سرمد

الفصل 4

رمز الماضي ورياح التمرد

1,001 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

كان الضباب الكثيف يلف وعي لوجارو، وكأنه يغرق في بحرٍ لا قاع له.

لا صوت.

لا أرض.

لا سماء.

فقط بياضٌ ممتد إلى ما لا نهاية.

وفي قلب ذلك البياض، بدأت ملامح مألوفة تتشكل شيئًا فشيئًا.

امرأة عجوز تجلس بهدوء، وابتسامة دافئة ترتسم على وجهها.

جدته.

توقف لوجارو مكانه، وكأن الزمن تجمد من حوله.

حدق فيها طويلًا، ثم اقترب بخطوات مترددة.

"جدتي..."

خرجت الكلمة من فمه ضعيفة، مرتجفة.

جلس أمامها، وعيناه تمتلئان بشيءٍ عجز عن تسميته.

"اشتقت إليكِ..."

صمت للحظة، ثم انكسر صوته:

"لماذا تركتِني؟"

لم تجبه.

اكتفت بالنظر إليه بتلك الابتسامة التي طالما كانت تمنحه شعورًا بالأمان، حتى في أكثر أيام حياته قسوة.

ثم مدت يدها ببطء.

لامست أصابعها صدره، حيث كانت القلادة مخفية تحت ثيابه.

تجمدت ملامح لوجارو.

أخرج القلادة ونظر إليها.

كانت قلادة قديمة، على هيئة كتابٍ صغير يخترقه سيفان متقاطعان، وقد بدت في ذلك المكان أكثر غموضًا من أي وقت مضى.

اقتربت الجدة منه وهمست:

"احتفظ بها يا بني."

تردد صوتها في الفراغ من حوله.

"اعتنِ بها أكثر من حياتك..."

ثم خفت صوتها شيئًا فشيئًا.

"فهي الإرث..."

توقفت.

ثم قالت:

"وهي المفتاح."

اتسعت عينا لوجارو.

"مفتاح ماذا؟!"

لكن الصورة بدأت تتلاشى.

"جدتي!"

انتفض لوجارو من فراشه الخشن.

فتح عينيه فجأة، وصدره يعلو ويهبط بسرعة.

ظل للحظات يحدق في سقف الكوخ، غير قادر على التمييز بين الحلم والواقع.

كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحًا.

الهواء البارد يتسلل من شقوق الخشب، ويلامس وجهه المتعرق.

رفع يده إلى صدره.

القلادة ما تزال هناك.

أمسك بها بين أصابعه، وحدق فيها طويلًا.

كان الحلم واضحًا أكثر مما ينبغي.

وفي الطرف الآخر من الكوخ، كان روبيرتو جالسًا بهدوء، يمسح سيفه الخشبي بقطعة قماش.

رفع عينيه دون أن يلتفت بالكامل.

"استيقظت مفزوعًا؟"

لم يجب لوجارو.

ابتسم روبيرتو ابتسامة خفيفة.

"أهو ماضيك الذي يطاردك؟"

أخفى لوجارو القلادة تحت ثيابه.

"لا..."

ثم أضاف بعد لحظة:

"مجرد كابوس."

لم يعلّق روبيرتو.

مد يده إلى كيس صغير وألقاه نحو لوجارو.

التقطه الصبي.

صدر رنين خافت للعملات النحاسية.

"اذهب إلى السوق."

نظر إليه لوجارو باستغراب.

"السوق؟"

"نعم. أحضر بعض اللحم والخضروات والتوابل."

ثم عاد إلى تنظيف سيفه وكأن الأمر لا يستحق النقاش.

"نحتاج إلى الطعام."

تردد لوجارو قليلًا.

"وماذا عن التدريب؟"

رفع روبيرتو عينيه إليه.

"أول درس في أن تصبح محاربًا هو أن تفهم أنك لا تعيش على السيف وحده."

ثم أضاف ببرود:

"اذهب قبل أن يتغير رأيي."

تنهد لوجارو، ونهض.

كان السوق يعج بالحركة.

الباعة ينادون على بضائعهم، والعربات تمر بين الأزقة الضيقة، ورائحة التوابل والخبز واللحم تختلط في الهواء.

لكن شيئًا ما كان مختلفًا.

لم يكن السوق صاخبًا كما اعتاد لوجارو.

كانت هناك همسات كثيرة.

نظرات متوترة.

وجوه تراقب بعضها بحذر.

سار لوجارو بين الناس، يشتري ما طلبه روبيرتو.

وحين مر بين الباعة، لاحظ شيئًا لم يعتده من قبل.

لم تعد النظرات الموجهة إليه تحمل الشفقة وحدها.

بعضهم كان ينظر إليه بفضول.

وآخرون يتابعونه باحترام حذر.

ربما بسبب التغير الذي طرأ على بنيته بعد أشهر التدريب.

وربما لأن الجميع بدأ يعرف أنه أصبح تلميذ ذلك العجوز الغامض الذي يعيش في الجبل.

"أهذا هو الفتى النحيل الذي كان يتجول في القرية؟"

سمع لوجارو إحدى الهمسات خلفه.

لم يلتفت.

واصل طريقه.

وحين توقف عند الجزار، بينما كان الرجل يزن له اللحم، التقطت أذناه حديثًا على طاولة قريبة.

