سرمد

الفصل 3

دماء الثورة وهمس الرياح

819 كلمة · 4 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

في أطراف هضبة فيليكس نوفاريس، لم تكن السماء تعكس زرقة النهار، بل غطّاها رمادٌ كثيف، تلون بدخان الحرب.

انكسر صمت الغابة فجأة بصليل السيوف وهدير الخيول، بينما اندفعت الكتائب عبر الهضبة استعدادًا لهجوم مباغت.

كانت كتائب قبضة العدالة الحديدية تتقدم بدروعها الفضية الباردة، تدوس المحاصيل وتحرق ما تبقى من أمل القرويين. لم يكن في تحركاتهم ذرة رحمة؛ فقد اعتادوا أن يفرضوا سلطتهم بالقوة، بينما كانت الغيلان تواصل هجماتها يومًا بعد يوم، ناشرةً الرعب في أطراف الإمبراطورية ومهددةً التوازن الهش الذي أبقى هذا العالم واقفًا.

وفجأة...

انشقت صفوف الثوار.

خرج رجل واحد إلى مقدمة الميدان.

كان الكونت فيليكس نوفاريس.

لم يحتج إلى جيشٍ خلفه كي يلفت الأنظار. تقدم وحده، وأمسك بمقبض سيفه، ثم سحبه ببطء.

وفي اللحظة التي خرج فيها النصل من غمده، اندفعت منه هالة نجمية متوهجة، انتشرت حول جسده كأن سماءً كاملةً قد انفتحت فوق سيفه.

تراجع بعض جنود قبضة العدالة الحديدية دون أن يشعروا.

ابتسم فيليكس.

ثم اندفع.

لم تستغرق المعركة طويلًا.

تقدمت قواته خلفه، وسقط جنود القبضة واحدًا تلو الآخر أمام شفرات الثوار. تحولت الهضبة إلى ساحة صراع عنيف، واختلط صليل الحديد بصيحات المقاتلين.

رفع فيليكس سيفه وصاح:

— تقدموا! دعونا نُرِهم قوة حقيقتنا!

وفي مكان بعيد عن تلك المعركة...

كان التدريب آخر يتشكل.

استيقظ لوجارو على ألمٍ اجتاح جسده بالكامل.

كان يشعر وكأن عظامه قد طُحنت ثم أُعيد تركيبها بطريقة خاطئة.

فتح عينيه بصعوبة.

كان روبيرتو واقفًا أمامه، يحمل سيفه الخشبي، ونظرته الحادة لا تحمل أي شفقة.

— استيقظت؟

لم ينتظر إجابة.

— جيد.

ثم أضاف ببرود:

— الضعف لا يصنع محاربًا.

نهض لوجارو بصعوبة.

ومنذ تلك اللحظة، تغير التدريب.

لم يعد الأمر مجرد ركض وحمل للصخور.

الآن بدأ يتعلم فن القتال.

وقف روبيرتو أمامه، وأمسك سيفه.

— تصفية الذهن ليست هروبًا يا لوجارو. إنها تركيز للوجود.

حدق لوجارو فيه.

— تخيل أن ذرات الهواء جزء من ذراعك... لا تقاومها. اندمج معها.

رفع روبيرتو سيفه.

ثم لوّح به.

لم يسمع لوجارو سوى صوت خافت.

ششش...

لم يرَ الضربة.

وبعد لحظة، انشقت شجرة صنوبر ضخمة خلفه إلى نصفين متطابقين.

تجمد لوجارو في مكانه.

نظر إلى الشجرة، ثم إلى روبيرتو.

قال العجوز:

— هذه هي «أنفاس الرياح الساكنة».

خفض سيفه.

— لا تضرب بالسيف.

ثم رفع عينيه إلى تلميذه.

— اجعل السيف يسبق ضربتك.

بدأ التدريب.

— ركّز!

ضربة.

— صفِّ ذهنك!

ضربة أخرى.

كان لوجارو يلوح بالسيف مرارًا، لكن كل محاولة كانت تنتهي بالفشل.

ومع كل تأرجح، لم يكن يضرب الهواء فحسب...

كان يضرب ذكرياته.

تذكر رائحة الحساء البسيط الذي كانت جدته تعدّه له.

