سرمد

الفصل 20

استعداد للمجهول

782 كلمة · 4 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

تحت ضوء قمر شاحب بدا كعين فضية تراقبهم من علياء السماء، خيم سكون ثقيل على معسكر الثوار. لم تكن تلك سكينة ليل عادية، بل أرقاً جماعياً وحالة من القلق نهشت عقول الجنود المبتدئين العائدين من معركتهم الأولى في إقليم إلدورا. في تلك الخيام المظلمة، كانت الأنفاس متقطعة، والهمسات ترتجف كلما مر على ألسنتهم . "التدريب"... مجرد تذكر ملامحه الباردة لذلك الشخص، وهدوئه المميت، وطريقته السادية في معاملة المتدربين، كان كافياً ليجعل أصلب الرجال يبتلع ريقه بخوف. لم ينم أحد، بل بقوا يتقلبون في مضاجعهم، ينتظرون فجراً لا يحمل لهم سوى العذاب.

مع أول خيوط الفجر، مزق صراخ "غابرييل" المعتاد صمت الصباح. "استيقظوا يا حثالة الأرض! هل تظنون أنكم في منتجع للاستجمام؟" اصطف الجنود بوجوه شاحبة وعيون محاطة بالسواد. وقف غابرييل يرمقهم بابتسامته المستفزة. "مذا بكم ايتها الجرذان هل كنتم تبحثون عن الجبن طوال ليل لذا أنتم وجوهكم شاحب..".و بدأ يضحك عليهم.

وقف الجنود في صفوف منتظمة، ينتظرون الأوامر. سار غابرييل أمامهم بخطوات بطيئة، وتوقف ليرمقهم بابتسامته المستفزة قبل أن يلقي قنبلته قائلاً: "جهزوا أنفسكم، خمس سفن من الأسطول في طريقها لانتشالكم من هنا. و ذلك ملقب السيد... قادم لاصطحابكم."

بمجرد أن سقطت كلمة "السيد" على مسامعهم، تجمدت الدماء في عروقهم. اتسعت بؤبؤ أعينهم، وبدأت أجساد البعض ترتعش لا إرادياً وكأن موجة من الصقيع ضربت ساحة المعسكر. وفي تلك اللحظة، لم يتمالك غابرييل نفسه، فانفجر في نوبة ضحك مجلجلة، "مذا بكم تخافون من ذلك المختل العقلي ..يبلإ" يستهزئ من وجوههم التي تلونت بالرعب الخالص، غير آبه بتذمرهم اليائس.

بعد أن هدأ، استعاد غابرييل نبرته القيادية الصارمة، وأصدر أوامره القاطعة بتقسيمهم إلى إحدى وعشرين كتيبة. المهمة كانت واضحة: تجهيز صناديق الأسلحة، والمؤن، والخيول، لنقلها إلى المخازن الرئيسية وتمديد خطوط الإمداد قبل الرحيل.

توجهت مجموعة من الفرق نحو الغابة الشمالية لجمع الحطب، حاملين فؤوسهم وقوافلهم. تحت حرارة قاسية وشمس لا ترحم، بدأ الجنود يقطعون أشجار الصنوبر والبلوط الضخمة. كل شخصين كُلّفا بشجرة. ومن بين هؤلاء، كان "لوجارو" و"فاردي".

كان لوجارو يضرب فأسه بانتظام مرعب، وجهه خالٍ من أي تعبير، كآلة قتالية لا تعرف التعب، بينما كان فاردي يمسح عرقه المتصبب، محاولاً كسر ذلك الجليد كعادته. التفت فاردي نحو لوجارو بابتسامة مرهقة وقال: "يا رجل، ألا تشعر بالرعب قليلاً ..،لن الومك لانك لاتعرف مذا ينتظرك؟ الجميع يرتعد من مجرد ذكر التدريب واسم ذلك الرجل، وأنت تضرب هذه الشجرة ببرود وكأنك لا تملك عصباً في جسدك!"

