بعد مرور أربعة أيام.
كان زحف جيش الكونت "فيليكس نوفاريس" نحو الشمال أشبه بسحابة رعدية تقترب في صمت، والوجهة كانت واضحة: منطقة "سُول".
في قلب هذا الزحف المهيب، كان هناك مشهد يثير دهشة كل ثائر وفارس في الركب، ويزرع تساؤلات لا تجد إجابة. "غابرييل"، نائب الكونت والوحش البشري الذي ترتعد لذكر اسمه الجباه، كان يسير بهيئته الجسمانية المرعبة، عضلاته المفتولة تشبه صخوراً صلبة نُحتت لتكون آلة قتل. لكن، خلف هذا الغلاف الخارجي المخيف، كانت تقبع روح تحمل رحمة نادرة.
المفارقة التي عقدت ألسنة الجنود وجعلتهم يتهامسون بريبة، هي ذلك الفتى القوي بني الذي كان يجلس بجوار غابرييل، تحت حمايته المطلقة وتحت نظراته التي تفيض اهتماماً.. الفتى "لوجارو".
لقد أعجب غابرييل لوجارو لدرجة كبيرة، لدرجة أنه أجلسه أمامه مباشرة، في مكانة لا يجرؤ أي شخص آخر في جماعة الثوار، مهما بلغت رتبته، على الاقتراب منها، فهو نائب القائد فيليكس نوفاريس، والرجل الثاني في القوة.
كان لوجارو غارقاً في دوامة من الصدمة والذهول، يستشعر هالة الأمان الغريبة التي يحيطه بها هذا العملاق وسط جيش يزحف نحو حتفه، ويتعلق قلبه أكثر فأكثر بغابرييل الذي أظهر له رجلاً طيباً رحيماً يخفيه درعه الثقيل. وفي الوقت نفسه، كانت نظرات الثوار تلاحقه، تنهشه تساؤلاتهم الصامتة والمرتعبة:"من هذا الفتى الجديد؟""كيف له أن يجلس في حضرة قائد غابرييل ؟""لماذا هو مفضل هكذا؟ ما السر الذي يملكه؟"
كان الجميع ينظر إليه بعيون مذهولة ومصدومة، بينما يستمر الركب في التقدم نحو "سُول".
في هذه الأثناء، وفي العاصمة المركزية، حيث يقع مقر قيادة "قبضة العدالة الحديدية"، كان صوت تهشم الكوب الفخاري لا يزال يتردد بصدى مخيف في القاعة الفسيحة، معلناً عن غضب لا حدود له.
اللورد "ألفريد" كان يتنفس بغيظ يحرق الصدور، وعيناه تقدحان شراراً. لم يكن ليقبل بهذا التمرد السافر.
وباعتباره من أعلى سلط في المنظم ، أصدر أمره فوراً باستدعاء المارشال الأعظم "غريغوريو"، نائبه والرجل القوي .
عندما مثل غريغوريو أمامه، انفجر ألفريد بوجهه، ممطراً إياه بوابل من العبارات الغاضبة.
"ذلك بيدق الحقير....أسقط قرى الريف الجنوبي !!"
"إذهب فورا ..لسحقه هو و أتباعه!!"
وآمره بحشد الجيش على الفور والاستعداد لمجابهة فيليكس نوفاريس وسحقه تماماً في منطقة "سُول" قبل أن يستفحل أمره، بعد أن سمع أخبارا عن توجهه لمهاجمة منطقة "سول".
لم يضيع المارشال الأعظم وقتاً. انطلق بجيش جرار، سابق الريح ليصل إلى "سُول" قبل وصول الكونت . وهناك، أطلق العنان لوحشيته التي لا تُروّض ليفرغ غضبه على القرويين. لم يكتفِ بنشر جنوده، بل بدأ بحصد الأرواح، يقتل ويضرب القرويين الأبرياء، ينهب ويسلب الضرائب بقوة السلاح.
"إختاروا أن تسلمون ماتملكون أو تسلمون أرواحكم".
