في جوف الليل، كان جبل التدريب غارقًا في السكون.
وفجأة، شقَّ الظلامَ دويٌّ هائل.
اهتزت الأشجار، وفزعت الطيور من أعشاشها، بينما ارتجّت نوافذ الكوخ الخشبي تحت وطأة الرياح.
انتفض لوجارو من نومه.
رفع رأسه بسرعة، يحاول معرفة مصدر الصوت.
لكن روبيرتو كان قد سبقَه.
كان واقفًا أمام النافذة، يحدق في الغابة المظلمة.
قال لوجارو بصوت متوتر:
— ما... ما هذا الصوت يا معلم؟
لم يلتفت روبيرتو.
ظل يراقب الظلام لبضع ثوانٍ، ثم قال بهدوء:
— وفّر طاقتك يا فتى. غدًا سيكون يومًا قاسيًا.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— عُد إلى النوم.
عاد لوجارو إلى فراشه، لكنه لم يستطع النوم.
أما روبيرتو فبقي أمام النافذة.
هل اقتربوا إلى هذا الحد؟
ثبت عينيه على الغابة.
هل يجرؤون على مهاجمة القرية؟
تنهد العجوز، ثم التفت نحو سيفه الموضوع في زاوية الغرفة.
لم يكن سيفًا عاديًا.
بقي يحدق فيه للحظات، قبل أن يعود إلى فراشه ويغمض عينيه.
مع شروق الشمس، لم يمنح روبيرتو لتلميذه فرصة لالتقاط أنفاسه.
بدأ التدريب.
قاد العجوز لوجارو إلى شلال عظيم في أعماق الجبل.
وأشار إلى الماء.
— اجلس.
نظر لوجارو إلى الشلال، ثم إلى معلمه.
— تحته؟
— هل ترى مكانًا آخر؟
جلس لوجارو.
انهالت المياه فوق رأسه وكتفيه بقوة، حتى شعر أن جسده كله يرفض البقاء في مكانه.
لكنّه لم يتحرك.
لم يصرخ.
لم يطلب التوقف.
ظل ساكنًا.
لم يكن يفكر في الألم.
كان يفكر في شيء آخر.
اللورد ألفرد.
كل شهرين.
ضرائب جديدة.
جنود يدخلون القرية، يأخذون ما يريدون، ثم يتركون الناس يتدبرون أمرهم.
وعندما لا يجدون المال...
يتحول الأمر إلى عقاب.
عاد إلى ذهنه ذلك اليوم.
اليوم الذي أرسل فيه اللورد ألفرد أحد قادته إلى القرية.
كان الرجل يجمع الضرائب من منزل عائلة فقيرة فقدت معيلها.
وكانت بينهم عجوز يعتبرها لوجارو جدته الثانية.
لم يكن لديهم ما يدفعونه.
توسلوا.
لكن القائد لم يهتم.
وبينما كان لوجارو يراقب من بعيد، رأى الفتاة التي كانت دائمًا تعاملُه بلطف.
الوحيدة التي لم تنظر إليه كمنبوذ.
كانت تبتسم له دائمًا.
تحدثه كأنه واحد من أفراد عائلتها.
لكنها في ذلك اليوم لم تستطع الهرب.
أمسك بها القائد.
حاولت العجوز منعه.
— أرجوك... لا تلمسها!
لكن الرجل لم يتراجع.
انتهى كل شيء في لحظات.
ثم نظر القائد إلى أهل القرية، وقال ببرود:
— ادفعوا الضرائب.
رفع رأسه وأضاف:
— نحن من يحميكم.
ثم ضحك.
لم ينسَ لوجارو تلك الضحكة.
في ذلك اليوم، كان بإمكانه أن يهاجم.
كان يريد ذلك.
لكنه لم يفعل.
لأنه تذكر ما حدث لجدته.
وتذكر شيئًا أكثر قسوة:
أنه ضعيف.
لم يكن يملك القوة لإنقاذ أحد.
ولم يكن يملك القوة للانتقام.
ولأول مرة، لم يحاول خداع نفسه.
لم يقل:
سأهزمهم يومًا ما.
بل قال:
سأصبح أقوى منهم.
ومنذ تلك اللحظة، تغيّر شيء داخله.
لم يعد الغضب مجرد نار تحرقه.
أصبح دافعًا.
أصبح هدفًا.
لن أكون ضعيفًا مرة أخرى.
عاد لوجارو إلى الحاضر.
كان يحمل صخرة ضخمة فوق ظهره.
توقّف، ثم رماها على الأرض.
تنفس بصعوبة.
لكن روبيرتو لم يقل شيئًا.
فقط أشار إلى صخرة أخرى.
نظر لوجارو إليها.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
— واحدة أخرى؟
قال روبيرتو:
— هل تريد الانتقام وأنت متعب؟
اختفت الابتسامة.
اقترب لوجارو من الصخرة.
— لا.
ثم حملها.
حلَّ الليل من جديد.
كان لوجارو مستلقيًا على فراشه، لكنه لم يستطع النوم.
عاد وجه الفتاة إلى ذاكرته.
ثم وجه جدته.
ثم وجه القائد.
أغمض عينيه.
لم يستطع التخلص من الصور.
نهض.
خرج من الكوخ.
بدأ التدريب وحده.
ضرب.
ركل.
سقط.
نهض.
كرر ذلك دون أن ينطق بكلمة.
وبعد وقت، جلس على الأرض، يحدق في الظلام.
كان يفكر في سؤال واحد:
كم يجب أن أصبح قويًا حتى لا أعجز عن حماية شخص آخر؟
لم يجد جوابًا.
وفجأة...
صرخة.
تجمد لوجارو في مكانه.
كانت صرخة بشرية.
حادة.
بعيدة.
ثم اختفت في أعماق الغابة.
رفع لوجارو رأسه ببطء.
وقف.
وأمسك سيفه.
هذه المرة، لم يكن هناك روبيرتو ليقول له:
عُد إلى النوم.
كان عليه أن يقرر بنفسه.
هل يذهب؟
أم يبقى؟
وهنا بدأ الاختبار الحقيقي.