سرمد

الفصل 7

إرث الرماد وبداية الرحلة

628 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

بعد أن انقشع غبار المعركة، وتحولت جثث الغيلان إلى مجرد كوابيس هامدة، عمت القرية حالة من الذهول التي سرعان ما تحولت إلى امتنان عميق. تجمع القرويون، ووجوههم مغطاة بالدماء والرماد، حول الكونت فيليكس وجنوده، يغدقون عليهم بكلمات الشكر والدموع.

"شكرا لك أيها..القائد فيليكس"

.."نحن ممتنون لك .."

لم يُستثنى لوجارو وروبيرتو من هذا العرفان. اقترب الناس من لوجارو يربتون على كتفه بنظرات ملؤها الاحترام والدهشة من الفتى الذي كان منبوذاً بالأمس وأصبح بطلاً اليوم. شعر لوجارو بالاهتمام غير معتاد، فأسند سيفه والتفت ليساعد معلمه العجوز روبيرتو على النهوض.

وهو ينظر إليه ينظر إلى هذا الرجل الذي بمتابة جده وهو على وشك مفارقته.

في تلك الليلة، داخل حانة القرية المتواضعة، جلس لوجارو وروبيرتو في زاوية هادئة بعيداً عن صخب احتفالات الثوار. كان الصمت بينهما أبلغ من أي كلام. نظر لوجارو إلى تجاعيد معلمه، مسترجعاً قسوة التدريب،وكيف كان هذا العجوز بمثابة الجده .

كلاهما أدرك بمرارة أن شمس الغد ستحمل معها لحظة الفراق.

في مكان آخر، بعيداً عن هذه الأجواء الدافئة، وتحديداً في قصر اللورد الفرد ، كان الغضب يعصف بالجدران. حطم اللورد الفرد كأسه الفاخر على الأرض الرخامية، وعيناه تشتعلان بحقد أعمى. "سقطت القرية؟! وكيف لكتيبة كاملة أن تُباد وتُطرد على يد حثالة الثوار؟! كيف ؟ توقعت انها نهايتهم !!صرخ اللورد في وجه جنوده المرتجفين. لقد أصبح التهديد الذي يمثله فيليكس نوفاريس صاحب قوة النجمية يشكل خطراً مباشراً ياله من ملعون خبيث يستغل و ضع الحرج !!كيف لايزال هنا؟، وكان هذا الإذلال يستدعي رداً دموياً وحاسماً.

مع بزوغ فجر اليوم التالي، لم ينتظر لوجارو طويلاً؛ بل شمر عن ساعديه وبدأ يساعد القرويين في إزالة الأنقاض وإصلاح ما دمرته الغيلان. وبينما كان يرفع عموداً خشبياً محترقاً، اقترب منه ظل ضخم. رفع لوجارو بصره ليرى رجلاً يبتسم بلطف، لكن جسده كان يشع بهالة مرعبة تكاد تخنق الأنفاس لشدة كثافتها. إنه "غابرييل"، نائب فيليكس. رغم قوته الطاغية التي دمرت الأرض بالأمس، كان غابرييل يتحدث بدفء وهدوء شديدين.

"أنت تبلي حسناً يا فتى،" قال غابرييل وهو في رفع العمود بيد واحدة وكأنه ريشة. بدأ غابرييل يتحدث عن العالم خارج الجبل، عن الفساد الذي تنشره قبضة العدالة، وكيف انتشر شر وظلم و اختل التوازن .

"إن عالم ي وحشي أكثر من تتصور فبطش قبضة سرى أعتى بسبب أحداث السابقة"

لوجارو" أي أحداث سابقة؟"

"لاعليك لا تشغل بالك بهذه الأمور"

نظر غابرييل إلى الكوخ البعيد وسأل بفضول: "ذلك العجوز القوي... هل هو جدك؟" أجاب لوجارو وعيناه تتابعان روبيرتو: "لا... إنه معلمي، وهو كل عائلتي الآن." ابتسم غابرييل بصمت. كان يقرأ في عيني هذا الفتى بؤساً عميقاً، ولكنه رأى أيضاً شعلة انتقام التي تتوهج.

حان وقت الرحيل.

نادي جابرييل لوجارو"هيا يا فتى !!"

تجمعت قافلة الثوار؛ خيول سوداء قوية، عربات محملة بالعتاد، وجنود قساة صقلتهم المعارك، يحملون ندوباً في أجسادهم ونيراناً في صدورهم للانتقام من قبضة العدالة. وقف لوجارو أمام مدخل القرية، والمشاعر تعصف بقلبه كعاصفة هوجاء. تذكر جدته، تذكر فقره، وتذكر الفتاة التي قُتلت ظلماً.

تقدم روبيرتو نحو تلميذه بخطوات بطيئة. لم يعد يرى أمامه ذلك الفتى الهزيل الذي التقاه أول مرة، بل محارباً مفتول العضلات، يحمل في أنفاسه سر "الرياح الساكنة". أخرج روبيرتو قطعة قماش بالية وكشف عما بداخلها. كان السيفه. "هذا السيف رافقني لسنوات طوال"

قال روبيرتو بصوت أجش وهو يضعه في يد لوجارو. "لا تستخدمه كأداة عادية.

أثبت له أنك تستحق امتلاكه، وكن جديراً بثقته." ثم وضع في يده الأُخرى مخطوطة جلدية قديمة وقارورة صغيرة تحتوي على سائل متوهج. "سيأتي الوقت المناسب لتعرف ما بداخل هذه المخطوطة.

أما هذه القارورة... فاحتفظ بها، فقد تنقذ حياتك في يوم لا ينفع فيه السيف."

عانق لوجارو معلمه بشدة، مودعاً ماضيه وحياته البسيطة. ومن بعيد، كان جابرييل يراقب هذا المشهد العاطفي بصمت وتقدير.

ومن هنا حدث تغيير جذري في شخصية لوجارو.

تحركت القافلة. شق لوجارو طريقه بين صفوف الجنود ذوي الترتيب الصارم بعد أن ناداه غابرييل ، حتى وصل إلى العربة الأمامية وجلس بجوار غابرييل. نظر خلفه للمرة الأخيرة إلى الجبل الذي صقله، ثم وجه بصره نحو الأفق المجهول، حيث تنتظره حرب لن تُبقي ولن تَذر.