رجعت نورة لموقع الحادث بنفس الوقت تقريبًا اللي صار فيه، الساعة الثانية فجرًا، على أمل إنها تحس بشيء يفسر لها الصورة الناقصة. الطريق فرعي، مضاء بإنارة ضعيفة، وعلى جنبه حاجز حديدي مكسور من مكان الاصطدام.
وقفت نورة قدام المكان، والبرد يخترق جاكيتها. حاولت تتخيل ريم وهي سايقة هنا بهالوقت. ريم ما كانت تطلع بيتها بعد التاسعة إلا لضرورة قصوى. وين كانت رايحة؟ ومن وين كانت راجعة؟
فتحت تطبيق الجوال اللي فيه تقرير الحادث اللي قدرت تاخذ صورة منه قبل ما يسحبه الضابط، وقرأت التفاصيل مرة ثانية: "المتوفاة كانت ترتدي ساعتها اليدوية، ولم يُعثر على هاتفها المحمول في موقع الحادث."
الساعة موجودة، الجوال مفقود. تفصيلة صغيرة، بس غريبة. ريم كانت مدمنة جوالها، ما تفارقه لحظة. كيف يضيع الجوال ويبقى كل شي ثاني بمكانه؟
اتصلت بشركة الاتصالات تسأل عن آخر موقع لجوال أختها، بس الموظف قال لها إنه محتاجة تفويض رسمي أو أمر قضائي. أغلقت الخط بإحباط.
قررت تدور على السجلات القريبة، محلات، كاميرات مراقبة على الطريق الرئيسي قبل الفرعي. لقت بقالة صغيرة على بعد كيلو، دخلت وسألت صاحبها عن كاميرات المراقبة.
"عندي كاميرا بس تحفظ أسبوع بس"، قال الرجل. "الحادث صار من شهرين، ما راح تلقين شي."
"تعرف أحد ثاني بالمنطقة عنده كاميرات؟"
فكر شوي. "فيه فيلا كبيرة قريبة، عندهم نظام أمني ضخم. بس ذيك الفيلا ما تسوّي أنا لو كنت مكانك."
"ليش؟"
"لأنها فيلا آل الرشيد. ناس ما تحب حد يقرب من بواباتهم."
اسم "الرشيد" ثاني مرة اليوم. حست نورة إن الخيط بدأ يتوضح. الفيلا اللي كانت تصمّمها ريم، والفيلا القريبة من موقع الحادث، نفس العائلة؟
رجعت للسيارة وفتحت خرائط قوقل، وتأكدت: المسافة بين موقع الحادث وفيلا الرشيد أقل من كيلومترين. يعني ريم، اللي كانت تعمل بمشروع الفيلا، احتمال كبير كانت راجعة منها وقت الحادث.
اتصلت بأمل. "أمل، لازم أعرف مين يشتغل بمكتب ريم. أبي أدخل مكتبها وأشوف ملفاتها."
"نورة، إحنا اتفقنا إنك بس تسألين، مو تحققين زي محقق فعلي."
"أمل، لقيت شي. الجوال ضاع بس الساعة موجودة، وموقع الحادث قريب من فيلا كانت أختي تشتغل فيها. هذا مو صدفة."
سكتت أمل. "خلاص، بس وعديني تكونين حذرة. الرشيد عائلة عندها نفوذ كبير، وإذا فعلاً فيه شي مريب، إنتِ بتلعبين بالنار."
قفلت المكالمة وهي واقفة قدام الفيلا من بعيد، تشوف السور العالي والبوابة الذهبية. حست بقشعريرة تمشي بظهرها، مو من البرد هالمرة.
فجأة، سيارة سوداء فخمة طلعت من بوابة الفيلا وسارت بسرعة بجنبها. نورة انتبهت للسائق يحدق فيها من المرآة الجانبية، نظرة طويلة أكثر من اللازم.
حست إنها مراقَبة.