انتشرت رائحة شواء نادرة في أرجاء معسكر إقليم إلدورا المحرر. تكريماً للجهود التي سحقت عظام الثوار في الأيام الماضية، أعدت القيادة ولائم فاخرة؛ قطع ضخمة من أسماك السلمون النادرة واللحوم المتبلة التي لم ترها أعين هؤلاء الجنود منذ سنوات.
اصطف الجنود حول الموائد الطويلة، وعيونهم تلتهم الطعام قبل أفواههم.
"لقد أصبت بصدمة من قوة نخبة".
"أنا مثلك،لازلت لاأصدق أنهم بشر حقيقيون...أشكالهم تضهر كالشياطين".
كان الحدث الأبرز الذي يتهامسون حوله هو كيف يتهربون من أعمال الشاقة و عن مدى قوة النخب. وهم يحليلون و يتناقشون.
في إحدى الزوايا، كان جنديان يتبادلان الحديث بصوت خافت. قال أحدهما وهو ينظر لقطعة اللحم: "علينا أن نملأ بطوننا جيداً... من يدري، قد نحتاج كل ذرة طاقة لنقاتل ألفريد قريباً."
رمقه الجندي الآخر بابتسامة امتزج فيها الاستهزاء بالرعب، وهمس: "ألفريد؟ ما رأيته من ألفريد ليس سوى قمة الجبل الجليدي. يبدو أنك لا تعرف من هو اللورد كريستوفر بعد..."، " أما الفرد فيستطيع سحقنا جميعا مثل الذباب ".
على طاولة قريبة، جلس غابرييل وسط الجنود العاديين، رافضاً الجلوس في منصة القيادة المنعزلة التي ضمت فيليكس، آسر، أوريليان، لوكاس، غوتو، ولوري، الذين كانوا يتبادلون همسات التخطيط بوجوه مقطبة.
كان غابرييل يمزق اللحم بأسنانه كوحش جائع، ويلقي بدعاباته الثقيلة: "هيا التهموا الطعام أيها الحشرات الضعيفة! من لا يأكل جيداً سأستخدمه كطعم للأسماك غداً!"
"عليكم إغتنام هذه الفرص فهي نادرة حدوث".
بجانبه تماماً، جلس لوجارو. ورغم الضجة والمرح المحيط به، كان ساكناً كتمثال جليدي. عيناه الجاحظتان كانتا مثبتتين على شيء واحد: "الشوكة".
كان كبرياؤه المظلم ونرجسيته يمنعانه من الاعتراف بأنه يكره تماماً كيف يمسك بهذه الأداة. كان يخشى أن يحاول استخدامها فيبدو كالأبله أمام هذا الحشد. راقب الطعام، وراقب الشوكة، وتصاعد داخله شعور خانق بالإحراج.
لاحظ غابرييل تجمد لوجارو. توقف عن المضغ، ومال نحوه بابتسامة خبيثة: "ما بك يا فتى؟ هل تحاول قتل الشوكة بنظراتك أم أنك تنتظر أن تأكلك هي؟"
"انمم...،أم أنت تخاف منها ؟ وبدأ يضحك بمزاحه الثقيل.
شعر لوجارو بطعنة في كبريائه، لكن وجهه ظل بارداً كالموت. لم يجب. أدرك غابرييل بحدسه أن هناك أمراً ما. تنهد، ونهض بهدوء، ثم عاد بعد لحظات حاملاً وعاءً خشبياً عميقاً. وضعه أمام لوجارو وقال : "أظن بأنك لا أحب هذا الطعام ام تعاني من خطب ما."
بمجرد أن التفت غابرييل، وبحركة سريعة لا تكاد تُلتقط، أسقط لوجارو الشوكة الملعونة تحت الطاولة بعيداً عن الأنظار. لم يره أحد... سوى فاردي، الذي كان يجلس في الجهة المقابلة، وأخفى ضحكة مكتومة خلف كفه .
بينما كان الثوار ينعمون بهذا الهدوء، كانت الأرض تُسقى بالدم في مكان آخر.
في إحدى القرى التعيسة، والمنسية تحت وطأة التهميش في وضح النهار، وقف ستة أشخاص يرتدون أسمالاً ممزقة، يراقبون دورية لجنود قبضة العدالة الحديدية.
في لحظة واحدة، تبدد السكون. انفجرت من الستة هالات طاقة مرعبة شوهت الهواء حولهم. انقضوا على الجنود المدرعين كذئاب جائعة أُلقيت في حظيرة أغنام.
لم يكن قتالاً، كانت إبادة. كانوا يضربون بقوة تشق الأرض تحت أقدامهم وتقتلع الأشجار المجاورة مع كل تلويحة نصل. جنود القبضة الذين طالما أرعبوا القرويين، كانوا يهرولون الآن للنجاة بحياتهم، يصرخون ويبكون رعباً من هذا الموت الذي يلاحقهم.
في ربع ساعة فقط، تحولت الدورية والمراكز التابعة لها إلى أشلاء متناثرة.
