المشهد الثالث — الرجل الذي تأخر
لم يكن يوسف يعرف كم مضى من الوقت منذ أن ترك الشاب.
واصل السير حتى بدأت قدماه تؤلمانه من جديد.
هذه المرة لم يسقط.
جلس على مقعد خشبي أمام مبنى قديم، ووضع عصاه إلى جواره.
كان المكان هادئًا نسبيًا، إلا من أصوات السيارات البعيدة.
بعد دقائق، خرج رجل من باب المبنى.
كان في بداية الثلاثينيات.
يحمل ملفًا أسود تحت ذراعه.
توقف عند الباب.
نظر إلى الملف.
ثم إلى الشارع.
ثم عاد ينظر إلى الملف.
كأنه ينتظر منه إجابة.
اقترب يوسف منه وقال:
— أضعت شيئًا؟
انتبه الرجل.
— لا.
— إذن لماذا تنظر إليه هكذا؟
ضحك الرجل.
— لأنه كان ممكن يغيّر حياتي.
نظر يوسف إلى الملف.
— وماذا بداخله؟
— أوراق.
— أوراق تغيّر الحياة؟
— أحيانًا.
جلس الرجل على الدرجة أمام المبنى.
وضع الملف بجواره.
قال يوسف:
— هل انتهى الأمر؟
— لا.
— إذن لماذا تبدو كأنه انتهى؟
ظل الرجل صامتًا.
ثم قال:
— لأنني لم أذهب.
— إلى أين؟
— كان عندي مقابلة.
— ولم تذهب؟
— وصلت إلى الباب.
نظر يوسف إليه.
— ثم؟
— رجعت.
— لماذا؟
ابتسم الرجل ابتسامة قصيرة.
— لأنني جبان.
قال يوسف:
— لا تبدُ كذلك.
— لأنني تعلمت أن أبدو طبيعيًا.
صمت يوسف.
فتح الرجل الملف.
أخرج منه ورقة.
— كانوا يريدون شخصًا للعمل معهم.
— وهذا سيئ؟
— بالعكس.
— إذن؟
— الراتب أعلى.
— وهذا أيضًا جيد.
— والمكان بعيد.
— مشكلة.
— ليست كبيرة.
— إذن ما المشكلة؟
طوى الرجل الورقة.
— أنني كنت سأترك كل شيء.
— كل شيء؟
— عملي الحالي، الناس الذين اعتدت عليهم، المكان الذي أعرفه…
ثم ضحك.
— حتى الطريق الذي أرجع منه كل يوم.
قال يوسف:
— وتريد أن تبقى؟
— لا أعرف.
— ماذا تريد؟
نظر الرجل إليه.
ولأول مرة لم يجد إجابة جاهزة.
قال:
— أريد أن أكون مرتاحًا.
— وهل أنت مرتاح الآن؟
ابتسم.
— ليس تمامًا.
— إذن؟
— لكنني أعرف هذا التعب.
نظر يوسف إليه.
— ماذا تقصد؟
— التعب الذي أعرفه أهون من شيء لا أعرفه.
ظل يوسف صامتًا.
قال الرجل:
— يمكن أكون غلطان.
— ويمكن؟
— يمكن أكون صح.
— وكيف ستعرف؟
نظر الرجل إلى الملف.
— لن أعرف.
قال يوسف:
— وهذا هو الجزء الصعب.
— ما هو؟
— أن تختار وأنت لا تعرف.
ابتسم الرجل.
— أنت لو مكاني كنت هتعمل إيه؟
نظر يوسف إلى الشارع.
طال صمته.
ثم قال:
— لا أعرف.
ضحك الرجل.
— أول إجابة صريحة منك.
ابتسم يوسف.
— ربما لأن بعض الأسئلة لا تعرف إجابتها إلا بعد أن تعيشها.
سكت الرجل.
ثم أعاد الأوراق إلى الملف.
وقف.
قال يوسف:
— قررت؟
— أيوه.
— ماذا ستفعل؟
حمل الرجل الملف.
— سأرجع البيت.
نظر إليه يوسف.
— ولماذا؟
— لأني قلت لنفسي إن هذا ليس وقتها.
— ووقت ماذا؟
— لا أعرف.
ثم ابتسم.
— ربما يومًا ما.
مشى الرجل.
خطواته كانت هادئة.
لكن يوسف ظل ينظر إليه.
كان يعرف ذلك النوع من الجمل.
“ليس الآن.”
“يومًا ما.”
“عندما تتحسن الظروف.”
جمل تبدو صغيرة…
لكنها قادرة على سرقة سنوات كاملة.
نهض يوسف.
حمل عصاه.
وقبل أن يمشي، نظر إلى الباب الذي وقف أمامه الرجل.
ثم قال لنفسه:
— بعض الأبواب لا تُغلق مرة واحدة.
ومشى.