سجين مدى

الفصل 5

الفصل الخامس — الحياة التي صارت عادة

514 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

المشهد الخامس — الحياة التي صارت عادة

كان الليل قد بدأ يهبط حين وصل يوسف إلى شارع هادئ.

المحال تُغلق أبوابها واحدًا تلو الآخر، وأصوات الباعة تختفي تدريجيًا.

جلس يوسف أمام محل قديم، على كرسي خشبي وضعه صاحبه خارج الباب.

لم يكن يعرف صاحب المحل.

لكنه لم يجد مشكلة في أن يجلس.

بعد دقائق، خرج رجل في الخمسين تقريبًا.

نظر إلى يوسف، ثم إلى الكرسي.

قال:

— ارتحت؟

رفع يوسف عينيه.

— قليلًا.

ابتسم الرجل.

— خده براحتك.

— شكرًا.

جلس الرجل على صندوق خشبي بجوار الباب.

أخرج علبة سجائر، ثم أعادها إلى جيبه دون أن يشعل واحدة.

قال:

— بطلت.

— من زمان؟

— من حوالي شهر.

— جيد.

ضحك الرجل.

— لا، أنا كل شهر أبطل حاجة.

ابتسم يوسف.

— وهذه المرة ماذا ستبطل بعد التدخين؟

نظر الرجل إليه.

— يمكن… التبرير.

ضحك يوسف.

ضحك الرجل معه.

ثم قال:

— غريبة.

— ماذا؟

— أول مرة أشوف واحد غريب أقعد معاه وأتكلم كده.

قال يوسف:

— يمكن لأن الغريب لا يعرف عنك شيئًا.

— أو لأنه لن يحاسبك.

سكت يوسف.

قال الرجل:

— المحل ده بقاله سنين.

— واضح.

— أنا فتحته وأنا صغير.

— ونجح؟

— الحمد لله.

— إذن لماذا تبدو غير سعيد؟

نظر الرجل إلى المحل.

— أنا سعيد.

— لكن؟

ابتسم.

— لكني مش عارف.

قال يوسف:

— ماذا؟

— هل أنا سعيد فعلًا… أم أنني فقط تعودت على حياتي؟

سكت يوسف.

أكمل الرجل:

— في البداية كنت بحلم بمحل أكبر.

— وماذا حدث؟

— كبرت.

— والمحل؟

— هو نفسه.

ضحك الرجل.

— غريبة، صح؟

— قليلًا.

— كنت أقول: عندما أكون مستقرًا سأكبره.

— واستقررت؟

— جدًا.

— إذن؟

نظر إلى الباب.

— اكتشفت أن الاستقرار ممكن يتحول إلى قفص.

ظل يوسف صامتًا.

قال الرجل:

— لا تفهمني غلط.

— أنا لا أفهم شيئًا.

ضحك الرجل.

— أنا عندي بيت، وأولاد، وصحة، والحمد لله ربنا ساترها.

— وهذا كثير.

— عارف.

ثم تنهد.

— لكن هل معنى أنني ممتن لما عندي أنني ممنوع أتمنى أكثر؟

نظر إليه يوسف.

كانت الجملة قد أصابته في مكان لا يعرفه.

قال:

— لا.

— إذن لماذا أشعر بالذنب كلما فكرت في شيء أريده لنفسي؟

لم يجب يوسف.

قال الرجل:

— يمكن لأنني تعودت أن أقول: “الحمد لله” ثم أسكت.

سكت قليلًا.

ثم قال:

— وأنا فعلًا أقولها من قلبي.

— أعرف.

— لكن يمكنني أن أقولها وأنا أتحرك أيضًا.

نظر يوسف إليه.

ابتسم الرجل.

— صح؟

ابتسم يوسف.

— صح.

سكت الاثنان.

ثم قال الرجل:

— تعرف أكثر شيء أخاف منه؟

— ماذا؟

— أن أصل إلى سن أكبر وأكتشف أنني لم أكن محتاجًا لكل هذا الخوف.

نظر يوسف إلى الشارع.

ثم قال:

— الخوف لا يطلب منك شيئًا في البداية.

— ماذا تقصد؟

— فقط يطلب منك أن تنتظر.

نظر الرجل إليه.

— وبعدها؟

— يصبح الانتظار حياتك.

ساد الصمت.

ثم وقف الرجل.

فتح باب المحل.

قبل أن يدخل، قال:

— يمكن بكرة أعمل حاجة كنت مأجلها.

ابتسم يوسف.

— لا تقل بكرة.

ضحك الرجل.

— لماذا؟

— لأنك قد تصدقها.

ضحك.

— حاضر.

ثم قال:

— غدًا.

دخل.

وبقي يوسف وحده.

نظر إلى الباب المغلق.

ثم إلى يديه.

قال بصوت منخفض:

— كنت أقولها أيضًا.

ثم نهض ومشى.