لم تكن تلك الصرخة سوى البداية. في غضون ثوانٍ، تحول سكون الليل إلى كابوس دموي. انتفضت القرية بأكملها. أضاءت مشاعل النيران الوجوه الشاحبة والمرعوبة. خرج الرجال والنساء، كباراً وصغاراً، يحملون ما طالت أيديهم؛ فؤوس، رماح صدئة، وحتى سكاكين المطبخ.
"إنها الأسطور ..إنها حقيقية...!"
."..الغيلان..!!."
نظر الجميع نحو الأفق، وكانت السماء هناك تتوهج ... القرية المجاورة قد أُبيدت بالكامل وتحولت إلى رماد.
"إنهم قادمون!" صرخ أحد الحراس قبل أن يخترق جسده رمحٌ معدني ضخم قادم من ظلام الغابة. من بين الأشجار، خرجت الكوابيس تمشي على قدمين. أكثر من ثلاثين غولاً، أحجامهم تعادل ضعف حجم البشر، وعيونهم تتوهج بجوع لا يرحم. حاول القرويون إيقاف زحفهم؛ أطلقوا وابلاً من السهام وأشعلوا جدراناً من النيران، لكن الغيلان اخترقت ألسنة اللهب وكأنها نسيم بارد، وتكسرت السهام على جلودهم السميكة. بدأت المجزرة. تعالت صرخات التمزق والألم، ولم يرحم الوحوش صغيراً ولا كبيراً.
في وسط هذا الجحيم انطلق روبيرتو من الكوخ، وجهه صارم كالصخر. التفت إلى لوجارو، ألقى إليه بشيء ثقيل وبارد. التقطه لوجارو... لقد كان سيفاً ، نصله يلمع تحت ضوء المشاعل. "انتهى وقت التدريب !" صرخ روبيرتو وهو يحمل شعلة نارية وسيفه.
"اليوم، إما أن تقتل، أو تُفترس!"
اندفع لوجارو نحو ساحة المعركة. لم يكن الخوف يسيطر عليه، بل غضبٌ بارد. للمرة الأولى، استخدم الهالة البسيطة التي تعلمها، مركزاً إياها في نصل سيفه. تفادى ضربة مميتة من غول ضخم، وبحركة خاطفة، لوح بسيفه قاطعاً ذراع الوحش. كان يقاتل بشراسة ابن الشوارع الذي صقلته تدريبات الجبل، وكلما رأى دماء القرويين، تذكر دماء جدته والفتاة البريئة، مما زاد من هيجانه.
إلى جانبه، كان روبيرتو يقاتل كشيطان متمرس، يمزق الغيلان بمهارة فائقة. لكن الزمن كان عدواً لا يُقهر. بدأت أنفاس العجوز تتقطع، وتباطأت حركاته، حتى تلقى ضربة قوية أسقطته أرضاً، وتكاثرت حوله وحول لوجارو الغيلان.
الجروح غطت جسد لوجارو، وأدرك أن النهاية تقترب.
وفجأة... توقف الهواء عن الحركة. شعرت الغيلان بضغط مرعب جعلها تتجمد في مكانها. التفت لوجارو بصعوبة ليرى رجلاً يتقدم بخطوات هادئة وسط النيران. كان رجلاً مهيباً، عيناه تحملان ثقة حاكم مطلق. إنه الكونت فيليكس نوفاريس ، بدأ ناس يصرخون من أمل.
"كونت فيليكس...أنقدنا".
و لوجارو في نفسه "هل هذا هو فيليكس!!"
لم يرفع فيليكس صوته، بل رفع سيفه فقط. انطلقت من نصله طاقة زرقاء داكنة كالفضاء العميق، "القوة النجمية". بضربة أفقية واحدة... انشق الهواء، وتمزقت صفوف الغيلان الأمامية كأنها ورق، وتطايرت أجسادهم في لمح البصر.
قبل أن تستوعب الغيلان المتبقية ما حدث، تقدم نائب فيليكس بابتسامة واثقة. ضرب الأرض بقبضته مستخدماً اسلوبه. اهتزت القرية بأكملها، وانشقت الأرض تحت أقدام فرقة كاملة من الغيلان، مبتلعة إياهم في حفرة ضخمة سحقت عظامهم بلا رحمة.
في لحظة ذهول القرويين وصدمتهم، استغل لوجارو تشتت الغولين المتبقيين أمامه. اشتعلت عيناه ببريق قاتل، وطبق ما حُفر في عظامه. أخذ نفساً عميقاً، والتفت طاقته حول سيفه كدوامات رياح حادة. انطلق كالسهم، وبحركة واحدة سلسة ومميتة، فصل رأسي الغولين عن جسديهما مستخدماً "أنفاس الرياح الساكنة".
وقف فيليكس يراقب المشهد بصمت. اتسعت عيناه قليلاً وهو ينظر إلى الفتى الملطخ بالدماء الذي يلهث وسط الجثث. لقد رأى تلك الحركة... رأى ذلك البريق. هل يُعقل أن الفن الأسطوري المندثر، "هل هذ...هو أنفاس الرياح الساكنة"، حيٌ يرزق في جسد هذا الفتى الغاضب؟
تعالت صرخات البكاء والفرح من القرويين الذين نجوا بأعجوبة. اقترب فيليكس من لوجارو، متخطياً الجثث. نظر لوجارو إلى الرجل المهيب بانبهار وصدمة؛ قوة هذا الرجل ونائبه كانت شيئاً يفوق الخيال.
تحدث فيليكس بصوت عميق وواثق: "يا لها من ضربة... لقد ظننت أن هذا الفن قد مات منذ عقود." نظر فيليكس إلى عيني لوجارو المشتعلتين بالتمرد، وأضاف: "أنت تمتلك موهبة لا يجب أن تُدفن في هذا الجبل. ما رأيك يا فتى أن تنضم إلينا؟"
تسمر لوجارو في مكانه. العرض الذي كان يبحث عنه جاء إليه.
التفت ببطء نحو روبيرتو الذي كان يبتسم بضعف وهو يمسك بجرحه ، كأنه يقول له إقبل وإلا سأوسعك ضربا.
تذكر لوجارو الليالي الباردة، ووحشية قبضة العدالة، وقسمه بالانتقام. أعاد نظره إلى فيليكس، وشد قبضته على سيفه الملطخ بالدماء قائلاً بصوت حازم: "أنا نوافق"