المشهد السادس — الرجل الذي فهم متأخرًا
لم يكن يوسف يعرف كم مضى من الوقت منذ أن غادر الرجل.
كانت المدينة قد هدأت.
الأصوات أصبحت أقل، والطرقات التي كانت مزدحمة في النهار صارت واسعة كأنها تخص أشخاصًا آخرين.
واصل يوسف السير حتى وصل إلى مكان مفتوح.
كان البحر أمامه.
جلس على مقعد حجري قريب من الشاطئ.
ظل ينظر إلى الماء.
لم يكن يبحث عن شيء.
كان فقط يريد أن يجلس.
بعد دقائق، جاء رجل وجلس على المقعد نفسه، على مسافة قصيرة منه.
كان في الستين تقريبًا.
لم يتحدث أي منهما.
مرت دقائق طويلة.
ثم قال الرجل:
— البحر غريب.
نظر يوسف إليه.
— لماذا؟
— كلما نظرت إليه تشعر أن الدنيا كبيرة.
— أليست كذلك؟
ابتسم الرجل.
— كبيرة جدًا.
ثم سكت.
قال يوسف:
— تأتي إلى هنا كثيرًا؟
— عندما أحتاج أن أسمع نفسي.
— وهل تسمعها؟
ضحك الرجل.
— أحيانًا أندم أنني سمعتها.
ابتسم يوسف.
قال الرجل:
— تعرف ما المشكلة؟
— ماذا؟
— أن الإنسان يقضي نصف عمره يبحث عن إجابات.
— والنصف الآخر؟
— يتمنى لو أنه لم يسأل.
ضحك يوسف.
ثم عاد ينظر إلى البحر.
قال الرجل:
— كنت أعتقد أن الحياة ستصبح أسهل عندما أكبر.
— ولم تصبح؟
— لا.
— أصعب؟
— لا.
فكر قليلًا.
— أصبحت أوضح.
نظر يوسف إليه.
— وهذا أفضل؟
— أحيانًا.
ثم قال:
— عندما تكون صغيرًا، تستطيع أن تقول إنك لا تعرف.
— وبعدها؟
— عندما تكبر، تبدأ في معرفة الأشياء التي لم تعرفها عن نفسك.
سكت يوسف.
قال الرجل:
— أنا مثلًا قضيت سنوات طويلة أقول إنني راضٍ.
رفع يوسف عينيه إليه.
— ولم تكن؟
— كنت.
ثم ابتسم.
— لكنني كنت أستخدم الرضا كذريعة أحيانًا.
ظل يوسف صامتًا.
أكمل الرجل:
— كنت أقول: “أنا راضٍ بحالي.”
والحقيقة أنني كنت أقصد:
“أنا خائف من أن أغيره.”
نظر يوسف إلى البحر.
قال:
— وهل هناك فرق؟
— فرق كبير.
— كيف؟
— الرضا لا يمنعك من السعي.
سكت قليلًا.
ثم قال:
— أما أن تستسلم وتقول إنك راضٍ، فهذا ليس رضا.
لم يتحدث يوسف.
قال الرجل:
— اكتشفت هذا متأخرًا.
— كم متأخرًا؟
ضحك الرجل.
— بما يكفي لأتمنى لو أنني فهمته وأنا في العشرين.
نظر إليه يوسف.
ثم قال:
— وماذا كنت ستفعل؟
أجاب الرجل دون تردد هذه المرة:
— كنت سأحاول.
— ماذا؟
— أي شيء.
ثم ابتسم بحزن.
— ليس لأنني كنت سأضمن النجاح.
— إذن لماذا؟
— لأنني كنت سأعرف على الأقل أنني حاولت.
سكت الاثنان.
كانت الأمواج تضرب الشاطئ بهدوء.
بعد لحظات، قال الرجل:
— هل ندمت؟
— على ماذا؟
— على شيء لم تفعله.
نظر يوسف إلى البحر.
طالت لحظة الصمت.
ثم قال:
— أكثر مما تتخيل.
التفت الرجل إليه.
لكن يوسف لم ينظر إليه.
قال الرجل:
— إذن نحن اثنان.
ابتسم يوسف.
— ربما أكثر من اثنين.
ضحك الرجل.
— عندك إجابة غريبة لكل شيء.
— ربما لأنني لا أملك إجابات كثيرة.
وقف الرجل.
نفض ملابسه.
قال:
— سأذهب.
— إلى أين؟
— إلى البيت.
ثم أضاف:
— هناك أشياء أريد أن أفعلها.
نظر يوسف إليه.
— الآن؟
ابتسم الرجل.
— الآن.
ثم تحرك.
وبعد خطوات قليلة توقف.
التفت إلى يوسف.
— على فكرة…
— نعم؟
— لا تنتظر أن تصبح كبيرًا حتى تفهم.
ثم رحل.
ظل يوسف جالسًا أمام البحر.
كانت الجملة الأخيرة تلاحقه.
نظر إلى يديه.
ثم إلى انعكاس وجهه على الماء.
لأول مرة، لم يرَ رجلًا في السبعين.
رأى وجوهًا كثيرة.
طفلًا.
وشابًا.
ورجلًا.
ورجلًا آخر.
ثم أغلق عينيه.
كأنه خاف مما يمكن أن يراه.
وعندما فتحهما…
كان البحر وحده أمامه.