لم يتوقف لوجارو عن القطع، لكنه أدار عينيه الباردتين نحو فاردي، وقال بصوت خافت لكنه حاد كالشفرة: "الرعب ليس في التدريب. الرعب هو أن تكون ضعيفاً في هذا العالم. التدريب مجرد وسيلة." عاد الصمت ليخيم بينهما، واستمرا في العمل الشاق حتى أسقطا، برفقة فرقتهم، خمساً وأربعين شجرة عملاقة، وبدأوا في تقسيمها إلى حطب وتحميلها على القوافل وتوثيقها بالحبال المتينة.

وفي الجانب الآخر من المعسكر، كانت معاناة من نوع آخر تدور في مخازن المحاصيل. جنود في أقصى درجات الإجهاد العضلي والعقلي، ظهورهم متقوسة وعيونهم محمرة، يفرزون الحبوب حبة بحبة. يجمعون الفضلات والمخلفات لرميها، ثم يغسلون الحبوب ويتركونها لتجف،

قبل أن يعبئوها في الأكياس بحذر شديد. لم يكن العمل في مخازن الخضروات أقل قسوة، حيث كانوا يجمعون المحاصيل، ينظفونها، ويصففونها بعناية داخل الصناديق.

أما الفرق المكلفة بالأسلحة، فقد كانت رائحة الزيت والحديد الصدئ تزكم أنوفهم. كانوا ينظفون السيوف والأقواس والرماح بتركيز قاتل، يلمعون النصال، ويعبئونها داخل الصناديق قبل تحميلها على القوافل،كل شيء بإتقان وحذر

مع حلول العصر، وبعد أن أنهك التعب كل خلية في أجسادهم، اجتمعت الفرق كلها. تجمعت قوافل الخشب، والمؤن، والأسلحة، وبدأوا طريق العودة إلى قلب المعسكر في إقليم إلدورا.

بمجرد أن وصلوا، كان الصمت يغلفهم في لحظة اقتراب من معسكر صارت وجوههم خالية من أي قطرة دم، أجسادهم مستنزفة، وعيونهم غائرة كأنهم أموات أحياء يجرون أقدامهم. ولكن، وفي لحظة واحدة قطع شك باليقين، تسمروا جميعاً في أماكنهم.

أمامهم، كان يقف رجل يملك شعراً أبيض ناصعاً، ووجهاً يحمل بروداً سادياً لا يرحم. الرجل الذي يحب أن يرى معاناة جنوده. بابتسامة خفيفة تجمّد العروق، كسر ذلك السكون المرعب بصوته الهادئ: "ماذا بكم؟ لماذا أنتم شاردون ومذهولون هكذا؟"

لم يستطع جندي واحد النطق بحرف. بدأت حناجرهم تتلعثم وتتفتف بكلمات غير مفهومة، بينما في الخلفية، كان غابرييل ينفجر من الضحك بشماتة على منظرهم المثير للشفقة.

"اظن انك ايها المختل تقصوا على الجنود ...."

"ولكن اععتني باللوجارو جيدا!!"و اكمل ضحكه

التفت كل جنود إلى لوجارو وهم في غيرة وصدمة بينما رد ذلك الرجل .

"من لوجارو..،هل هو مجنون مثلك ."

وفي ذات الأثناء، وعلى الجانب الآخر من العالم، وبعد أن واجهت عواصف وتقلبات مناخية قاسية كادت تبتلعها، حطت السفن رحالها. نزلت الفرقة التي جاءت باصطحاب "ألفريدو غريغورو" في أرض لا تشبه الوحل الذي يغرق فيه الثوار. كانت منطقة حضارية باذخة، تنطق بالثراء، لا يسكنها سوى النخبة والنبلاء وأصحاب الطبقات العليا.

اقتادت الفرقة ألفريد عبر الطريق مستوية و الهادئة، حتى وقفوا جميعاً أمام صرح يجسد الهيمنة المطلقة. قصر عملاق، ضخم، ذو طراز معماري خرافي وأيقوني، أعمدته تخترق السماء ونقوشه تروي حكايات من العظمة المرعبة. كان مكاناً يصرخ بالقوة والغطرسة، فاتحاً أبوابه المظلمة ليدخل الفرد و غريغورو.