كان مجموعة من الرجال يتحدثون بصوت منخفض.

قال أحدهم:

"هل سمعتم ما حدث في المنطقة المجاورة؟"

رفع رجل آخر رأسه بسرعة.

"خفض صوتك."

"لكن الجميع يعرف بالأمر."

مال الرجل نحوه وقال:

"لقد سقطت المنطقة."

توقف لوجارو عن عدّ العملات.

سأل رجل ثالث:

"سقطت؟ كيف؟"

أجاب الأول:

"قوات الكونت فيليكس نوفاريس هاجمت قوات قبضة العدالة الحديدية."

ارتفعت بعض الهمسات حول الطاولة.

"وقيل إن قوات فيليكس انتصرت."

أضاف آخر:

"بل سحقوهم وطردوهم من المنطقة."

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه الرجل.

"يقولون إن الكونت فيليكس يقاتل كالشيطان."

تجمد لوجارو.

فيليكس؟

كان الاسم جديدًا عليه.

لكن شيئًا في الحديث جعله يشعر بأن هذا الرجل ليس مجرد قائد عادي.

اقترب من الجزار.

"من هو فيليكس نوفاريس؟"

التفت الجزار إليه.

"ماذا؟"

"سمعتكم تتحدثون عنه."

خفض الجزار صوته.

"أنت لا تعرفه؟"

هز لوجارو رأسه.

ثم سأل:

"وما هي قبضة العدالة الحديدية؟"

نظر الجزار حوله بسرعة، ثم اقترب منه.

"أين تعيش يا فتى؟"

"في الجبل."

تغيرت ملامح الرجل.

"أنت تلميذ العجوز روبيرتو، أليس كذلك؟"

لم يجب لوجارو.

فهم الجزار الإجابة.

تنهد وقال:

"قبضة العدالة الحديدية هي القوة التي تحكم هذه المنطقة. جنودهم ينتشرون في كل مكان، ويفرضون الضرائب بالقوة، ولا أحد يجرؤ على الوقوف في طريقهم."

ثم أشار بإيماءة صغيرة إلى الخارج.

"أما فيليكس نوفاريس..."

توقف للحظة.

"فهو أحد قادة الثوار."

"الثوار؟"

"نعم."

ظهرت لمعة أمل في عيني الرجل.

"بالنسبة لنا، هم المقاومة الوحيدة التي ما زالت تقف في وجه القبضة."

سكت لوجارو.

الثوار.

فيليكس.

قبضة العدالة الحديدية.

أسماء جديدة بدأت تتراكم في ذهنه.

لكنه لم يفهم شيئًا.

لماذا يحارب الثوار؟

ما هدفهم الحقيقي؟

هل يريدون إسقاط القبضة فقط؟

ومن يكون فيليكس حتى يتحدث عنه الناس بهذه الطريقة؟

لم يسأل المزيد.

حمل الأغراض وعاد نحو الجبل.

كان الطريق أكثر هدوءًا من المعتاد.

لكن عقل لوجارو لم يكن هادئًا.

كان يمشي بخطوات ثابتة، بينما الأسئلة تتصارع في رأسه.

كلما اقترب من الكوخ، ازداد شعوره بأن العالم الذي يعيش فيه أكبر بكثير مما كان يتخيله.

لم تعد قصته مجرد جدته.

ولا مجرد ألفرد.

ولا حتى مجرد انتقام.

هناك حرب تدور في مكان ما.

وثوار يقاتلون.

وقبضة تحكم.

ورجل اسمه فيليكس نوفاريس أصبح اسمه يتردد على ألسنة الناس.

وأخيرًا ظهرت ملامح الكوخ بين الأشجار.

أسرع لوجارو خطواته.

فتح الباب ووضع الأكياس على الطاولة.

ثم التفت مباشرة إلى روبيرتو.

كان العجوز جالسًا ينحت قطعة من الخشب بهدوء.

قال لوجارو:

"يا معلم."

لم يرفع روبيرتو رأسه.

"ماذا؟"

"ما الذي يحدث في العالم بالأسفل؟"

توقفت يد روبيرتو.

رفع عينيه ببطء.

أكمل لوجارو:

"من هم الثوار؟ ومن هو فيليكس نوفاريس؟ ولماذا تحاربهم قبضة العدالة الحديدية؟"

ظل روبيرتو صامتًا.

ثم عاد إلى نحت الخشب.

تنهد تنهيدة طويلة، كأن السؤال أعاد إليه ذكريات دفنت منذ سنوات.

قال أخيرًا:

"لا تشغل بالك بهذا الآن."

قطب لوجارو حاجبيه.

"لكن—"

قاطعه روبيرتو:

"ستعرف الحقيقة عندما يحين وقتها."

ثم رفع عينيه إليه.

كانت نظرته هذه المرة مختلفة.

هادئة...

لكنها أخفت شيئًا لم يستطع لوجارو قراءته.

"وربما..."

توقف لحظة.

"لن تحتاج إلى أن تسأل عنها."

عاد الصمت إلى الكوخ.

أما لوجارو، فبقي واقفًا مكانه.

لأول مرة، شعر أن العالم الذي ظنه بسيطًا لم يكن كذلك قط.

وكانت الأسئلة التي بدأها في السوق...

مجرد بداية.