ويجهز على كل شخص يتجرأ على الاعتراض أو لا يملك ما يدفعه. استولى على المحاصيل، واعتدى على النساء، وتعامل بكل بطش وجبروت، محولاً "سُول" إلى مسرح لطغيان و ظلم .
وبدهاء عسكري خبيث، أدرك غريغوريو أن الطريق الوحيد لفيليكس يمر عبر غابات كثيفة وممهدة للمنطقة. هناك، في قلب تلك الغابات، أمر بحفر الخنادق المخبأة، ونصب أشواكاً معدنية وأحافير قاتلة، وغطاها بالتراب الميت لتكون فخاخاً مباغتة.
وحشد خلف الأشجار الكثيفة مجموعات مدججة بالسهام، ومنجنيقات ثقيلة قادرة على قذف الموت من بعيد. حتى أنه أمر بحشد تلك البنادق البدائية، العادية تماماً والضعيفة، التي بدأ القليل من الجيوش في الاعتماد عليها، فرغم ضعفها، إلا أن دويّها كفيل ببث الرعب في القلوب غير المستعدة.
أحاط غريغوريو منطقة سُول بالكامل بكمائنه وفخاخه، واستعد بخبث أعمى للتجاوب مع فيليكس نوفاريس وتلقينه درساً قاسياً في فنون الذبح العسكري.
على مشارف الغابة الملعونة، توقف الكونت "فيليكس نوفاريس".
ساد الغابة سكون مريب. لا زقزقة طيور، لا حفيف أوراق طبيعي. كان الهدوء قاتلاً، وبدت الطرقات خالية تماماً من أي حارس أو دورية لجنود القبضة الحديدية. بخبرته المحنكة في الحروب، شعر فيليكس بأن الغابة تتنفس حقداً، وأن خلف هذا الهدوء كميناً أعد بعناية.
"لن تسمح لنا بأن نستولي على منطقة بسهولة "
"ما الذي تعده يا الفرد"
أمر جنوده بتوخي أقصى درجات الحيطة والحذر، وتقدم هو في المقدمة، سيفه في غمده، وعيناه تجوبان الآفاق بحذر. وبدأ الجنود يدخلون الغابة ببطء، ملتزمين الصمت، وقلوبهم تدق بعنف.
وبمجرد أن داس حذاء فيليكس على بقعة رخوة من الأرض.. انطلق فخ.
كأن السماء أمطرت موتاً؛ عشرات السهام انطلقت من بين الأشجار نحو صدر فيليكس وجنوده في المقدمة.
في جزء من الثانية، وبسرعة تعمى عنها الأبصار، استل فيليكس سيفه. بريق معدني خاطف شق الهواء، ولوح بسيفه بحركة دائرية دمرت كل تلك السهام المتطايرة نحوهم، محولاً إياها إلى أشلاء خشبية قبل أن تلامس دروعهم.
حبس لوجارو أنفاسه من هول المشهد، مذهولاً من قوة وسرعة قائد الثوار. بينما انتاب لوجارو صدم كان جنود لا يبدون ردة فعل.
التفت فيليكس بهدوء تام، ونظر إلى عملاقه."غابرييل.. طهّر المنطقة."
تقدم غابرييل بخطوات ثابتة، وقبضته اليمنى تتوهج بطاقة مرعبة. وبدون أن يسحب أي سلاح، سدد لكمة عنيفة ومباشرة نحو الأرض.بـــوووووم!
هزّ زلزال عنيف جذور الغابة. تفتتت الصخور تحت قدميه، وانبعثت موجة صدمة هائلة جعلت الأشجار تترنح وتتساقط أوراقها في ذعر. تفتتت الأرض المجاورة، وانطلقت كل السهام المخبأة في الفخاخ دفعة واحدة في الهواء قبل أوانها، وانهارت الخنادق التي حفرها جنود القبضة الحديدية والتي غطوها بالتراب الميت، لتظهر كل الحفر والثغرات والأشواك المعدنية جلية أمام أعين الجميع.