ذلك الحساء الذي لم يكن يساوي شيئًا في نظر الآخرين، لكنه بالنسبة إليه كان دفء حياته كلها.

تذكر يديها المرتجفتين.

صوتها.

ابتسامتها.

ثم تذكر شيئًا آخر.

أمه التي لم يعرفها إلا من خلال الذكريات التي تركتها الجدة وراءها.

وحياة البؤس التي عاشها وهو يحاول فقط أن يجد ما يسد به جوعه.

اشتدت قبضته حول السيف.

لماذا رحلوا؟

لماذا تركوني وحيدًا؟

ثم ظهرت في ذهنه صورة ألفرد.

ذلك الوجه المتعجرف.

ذلك السيف.

وتلك اللحظة التي تغير فيها كل شيء.

تراكم الغضب.

الحزن.

الحقد.

والرغبة في الانتقام.

تحولت تلك المشاعر إلى وقود يغذي هالته.

لاحظ روبيرتو التغير.

— لا تضرب بالسيف... اجعل السيف امتدادًا لجسدك.

لكن لوجارو لم يجب.

استمر.

مرة.

ثم مرة أخرى.

مرت ثلاثة أيام في جحيم متواصل من التدريب الجسدي والذهني.

في اليوم الأول، قضى لوجارو حتى منتصف الليل يتعلم أساسيات السيف، ويتلقى ضربات روبيرتو التي كانت تسقطه أرضًا في كل مرة.

كان لوجارو يئن:

— آه...

نظر إليه روبيرتو بلا رحمة.

— ماذا بك؟ تتألم كالحشرة؟ هذا مجرد لعب للأطفال.

نهض لوجارو من جديد.

وفي اليوم الثاني، ركز على صقل حركاته.

لم يعد يهتم بقوة الضربة فقط، بل بدأ يحاول الإحساس بها.

كان يتعلم أن يقرأ حركة السيف قبل وصولها.

أما اليوم الثالث...

فقد كان مختلفًا.

كانت الشمس تقترب من الأفق، والضوء البرتقالي يتسلل بين الأشجار.

وقف لوجارو وسط الغابة.

أغمض عينيه.

أخذ نفسًا عميقًا.

استجمع آخر ما بقي في داخله من ذكرى جدته.

دفء يديها.

صوتها.

حساءها.

ثم استدعى مرارة فقدها.

فتح عينيه.

ششاااك!

انطلقت شفرة غير مرئية من الريح.

أصابت غصنًا يابسًا أمامه.

وانقطع الغصن.

ساد الصمت.

خفض لوجارو سيفه، وهو يحدق فيما فعله.

ثم استدار.

كانت عينا روبيرتو مثبتتين عليه.

ولأول مرة...

ظهر فيهما بريق غريب.

ليس إعجابًا.

وليس خوفًا.

بل شيء أقرب إلى الترقب.

قال لوجارو:

— ما هو الإيثيريون بالضبط؟

صمت روبيرتو.

تابع لوجارو:

— وما ذلك الشيء الذي انفجر مني في المرة السابقة؟

ظل العجوز صامتًا لثوانٍ.

كان يعرف أن الإجابة الآن قد تكون أخطر من الصمت.

لو عرف لوجارو الحقيقة قبل أن يتعلم السيطرة على نفسه، فقد يلتهمه الغرور قبل أن يتعلم حتى كيف يقف.

أشاح روبيرتو بوجهه.

— لا تشغل بالك بالأسماء.

قطّب لوجارو حاجبيه.

أضاف روبيرتو ببرود:

— الطاقة ليست سوى طاقة. وأنت ما زلت في مرحلة الزحف.

ثم أشار إلى السيف في يد الصبي.

— فهل تريد أن تتعلم القتال...

توقف لحظة.

— أم تريد دروسًا في الفلسفة؟

أطبق لوجارو فمه.

لكنه لم يقتنع.

كان يعلم أن العجوز يخفي شيئًا.

شيئًا أعظم بكثير مما يستطيع فهمه الآن.

وفي أعماقه...

كانت نار الانتقام لا تزال مشتعلة.

لكنها لم تعد النار نفسها التي أشعلها موت جدته.

شيئًا فشيئًا...

كانت تغيّر لوجارو .