كان السكون يبتلع معسكر الثوار، سكونٌ ثقيل لا يقطعه سوى أنين الجنود الجدد النيام الذين سُحقت عظامهم تحت وطأة الأعمال الشاقة. لم يكن مستيقظاً في هذا الليل البهيم سوى بعض جنود النخبة الذين يمشطون الحدود، وعينان باردتان كالصقيع تراقب السماء من زاوية منعزلة.
تحت ظلال شجرة بلوط عملاقة، كان لوجارو جالساً. عيناه تتأملان النجوم، لكن عقله كان محاصراً في تلك الليلة الباردة... الليلة التي كادت الحمى أن تلتهم جسده النحيل. تذكر وجه جدته المجعد، يديها الدافئتين وهما تمسحان العرق عن جبينه، وعينيها اللتين سهرتا حتى الفجر لتطعمه الحساء. شدَّ لوجارو قبضته حتى برزت عروق يده، وهمس بصوت لا يسمعه سواه:
"ليتكِ تعودين... لكنني أقسم، دماءكِ لن تجف قبل أن أغرق هذا العالم في دمائهم."
على الجانب الآخر من المعسكر، كان فاردي مستيقظاً أيضاً. عيناه تحملان حنيناً مشابهاً لعائلة ، لكن قلبه كان ينبض بأمل مختلف. قادته خطواته في الليل الهادئ حتى لمح ظل لوجارو المنعزل. بمجرد أن رآه، شعر فاردي بانجذاب غريب؛ لقد رأى في لوجارو وحشاً جريحاً يختبئ خلف قناع البرود.
جلس فاردي بجانبه. وكالعادة، لم يرمش للوجارو جفن، بل عامله وكأنه هواء عدم.
"كيف حالك يا لوجارو؟" سأل فاردي محاولاً كسر الجليد.
لم يتلقَّ سوى الصمت. لكن فاردي، بطبيعته العنيدة، لم يستسلم. بدأ يطرح أسئلة عابرة، وكان لوجارو يجيب بكلمات متقطعة وموزونة كالخناجر، لا تحمل أي ذرة من الدفء.
وفي لحظة صفاء، التفت فاردي ونظر إلى لوجارو بعمق وقال:
"هل أنت مثلي يا لوجارو؟ هل تطمح لتصبح أقوى كي تحرر هذا العالم من قسوة قبضة العدالة الحديدية؟ لكي نحمي الضعفاء فلا يذوقوا مرارة الفقد التي ذقناها؟"
توقف الهواء في حنجرة لوجارو للحظة، قبل أن تنفلت منه ضحكة خافتة، ضحكة خالية من أي مرح، مليئة بالسخرية المظلمة. نظر إلى فاردي بعينين لا تحملان أي شفقة وأجابه ببطء شديد:
"تحرير العالم؟ حماية الضعفاء؟... هذه الأفكار و الامال هي إلى وهم تخدرون به انفسكم."
مال لوجارو برأسه قليلاً وأكمل بصوت يشبه فحيح الأفاعي: "أنا لا أهتم لهذا العالم يا فاردي. لا أهتم إن احترقت القرى، ولا أهتم إن مات الضعفاء وهم يصرخون. دافعي الوحيد... هدفي الأوحد الذي أتنفس من أجله، هو الانتقام . دماء من سلبوها مني هي ما أريد، وحتى لو اضطررت للمشي فوق جثث هذا العالم بأسره للوصول إليهم... سأفعل."
اتسعت عينا فاردي بصدمة، لكنه حاول التمسك بمثاليته: "أفهم معاناتك... لكن هذا الألم يجب أن يكون دافعاً لكي تمنع حدوثه للآخرين! القوة بدون رحمة هي نفس ما يفعله أعداؤنا!"
وقف لوجارو، ونفض الغبار عن ردائه ببرود قاطع، ونظر إلى فاردي بنظرة احتقار أخيرة:
"يا لحماقتك."
استدار لوجارو وابتلعه ظلام الليل، تاركاً فاردي وحيداً تتصارع في داخله التساؤلات، وقلبه يعتصر حزناً على هذا الفتى الذي اختار أن يسجن نفسه في قوقعة من الحقد المطلق.
مع بزوغ الفجر وزقزقة العصافير، لم يكن هناك وقت للراحة. صرخة غابرييل المدوية التي تشبه زئير أسد جائع أيقظت المعسكر بأكمله. كانت خطة اليوم عذابا لوجستياً:تدعيم الحصون الشرقية بالطين والحديد لتفادي احتراق الخشب.
كانت المهمة تتطلب جلب أطنان من الحديد والفولاذ من مخازن القرى الريفية الجنوبية. انطلقت القوافل، وبقي جنود النخبة يحرسون المعسكر بترف، بينما الجنود المبتدئون يتجرعون كأس العذاب.
بعد ساعات من السير المضني، وصلوا إلى القرى حيث استقبلهم الأهالي بحفاوة.
"لقد جاء الثوار الأحرار....لقد و صلوا!".