في معسكر القبضة الحديدية المخبأ في العمق، رأى المارشال الأعظم غريغوريو الطيور تهرب مذعورة، وشعر بالأرض تهتز تحت قدميه. انتاب جنوده الرعب والرهبة، وبدأوا ينظرون نحو مصدر الزلزال بعيون مندهش، مذهولين من شدة تلك القوة التي لم يشهدوا لها مثيلاً.
"اصمدوا! حافظوا على التشكيل!" زمجر غريغوريو وقد تملكته صدمة أخفاها بغضبه. "أطلقوا السهام والحجارة!"
بدأ وابل من الحجارة العملاقة المقذوفة من المنجنيقات، وسحب من السهام، ينهمر على الثوار مع اقترابهم من أطلال سُول. القرويون العزل الذين كانوا يرزحون تحت وطأة الاحتلال بدأوا يصرخون ويخافون، محاصرين بين نيران الجيشين.
وعندما أدرك غريغوريو أن الزحف لا يتوقف، لجأ إلى أقذر تكتيكاته. ألقى شعلة نيران نحو الأغصان الجافة والأعشاب المجهزة سلفاً. وفي ثوانٍ، تحولت الغابة إلى جدار من النار المشتعل يفصل بين الجيشين، وبدأ الدخان يخنق الثوار ويحرق المتقدمين منهم.
"احرقوهم ...ليصيروا رمادا قبل أن يقتربوا.. "
لكن المارشال لم يكن يعلم أنه أيقظ غضب و حوش الحرب.
من وسط الجدار الناري المشتعل، اخترقت أربعة ظلال النيران كأنها شياطين لا تحترق، منطلقين بسرعة رهيبة نحو خطوط القبضة الحديدية بالابتسامات مثل الشياطين: فيليكس، غابرييل، أوين، ومورست. أربعة من أقوى مقاتلي الكونت، انطلقوا دفعة واحدة، محولين ساحة المعركة إلى ملحمة دموية.
رأى جنود القبضة الحديدية أمامهم الوحش غابرييل بملامحه الغاضبة، والكونت فيليكس، والاثنين الآخرين، وقد تملكهم الرعب والرهبة. انهار التشكيل الدفاعي الأمامي، وارتجف "المقاتلون الأوائل" و"قادة الفرق" من هول المشهد.
"من أنتم هل بشر..!"
"دعونا.."
في تلك اللحظة، استل فيليكس سيفه الذي توهج بنور نجمي باهر، وسدد ضربة أفقية واحدة.. موجة قاطعة من الطاقة تفجرت من سيفه، دمرت عدد كبير من الجنود ومسحت الفرقة الأولى بالكامل في التشكيل الدفاعي الذي وضعه غريغوريو، والذي كان يعتمد على أربع فرق في المقدمة للسهام والبنادق، وخلفهم رماح طويلة تخترق الصدور، ثم الخيالة والسيافون والجنود والنخبة في المؤخرة. وبضربة ثانية، قضى فيليكس عشرة دفعة واحد.
في ذات الوقت، كان غابرييل يشق طريقه وسط الجنود المرتعبين، يطيح بهم بضرباته المدمرة. ورأى مجرى نار كبير يقترب من الثوار، فجمع طاقة مرعبة في قبضته وسدد لكمة نحو تيار الهواء.. موجة ضغط هائلة تفجرت من قبضته، انفجر بئر المياه الذي كان أمامه مزقت النيران وشتتها وأخمدت تلك الجحيم المشتعل في لحظات، فاتحاً طريقاً آمناً وسط اللهب.
مع انهيار خط الدفاع الأول، وتدمير النيران، وتحت أنظار غريغوريو المصدومة وجنوده المرتعبين.
"مذا بكم ذقتم عذرا ..حاربوا حتى موت كيف يرعبكم مجموعة من مشردين"
ارتفعت صرخات الثوار المدوية من الخلف، يقتحمون الثغرة التي صنعها الأربعة، متجهين كالسيل الجارف نحو المعركة الطاحنة التي أوشكت أن تبدأ!