وسط ذهول الجنود ورعبهم، كانت أنظارهم لا تزال معلقة بلوجارو بعد كلمات غابرييل.
لاحظ "السيد" تلك النظرات.
لم تكن مجرد نظرات فضول؛ كان فيها شيء آخر... شيء لم يعتده.
غياب الخضوع.
توقفت خطواته.
ثم التفت ببطء، متتبعًا اتجاه أعين الجنود، حتى استقرت عيناه على الفتى المقصود.
لوجارو.
تأمله للحظات بصمت، قبل أن يقول ببرود قاسٍ:
"هل أنت لوجارو... الذي يتحدث عنه ذلك الصعلوك؟"
خرج صوته هادئًا، لكنه حمل برودة جعلت المكان أكثر صمتًا.
رفع لوجارو عينيه إليه.
لم يكن في وجهه خوف، ولا محاولة للتظاهر بالشجاعة.
فقط نظرة باردة، جامدة، وكأن شيئًا في داخله قد مات منذ زمن، ولم يعد يعنيه من يقف أمامه.
أجاب بكلمة واحدة:
"نعم."
اقترب السيد.
كانت خطواته ثقيلة ومحسوبة، وكل خطوة منها تبتلع ما تبقى من الهمسات.
ساد الصمت بين الجنود.
لم يجرؤ أحد على الحركة.
حتى أن بعضهم حبس أنفاسه، وكأن مجرد إصدار صوت قد يجذب إليه ذلك الوحش.
توقّف السيد أمام لوجارو مباشرة.
تلاقت عيناهما.
عينان اعتادتا أن تزرعا الرعب في الآخرين...
وعينان لا تحملان سوى برود الانتقام.
مر سؤال في ذهن السيد:
من يظن هذا الفتى نفسه؟
ثم خطرت له فكرة أخرى.
أهو ذلك الفتى الذي ضمّه الكونت إلى صفوفه؟
ظل يحدق فيه للحظات، ثم قال بصوت خافت لا يكاد يسمعه سواه:
"سوف نرى..."
توقف قليلًا.
"سوف نرى."
ظهرت على شفتي لوجارو ابتسامة خافتة، قاتمة، وكأنه لم يجد في كلام الرجل ما يستحق الخوف.
تجاوز السيد إياه دون كلمة أخرى.
لكن ما إن ابتعد خطوات قليلة حتى انفجر صوته في المكان:
"ماذا أصابكم؟!"
انتفض الجنود.
"هل تظنون أنكم في نزهة؟! انطلقوا!"
وأشار نحو السفن الراسية بالقرب منهم.
"نظفوا تلك السفن حتى أرى وجهي منعكسًا على أخشابها! ثم حمّلوا الأمتعة والأسلحة!"
توقف لحظة.
"لديكم خمس ساعات فقط."
ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة.
"وإن لم أجد كل شيء جاهزًا... فسوف تتمنون لو أن أمهاتكم لم تلدنكم."
في لحظة واحدة، تبدد السكون.
اندفع الجنود نحو السفن كأنهم فروا من الموت.
بدأ بعضهم بتنظيف الأخشاب، بينما تولى آخرون إصلاح الأشرعة وترتيب المعدات وتحميل الأسلحة والصناديق. كانت الأيدي تعمل بلا توقف، والعرق يتصبب من الجباه ويمتزج برذاذ البحر.
وفي وسط تلك الفوضى، كان غابرييل يتحرك بين الجنود، يلقي بعض تعليقاته الثقيلة ونكاته الغريبة محاولًا تخفيف التوتر عنهم.
وللمرة الأولى منذ صدور الأمر، وجد بعض الجنود مساحة صغيرة لالتقاط أنفاسهم.
---
وسط العمل، كان لوجارو يحمل أحد الصناديق ببرود، حين اقترب منه فاردي.
كانت عينا فاردي لا تزالان تحملان آثار الصدمة.
خفض صوته وقال:
"هل جُننت؟!"
التفت لوجارو إليه.
تابع فاردي بسرعة:
"هل تعرف أصلًا من كنت تحدق فيه بتلك الطريقة؟ إنه السيد! مجرد ذكر اسمه يجعل أقسى الرجال يفقدون ثباتهم. كيف تجرأت على الوقوف أمامه وكأن شيئًا لم يكن؟"
توقفت يدا لوجارو للحظة.
ثم ابتسم ابتسامة ساخرة.
"السيد؟"
أعاد الصندوق إلى مكانه.
"فليخف منه الضعفاء أمثالك."
رفع عينيه نحو فاردي.
"أما أنا... فلا أراه سوى عقبة أخرى تقف في طريقي."
تجمد فاردي للحظة.
لم يجد جوابًا.
اكتفى بابتسامة متوترة، ثم عاد إلى عمله.
وفي داخله لم يستطع سوى التفكير:
هل جُن جنونه فعلًا؟
---
بعيدًا عن ضجيج العمل، وداخل خيمة القيادة، كان الجو مختلفًا تمامًا.
خرائط واسعة غطت الطاولة، وعلامات مختلفة انتشرت فوقها.
جلس السيد أمام القائد الأعلى، الكونت فيليكس نوفاريس، بينما كان غوتو حاضرًا إلى جانبهما.
رفع فيليكس عينيه عن الخريطة.
"هل ازداد نشاط الغيلان في المناطق المجاورة؟"
أجاب السيد بنبرة عملية:
"بشكل مقلق، يا سيدي. خصوصًا في الجبهة الغربية."
وأشار إلى إحدى المناطق على الخريطة.
"بدأنا نرصد مجموعات منظمة، بل وفرقًا كاملة من الغيلان. وقد سقطت بالفعل عدة قرى تحت هجماتهم."