وقف أحد الأشخاص الستة، ينفض الدماء عن نصله ببرود، ونظر إلى الجثث بابتسامة ساخرة: "لم أتوقع أنهم مثيرون للشفقة إلى هذا الحد... هؤلاء بالكاد حشرات خرجت للتو من معسكرات . يالخيبة الأمل."
بينما كان القرويون يرتعدون خلف نوافذهم المحطمة، متسائلين برعب: من هؤلاء الوحوش؟
في الإقليم إلدورا، أنهى الكونت فيليكس طعامه ووقف متجهم الوجه، وكأنه يشم رائحة عاصفة تقترب.
في تلك اللحظة، تقدم آسر. بخطواته الملكية ورمحه الطويل الذي يعكس ضوء الشمس، وقف أمام الجنود المبتدئين الذين كان معه لحضة فتح اقليم الدورا. ساد صمت مطبق فوراً، ووقف الجميع احتراماً.
تحدث آسر بصوت واثق يتردد صداه في الصدور:
"أيها الجنود. لقد خضتم معارككم الأولى، وفقدتم إخوة وأطرافاً، وهذا هو ثمن الحرية. لكن... دعوني أوقظكم من هذا الوهم الجميل."
اجتاحت نظرة آسر الحادة وجوههم المصدومة، وأكمل: "الذين تقاتلتم معهم بكل صعوبة... لم يكونوا سوى مبتدئين. إنهم حثالة مبتدئ ملئة بهم قبضة العدالة الحديدية صفوفها لتقليل النقص العددي. انتم الذين هنا عبارة فيلقين المعركة لقد عملنا على تشتيتكم في الجوانب و صفوف المتاخر لكي لكي نضمن تتقابل مع الأضعف جنود القبضة. من الآن فصاعداً، لن تواجهوا هؤلاء الهواة. ستواجهون محاربين متوحشين، لكمة واحدة من أحدهم كفيلة بتحويل عشرة منكم إلى أشلاء ممزقة."
توقفت أنفاس الجنود، وأضاف آسر كلمته الأخيرة التي وقعت كالمشنقة:
"أنتم لم تنهوا تدريباتكم. لقد قطعتم نصف الطريق فقط. لذا... استعدوا للعودة. يجب أن تكملوا تدريبكم في جزر البراكين."
كانت تلك الكلمات كفيلة بنشر هلع هستيري. بدأ الجنود يتهامسون برعب، ووجوههم تشحب: "هل سنعود إلى ذلك العذاب؟ للبراكين؟"
وسط هذه الفوضى، كان لوجارو يراقبهم بعدم فهم. لم يكن يعرف شيئاً عن تلك الجزر.
اقترب منه آسر، وربت على كتفه ، وقال بصوت هادئ: "الكونت فيليكس أخبرني عن موهبتك. لقد رأى أن من افضل أن تنضم لهم إلى رحلة جزر التدريب. يجب أن تصقل مهارتك و قدراتك هناك."
انصرف آسر، تاركاً لوجارو غارقاً في تساؤلاته.
قاطع تفكيره زئير غابرييل الذي شق المعسكر: "هيا أيها الحثالة! اجمعوا معداتكم ومؤنكم التي ستحملونها على ظهوركم! سنتحرك فوراً!"
اقترب فاردي من لوجارو، ونظر إليه بعينين يملؤهما الشفقة الممزوجة بالارتياح، وسأله: "هل سترافقنا؟"
أجاب لوجارو ببروده المعتاد: "نعم."
تنهد فاردي وقال بصوت خافت: "ليتك لم تكن قادماً... ما ينتظرنا هناك ليس تدريباً يا لوجارو... إنه الجحيم بعينه."
وفي الخلفية، كان فيليكس وغوتو لا يزالان يتهامسان بخطط سرية وعيونهما تراقبان الأفق بقلق.
بعيداً جداً عن ضجيج الثوار...
كانت الأراضي المنبسطة تشهد مسيراً جنائزياً صامتاً. فرقة الفرسان ذوي الرداءات السوداء تعبر الهضاب باتجاه الساحل، يحيطون بعربتين مغلقتين. لم يُنطق حرف واحد طوال الطريق. الصمت المطلق كان أشد رعباً من أي تهديد.
عندما لاحت أمواج البحر، وتوقفت القافلة أمام سفينة ملكية صغيرة لكنها حديثة ومخيفة الطراز.
تقدم قائد الفرسان نحو العربات، وبصوت بارد، موزون، وخالٍ من أي تعبير، لكنه يحمل الاحترام ، قال:
"لقد وصلنا. تفضل بالنزول، أيها اللورد ألفريد... وأنت أيضاً، أيها المارشال الأعظم."
نزلا بخطوات ثقيلة ومحطمة. صعد الفرسان خلفهم، وبدأت السفينة تشق طريقها في عباب البحر الغامض، متجهة نحو مصير مجهول... والجميع يتساءل: إلى أين يُساق ألفريد؟