سجين مدى

الفصل 4

الفصل الرابع — ما اعتاد عليه

620 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

المشهد الرابع — ما اعتاد عليه

بعد أن غادر الرجل، واصل يوسف طريقه.

لم يكن المطر قد عاد، لكن الهواء صار باردًا.

مرّ أمام مخبز مزدحم، فتوقف قليلًا.

كانت رائحة الخبز تخرج إلى الشارع، والناس تدخل وتخرج في عجلة.

وبينما كان يوسف واقفًا، خرج رجل يحمل كيسًا ورقيًا كبيرًا.

تعثّر قليلًا.

سقطت منه بعض الأشياء.

انحنى يوسف ليساعده.

قال الرجل:

— لا، لا، سيبها يا حاج، أنا أقدر.

— وأنا لم أقل إنك لا تستطيع.

انحنى يوسف والتقط رغيفًا تدحرج بعيدًا.

ناولَه للرجل.

— شكرًا.

— العفو.

وقف الرجل أمامه.

كان في الأربعين تقريبًا.

قال:

— أنت ساكن هنا؟

— لا.

— غريب.

— لماذا؟

— لأنني أراك كثيرًا.

ابتسم يوسف.

— وأنا أرى الناس كثيرًا.

ضحك الرجل.

ثم قال:

— واضح أنك بتحب المشي.

— ربما.

— أنا كنت أحب المشي.

— وكنت؟

— لم يعد عندي وقت.

نظر يوسف إلى الكيس.

— مشغول؟

— دائمًا.

ثم ضحك.

— أو هكذا أقنع نفسي.

سأله يوسف:

— ماذا تعمل؟

— لدي محل في الشارع المقابل.

— وهذا جيد.

— الحمد لله.

قالها الرجل تلقائيًا.

ثم سكت.

كان يوسف يعرف هذه الطريقة في الكلام.

قال:

— هل تحبه؟

نظر الرجل إلى المخبز.

— ماذا؟

— عملك.

فكر قليلًا.

— تعودت عليه.

— لم أسألك هل تعودت عليه.

ابتسم الرجل.

— لا أعرف.

جلس على المقعد القريب.

جلس يوسف بجواره.

قال الرجل:

— عندما بدأت، كنت أريد أن أكبر.

— وكبرت؟

ضحك.

— كبرت في السن.

ثم قال:

— لكن المحل نفسه.

— ولماذا لم تكبره؟

هز كتفيه.

— الظروف.

— دائمًا الظروف؟

— أحيانًا.

— وأحيانًا؟

صمت.

— الخوف.

نظر يوسف إليه.

قال الرجل:

— الغريب أنني لم أكن خائفًا في البداية.

— ماذا حدث؟

— المسؤوليات.

— مثل ماذا؟

— البيت، الأولاد، المصاريف…

ثم ابتسم:

— أصبحت كل خطوة تحتاج أن أفكر فيها عشر مرات.

— وهل هذا سيئ؟

— ليس دائمًا.

ثم نظر إلى المحل من بعيد.

— لكن في وقت ما، أصبحت أفكر عشر مرات حتى في الخطوة التي كنت أستطيع أن أمشيها بسهولة.

سكت يوسف.

قال الرجل:

— تعرف ما المشكلة؟

— ماذا؟

— أن الناس يمدحونك عندما تكون مستقرًا.

— أليس هذا جيدًا؟

— جيد جدًا.

ابتسم بحزن.

— لدرجة أنك تخاف أن تفعل أي شيء قد يفسد الصورة.

نظر يوسف إليه.

— أي صورة؟

— صورة الرجل الذي يعرف ماذا يفعل.

ضحك يوسف.

— وهل تعرف؟

ضحك الرجل معه.

— أحيانًا.

ثم سكت.

قال:

— منذ سنوات عرض عليّ شخص أن أشاركه في مشروع.

— ولم تفعل؟

— لا.

— لماذا؟

— كنت أقول: ليس الوقت مناسبًا.

— وبعدها؟

— بعدها قلت: لما الأولاد يكبروا.

— وكبروا؟

— بعضهم.

— وأنت؟

ابتسم.

— أنا كبرت معهم.

نظر يوسف إلى الأرض.

قال الرجل:

— المشكلة أنني كلما قلت لنفسي إن الوقت سيأتي، كان الوقت يأتي ويذهب.

سكت يوسف.

ثم قال:

— وهل أنت نادم؟

رفع الرجل عينيه إليه.

— على ماذا؟

— على أنك لم تحاول.

فكر طويلًا.

— لا أحب كلمة نادم.

— لماذا؟

— لأنها تجعلني أشعر أن كل شيء انتهى.

قال يوسف:

— وربما لم ينتهِ.

نظر إليه الرجل.

— تفتكر؟

— لا أعرف.

— أنت دائمًا تقول لا أعرف.

ابتسم يوسف.

— لأنني لا أحب أن أكذب.

ضحك الرجل.

ثم حمل كيسه.

— لازم أمشي.

— إلى المحل؟

— إلى البيت.

— ولماذا؟

نظر الرجل إلى ساعته.

— زوجتي تنتظرني.

ابتسم يوسف.

— إذن لا تتأخر.

تحرك الرجل.

وبعد خطوات قليلة، التفت:

— يا حاج.

— نعم؟

— لو قابلتني وأنا أصغر بعشر سنين، كنت هتقول لي إيه؟

نظر يوسف إليه طويلًا.

ثم قال:

— كنت هقول لك: لا تجعل خوفك يبدو كأنه مسؤولية.

تغير وجه الرجل قليلًا.

لكنه ابتسم.

— متأخر شوية.

قال يوسف:

— ربما.

ثم رحل الرجل.

بقي يوسف واقفًا.

نظر إلى الشارع الذي اختفى فيه.

ثم قال بصوت خافت:

— ربما تأخرنا كثيرًا… لكننا لم نتعلم إلا متأخرين.