بدأ نقل الحديد الثقيل إلى القوافل. هنا، ظهر الفارق الشاسع. بينما كان الجنود العاديون يلهثون وتكاد ظهورهم تنكسر، كان لوجارو وفاردي يحملان الأوزان الثقيلة بثبات مرعب، متأقلمين مع الألم وكأنه صديق قديم، يحملون الحديد على القوافل بكل سلاسة و الاتقان هم و مجموعة من متميزين .
انطلقت القوافل ، تقطع السهول، وتتجاوز المستنقعات والغابات الشوكية، حتى وصلوا إلى أسوأ نقطة في الرحلة: "الجبال الصخرية". هنا، توقفت العربات. توجب عليهم نقل الحديد على ظهور الخيول كل خطوة يخطوها خيل كنت تقفز براكب من مكانه يشعر بكل خطوة على صخور، ثم جاء الكابوس الأخير... حمل الفولاذ على الأكتاف العارية لتجاوز التضاريس القاسية حتى خيول تعجز عنها.
"أوه.....أشعر بظهر ينكسر".هكذا كان يهدي أحد الجنود.
ساعات من الصعود والهبوط، العرق يختلط بالتراب، العضلات تتمزق بصمت. حتى المتميزون شعروا بثقل المهمة، أما الجنود العاديون فكانوا يسقطون على ركبهم من فرط الإعياء، يكاد استطاعوا اكمال الكمية ، بعد الانتهاء لم تقدر ركبهم حتى على حملهم للمعسكر .
"لم أعد أشعر بركبتي..".
و بعد عناء عادوا أخيراً إلى المعسكر، كانوا يسيرون كالموتى الأحياء. جلسوا على الأرض بالكاد يتنفسون.
وقف غابرييل أمامهم، وبدلاً من شكرهم، انفجر في ضحك هستيري زلزل الأرض.
"هاهاها! انظروا إليكم! تبدون كدجاج مبلل بعد عاصفة! هل هذا هو الجيش الذي سيسحق القبضة؟ أنتم لا تستطيعون حتى حمل بعض الخردة دون أن تبكوا كالأطفال!"
تذمر الجنود بصوت خافت من مزاح غابرييل الثقيل القاسي، لكن أحداً لم يجرؤ على الرد، وجنود نخبة ينضرون إليهم بكل شفقة والاستصغار
في تلك الأثناء، وفي عالم آخر يبعد عن هذا المعسكر، كان التوتر يمزق أروقة قصر اللورد ألفريد.
كان الهدوء يلف القصر، حتى سُمع صوت خطوات رتيبة، ثقيلة، ومتزامنة بشكل مرعب. اقتربت من الباب الرئيسي فرقة تتكون من عشرين جندياً. لم يكونوا فرساناً عاديين. كانوا يرتدون رداء أسودا ، وتغطي رؤوسهم ووجوههم أقمشة سوداء لا تظهر منها سوى أعين فارغة من أي حياة.
تقدم قائد الفرقة نحو الباب العظيم للقصر. تقاطع حارسان من حرس ألفريد الخاص أمامه، وصاح أحدهما: "توقف! من تحسب نفسك ،ممنوع الدخـ..."
لم يكمل كلمته. في ومضة عين لم تلتقطها الأبصار، ومض نصلٌ . سقط رأسا الحارسين على الأرض بجلطة مكتومة، وتهاوت أجسادهما كأكياس رملية. لم تتغير حركة قائد الفرقة قيد أنملة، ولم يرف له جفن.
شاهد المارشال الأعظم "غريغوريو" ما حدث من الشرفة العلوية. صرخ بأعلى صوته :
"افتحوا الأبواب!! افتحوها فوراً اياكم تتجرئوا ايها الحثالة، تنحوا عن طريق!"
مرّت الفرقة السوداء فوق دماء الحراس دون أن تنظر للأسفل، واتجهت مباشرة نحو القاعة الكبرى حيث يجلس اللورد ألفريد، السلطة عليا في المنطقة.
توقفت الفرقة. تقدم القائد بخطوات صامتة، ووقف أمام كرسي ألفريد. بل قال بصوت أجش، بارد كصقيع الموت:
"إحتراماتي أيها لورد ألفرد... أتمنى أن لنكون أزعجناك".
"صدرت الأوامر... نحن هنا لاصطحابك....ياسيادة اللورد ."
ساد صمت مميت في القاعة. نهض ببطء، و ذهب مرافقا لهم .
التفت القائد نحو المارشال الاعظم غريغوريو الذي كان يقف في الزاوية، وأضاف بنفس النبرة الميتة:
"وأنت أيضاً... ستأتي معنا."
اقتياد اللورد ألفريد والمارشال غريغوريو إلى عربة مغلقة كانت تنتظر في الخارج. تحركت القافلة، تاركة خلفها قصراً مليئاً بالجنود الذين يتساؤلون من الذي يجري في الحالة من صدمة وذهول وعلامات الاستفهام التي لم يجد لها الاجابات.