ساد الصمت للحظات.
تنهد فيليكس بقلق.
"ما الذي يحدث..."
ثم تابع بنبرة أكثر جدية:
"أتمنى ألا يتفاقم الوضع أكثر. وإلا فقد نجد أنفسنا أمام شيء لا تُحمد عقباه."
ظل الجميع ينظرون إلى الخريطة بصمت.
كان واضحًا أن ما يحدث في تلك المنطقة لم يكن مجرد سلسلة من الحوادث العشوائية.
---
في الخارج، كانت الدقائق تمر ببطء.
انتهى الجنود أخيرًا من تحميل السيوف والرماح والأخشاب وبقية المعدات.
خرج السيد من الخيمة.
وبجانبه وقف أوريان، قائد فرقة النخبة التاسعة، يراقب الجنود بنظرات تحمل شيئًا من الشفقة.
قال في نفسه:
لو كانوا يعلمون ما ينتظرهم هناك... لتمنوا العودة إلى المرحلة الأولى ألف مرة.
تقدم السيد أمام الجنود.
كانوا يقفون بصمت، وقد أنهكهم العمل، حتى إن بعضهم بدا وكأنه بالكاد يستطيع الوقوف.
نظر إليهم باستخفاف.
"ماذا بكم أيها الصعاليك؟"
لم يجب أحد.
"أتظنون أن تنظيف سفينة كان اختبارًا؟!"
ابتسم.
"أي شيء حي بينكم... فليصعد إلى السفينة فورًا!"
انطلقت ضحكته القصيرة في المكان.
تحرك الجنود بسرعة.
صعدوا إلى السفن، وأخذ كل واحد منهم موقعه.
وبذلك...
بدأت الرحلة.
وبدأت معها المرحلة الحقيقية من الاختبار.
---
في عرض البحر، كان المشهد مختلفًا.
أمواج متلاحقة تضرب جوانب السفن، والجنود يجدفون بإيقاع متواصل.
لم يكن أحد يجرؤ على التوقف.
كان السيد يجلس في مقصورته بهدوء، وكأن شيئًا لا يعنيه.
أما الجنود، فكانوا يشعرون بأن الرحلة نفسها عقوبة.
مرت فترة طويلة من التجديف.
وفي لحظة، عجز أحد الجنود عن الاستمرار فتوقفت ذراعاه لثوانٍ قليلة.
رفع السيد عينيه.
وفي لمح البصر كان أمامه.
مد إصبعه.
حدثت ضربة خاطفة جعلت الجندي يسقط على أرضية السفينة، وساد الصمت بين الجميع.
نظر السيد إليه ببرود.
"هذا جزاء من يتوقف."
ثم أشار إلى بقية الطاقم.
تولى بعض الجنود حمل رفيقهم وإبعاده لتلقي العلاج.
تجمد البقية في أماكنهم.
اشتدت قبضاتهم على المجاديف، وعادوا إلى التجديف دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض.
راقب لوجارو المشهد بلا اكتراث.
ثم لمح فاردي ينظر إلى الجندي المصاب بألم واضح.
ابتسم لوجارو بسخرية.
"ألن تتغير يا فاردي؟"
لم يجبه فاردي.
تابع لوجارو:
"هل ستظل تشفق على كل من لا يستطيع تحمل حتى التجديف؟"
ظل فاردي صامتًا.
ثم عاد إلى عمله.
---
مرت الساعات وكأنها دهر.
حتى اخترق صوت أحد الجنود المخضرمين صخب البحر:
"جدفوا أسرع! لقد اقتربنا!"
رفع الجنود أعينهم.
وفي الأفق بدأت تظهر ملامح الجزر الأولى.
تنفس بعض المستجدين براحة.
ظنوا أن نهاية العذاب قد اقتربت.
لكن الجندي المخضرم التفت إليهم بابتسامة غامضة.
"لا تتعجلوا الراحة."
حدقوا فيه.
قال:
"وفروا تنهيداتكم..."
ثم ابتسم.
"هذا التجديف كان مجرد نزهة."
ساد الصمت.
عندها أدركوا أن ما مر بهم لم يكن سوى البداية.
---
وفي اللحظة نفسها...
في مكان بعيد تمامًا عن رائحة البحر وعرق الجنود، كانت بوابات ذهبية عملاقة تُفتح ببطء.
خلفها ظهر قصر فخم تتلألأ أضواؤه تحت انعكاس الثريات الكريستالية.
وقف أحد الفرسان الملكيين بانحناءة كاملة.
"تفضلوا، يا سيدي اللورد... ويا سيادة المارشال الأعظم."
دخل ألفريد برفقة غريغوريو.
خطواتهما ترددت فوق أرضية القصر اللامعة.
وفي الداخل، امتدت قاعة شاسعة تعج بنخبة قبضة العدالة الحديدية.
حرير.
ذهب.
ثريات.
موائد فاخرة.
ضحكات هادئة وابتسامات محسوبة.
عالم يعيش في وفرة لا تشبه شيئًا من العالم الذي تركاه خلفهم؛ عالمٌ يملك كل شيء، بينما هناك في الخارج من لا يجد حتى ما يسد به جوعه.
لكن خلف ذلك البذخ، كان هناك شيء أكثر خطورة.
السياسة.
نفوذ.
أسرار.
وصراعات لا تُحسم بالسيوف وحدها.
وسط ذلك الحشد، توقفت عينا ألفريد فجأة.
لقد لمح الشخص الذي كان ينتظره.
وتغيرت ملامحه قليلًا.
ثم سمع النداء:
"ألفريد..."
رفع عينيه.
كان صاحب الصوت ينتظره في الجهة الأخرى من القاعة.
وهنا فقط...
بدأ فصل آخر من اللعبة.