خالد الفهد كان اسمًا سمعته نورة من زميل قديم بالجريدة، محقق متقاعد اشتغل بقضايا كثيرة قبل ما يترك العمل بظروف غامضة قبل سنتين. كان يشتغل حراسة أمنية بسيطة بمول صغير، حياة بعيدة كل البعد عن ماضيه.
لقته نورة بمقهى قريب من المول، رجل بالستينات، شعره أبيض، وعينه فيها شي من التعب اللي ما يروح بالنوم.
"أستاذ خالد؟ أنا نورة العتيبي."
رفع عينه من كوب قهوته. "أعرفك. أختك ريم، صح؟"
اندهشت نورة. "كيف تعرف؟"
"أنا كنت المحقق الأول اللي وصل موقع الحادث."
جلست قدامه بسرعة. "بس التقرير مكتوب باسم ضابط ثاني."
ابتسم خالد ابتسامة مرة. "الاسم تغيّر بعد أسبوعين. أنا كتبت التقرير الأولي، وبعدها جاني أمر أسحب نفسي من القضية."
"ليش؟"
"لأني لاحظت أشياء ما تتماشى مع 'حادث سير عادي'. آثار الفرملة كانت غريبة، والزاوية اللي انقلبت فيها السيارة ما تتفق مع سرعة الاصطدام المفروضة."
قلب نورة كان يدق بسرعة. "وش تقصد بـ'ما تتفق'؟"
خالد نظر حواليه، كأنه يتأكد ما فيه أحد يسمع. "أقصد إنه يمكن السيارة ما كانت لحالها وقت الحادث، أو إن فيه شي صار قبل الاصطدام."
"مثل إيش؟"
"ما أقدر أقول أكثر من كذا. أنا سحبت نفسي عشان أحمي وظيفتي وعائلتي. وأنصحك تسوّين نفس الشي."
"مستحيل. هذي أختي."
نظر لها خالد بتعاطف حقيقي. "أعرف إحساسك. بس فيه ناس بهالمدينة قوتهم أكبر من قوة القانون. إذا كانت أختك تعبت مع ناس زي هذولا، فأنتِ داخلة بمعركة خاسرة."
"مين ناس زي هذولا؟"
سكت خالد طويلًا، بعدين قام واقف. "خذي نصيحتي واتركي الموضوع."
بس وقبل ما يمشي، حطت نورة يدها على طاولته. "أستاذ خالد، أنا ما بأتركه. مع مساعدتك أو بدونها. بس لو ساعدتني، يمكن نوصل للحقيقة قبل ما يضيع كل دليل."
وقف خالد صامت لحظات طويلة، ينظر لها بعينين فيهم صراع داخلي واضح.
"فيه ملف صغير احتفظت فيه لنفسي، نسخة من ملاحظاتي الأصلية قبل ما يغيّروا التقرير"، قال أخيرًا بصوت واطي. "ما بأعطيك إياه الحين. لازم أفكر."
"متى تفكر؟"
"إذا كنتِ جادة فعلًا، وإذا كنت مستعدة تتحملين النتائج، تعالي المكان هذا بعد ثلاث أيام، نفس الوقت."
مشى خالد وتركها وحدها مع فنجان قهوة بارد وقلب يخفق بقوة. لأول مرة من شهرين، حست إن فيه أمل حقيقي يوصلها للحقيقة.
بس وهي طالعة من المقهى، لاحظت نفس السيارة السوداء اللي شافتها قرب فيلا الرشيد، واقفة على الجهة الثانية من الشارع.