رجال! انتهت أوقات الدلال! استيقظوا! الشمس في كبد السماء وأنتم تغطون في النوم كالموتى! هيا للفطور، أمامنا أطنان لننقلها!"

خرج الثوار من خيامهم يترنحون، وجوههم مكفهرة، وعيونهم مثقلة بالنعاس والتذمر. لم يكونوا يريدون سوى يومٍ واحد من الراحة، لكن غابرييل وقف أمامهم ، رمقهم بنظرةٍ واحدة جعلت النعاس يهرب من أعينهم، وقال بصرامة:

"لا إجازات في زمن الحرب! نحن لا نعرف متى تباغتنا كلاب القبضة. تناولوا طعامكم بسرعة، فالعمل الشاق بانتظاركم!"

توزع الثوار على عشرات الموائد الخشبية الطويلة المليئة بالطعام. في إحدى الزوايا الهادئة، كان "لوجارو" يجلس وحيداً، يمضغ طعامه ببروده المعتاد، وعيناه الشاردتان تراقبان حطام الإقليم.

فجأة، جلس بجانبه شابٌ وسيم، ذو بنية جسدية قوية وندبة خفيفة تزيد من حدة ملامحه. كان اسمه "فاردي". لوجارو كان يعرفه بالرغم من أنه لم يكلمه قط؛ فاردي انضم حديثاً للثوار هو من جنود مبتدئين متدربين، لكنه كان وحشاً ضارياً في المعارك، يسحق جنود القبضة العدالة الحديدية بشراسة لا تتناسب مع ابتسامته الدافئة التي يوزعها الآن.

نظر فاردي إلى لوجارو وابتسم بودٍ صادق: "أتدري؟ نبدو أنا وأنت أصغر فردين في هذا الفيلق بأكمله."

لم يلتفت لوجارو، بل استمر في الأكل وأجاب بصوتٍ جاف كخشبٍ يابس: "نعم.. هذا ممكن."

ورغم هذا الرد البارد الذي قد يزعج أي شخص، اتسع قلب فاردي لهذا الفتى. لقد رأى في عيني لوجارو الجاحظتين تلك النظرة المنطفئة التي لا يمتلكها سوى من عُجن طفولته ببؤس العالم.

سأل فاردي بفضول: "أخبرني يا صديقي، كيف جائتك تداريب جزر تابعة لجماعتنا ؟ كيف خضت الاختباراتك؟ لم أرك قط في تدريبات."

توقف لوجارو عن المضغ، وأجاب ببرود مقتضب: "لم أفعل."

اتسعت عينا فاردي بصدمة، ومال نحوه هامساً: "هل تقصد... أن الكونت فيليكس اختارك بنفسه لتنضم دون ذهاب لجزر؟"

"نعم."

ضحك فاردي بصوت خافت، وربت على كتف لوجارو بحماس وإعجاب: "يا لك من مرعب! أن تقنع الكونت شخصياً بضمك فهذا شرف لا يناله إلا القلة. أنت تخفي وحشاً بداخلك إذن!"

رغم ملامح لوجارو الثلجية التي لم تتغير، إلا أن إحساساً غريباً بالاحترام والارتياح تجاه هذا الشاب القوي بدأ يتسلل إلى زوايا قلبه المظلمة.

على طاولة خشبية ضخمة فُرشت عليها خريطة إقليم إلدورا، تحلق قادة الثوار: فيليكس نوفاريس، غابرييل، أوريليان، لوكاس، آسر، وبجانبهم غوتو ولوري.

بدأ غوتو يشير إلى الخريطة بجدية تامة:

"الوضع الجغرافي كالتالي؛ في الشمال، التضاريس وعرة، صخور ومرتفعات تنتهي بغابة كثيفة في منتصف الطريق، مما يجعل زحف الجيوش الضخمة كابوساً.

هناك أربعة أبراج مراقبة وبوابتان صغيرتان، وخلفهم حصن لتخزين السلاح. نحتاج هناك إلى إضافة برج جديد، بناء حواجز صخرية عملاقة لعرقلة أي تقدم، وتكثيف دوريات المراقبة."

قاطعه لوري مشيراً إلى الجهة اليمنى من الخريطة:

"أما الشرق، فهو الكارثة الحقيقية. أراضٍ منبسطة تماماً تكشفنا لأي زحف. سنحتاج لجهد : ستة أبراج مراقبة، بوابتا عبور صارمتان لفرض الرسوم، وثلاثة حصون ضخمة قادرة على استيعاب ثلاثة فيالق كامل بأسلحتها ومؤنها. يجب حفر فخاخ وبناء خنادق وأسوار صخرية تغلق الطريق المفتوح."

وأضاف فيليكس بصوته الحازم: "أما الغرب فهو البحر، والهجوم منه سيكلفهم خسائر بحرية لا طاقة لهم بها الآن. وفي الجنوب، البوابة تحت حماية آسر، وسيكتفي بترميم الأسوار المتصدعة وتعزيزها."

خرج القادة من الخيمة. وصرخ غابرييل صرخته المعتادة: "هيا يا رجال! إلى العمل!"

انفض الثوار كالنمل المرعوب يتجهون لمواقعهم، باستثناء جنود النخبة من الفيلقين الرابع والتاسع، الذين وقفوا بصلابة وثبات ينتظرون أوامر قائديهم "لوكاس" و"أوريليان" للتوجه شرقاً.

في الجبهة الشمالية، كانت الملحمة العضلية قد بدأت. أطنان من الحجارة يجب أن تُنقل لرفع الأسوار. كان لوجارو وفاردي يدفعان صخرة ضخمة، العرق يتصبب منهما، بينما غابرييل يمر بين الصفوف ، يحمل بيديه صخوراً تزن آلاف الكيلوغرامات وكأنها حبات فاكهة.

توقف غابرييل، ورمى صخرة ضخمة زلزلت الأرض، ثم التفت للجنود المنهكين وصرخ:

"أيها الحمقى! هذا ليس عملاً شاقاً! هذا تدريب لساحة المعركة! لا تستخدموا عضلاتكم فقط.. ركزوا هالتكم في قبضاتكم!"

اقترب غابرييل من صخرة عملاقة عجز عشرة رجال عن زحزحتها. وضع يده عليها، ومضت هالةٌ خفيفة حول ساعده، وبحركة واحدة، رفعها عن الأرض ورماها بعيداً.

بدأ الجنود يحاولون تطبيق الأمر. التفت فاردي إلى لوجارو، الذي كان يحدق في يديه، وقال له بلطف وتوجيه:

"لوجارو، لا تدفع بجسدك. تذكر نواة طاقتك في صدرك، تخيل أنها تتدفق كالنهر عبر كتفك وصولاً إلى كفيك.. ثم اطلقها دفعة واحدة في الصخرة."

همهم لوجارو برأسه، وبدافع كبريائه الصامت، لم يطلب المزيد من الشرح. أغمض عينيه، وتذكر كلمات معلمه روبيرتو. ركز تدفق الطاقة... مرة، مرتين، عشر مرات. وفي المحاولة الحادية عشرة، شعّت هالة خافتة جداً حول يديه، ودفع الصخرة بقوة جعلتها تتزحزح أمتاراً للأمام. ابتسم فاردي بفخر، بينما مسح لوجارو العرق ببرود.

لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما حان وقت استراحة المياه.

ذهب عمال الجبهة الشمالية ليروا تقدم الجبهة الشرقية. فتسمروا في أماكنهم من هول المنظر.

جنود النخبة في فرقتي أوريليان ولوكاس لم يكونوا يحملون الحجارة.. كانوا يكسرونها بأيديهم العارية!

بعض الجنود صلبوا أذرعهم باستخدام قدراتهم الخاصة حتى باتت جلودهم تشبه الصخر الرمادي القاسي ومنه يقطع الأشجار برياح .

كانوا يحملون الصخور، يبنون الأسوار، ويحفرون الخنادق بسرعة شيطانية وكأنهم آلات لا تتعب. قطرات عرقٍ معدودة كانت تلمع على جباههم.

سقطت زجاجة المياه من يد أحد الثوار العاديين، وتمتم بصوت محبط: "كيف أن نصل الا مستوى هؤلاء نحن حشرة بنسبة لهم؟ إنهم وحوش..."

حتى لوجارو، الذي لا يظهر مشاعره، اتسعت عيناه بصدمة حقيقية وهو يرى مستوى القوة المرعب.

وقف فاردي بجانبه، ونظر إليه بعينين تلمعان بالتحدي والإحباط في آنٍ واحد: "هؤلاء يا لوجارو هم نخبة النخب. إنهم شياطين الكونت فيليكس الذين نجوا من جحيم معارك لا ينجو منها البشر. ليتني أصل لمستواهم يوماً ما ، أن نحن موجودون هنا مجرد مبتدئين يتدربون في حروب حقيقية ليكتسبو خبرة..."

وفي الجبهة الجنوبية، كان "آسر" يقف بهيبته ، و رمحه طويل الملكي ، كان يوجه الجنود يساعدهم ، و يسعى لأن يكون سور في أعلى درجات جاهزيته.

ومع مغيب الشمس، جلس الثوار منهكين، أجسادهم تئن، لكن أرواحهم كانت تُصهر وتتشكل من جديد استعداداً للايام قادمة.