المشهد الثاني — الشاب الذي لم يكن لديه وقت
لم يمشِ يوسف كثيرًا بعد أن ترك الطفل.
كانت الشمس قد بدأت تميل إلى الغروب، والشارع صار أكثر ازدحامًا.
وقف أمام محل صغير يبيع الأدوات المكتبية وبعض المستلزمات اليومية.
كان هناك شاب في العشرين تقريبًا يحاول إنزال صندوق من رف مرتفع.
مد يده مرة.
ثم وقف على طرف قدميه.
حاول مرة أخرى.
فقد توازنه قليلًا.
قال يوسف من خلفه:
— اتركه.
التفت الشاب.
— ماذا؟
— الصندوق.
— لا، خلاص، أنا هطلعه.
— سيقع عليك.
ضحك الشاب.
— متقلقش يا حاج، أنا شب.
قال يوسف:
— والشباب لا تسقط؟
ابتسم الشاب.
— لا، بس لو وقعت هقوم.
ترك يوسف عصاه جانبًا، ومد يده ليساعده.
أنزلا الصندوق معًا.
وضعه الشاب على الأرض، ثم مسح العرق عن جبينه.
— شكرًا يا حاج.
— العفو.
جلس الشاب على كرسي صغير بجوار المحل.
أخرج زجاجة ماء وشرب منها بسرعة.
قال يوسف:
— تعمل هنا؟
— أيوه.
— صاحب المحل؟
ضحك.
— يا ريت.
— إذن ماذا تفعل؟
— أي حاجة.
— أي حاجة؟
— أبيع، أنضف، أحاسب، أنزل البضاعة… حسب اليوم.
جلس يوسف على الرصيف المقابل.
قال الشاب:
— أنت بتشتغل هنا؟
— لا.
— مستني حد؟
— لا.
— إذن؟
نظر يوسف إلى الطريق.
— ماشي.
ضحك الشاب.
— ماشي إلى أين؟
ابتسم يوسف.
— لا أعرف.
— غريبة.
— لماذا؟
— أول مرة أشوف حد ماشي من غير ما يكون رايح مكان.
قال يوسف:
— وأنا أول مرة أقابل واحدًا يشتغل من غير ما يكون عنده وظيفة محددة.
ضحك الشاب.
— معاك حق.
ثم سكت قليلًا.
قال يوسف:
— تدرس؟
تغير وجه الشاب قليلًا.
— أيوه.
— ماذا تدرس؟
— تجارة.
— وتعمل بجانب الدراسة؟
— أيوه.
— لماذا؟
هنا لم يضحك الشاب.
نظر إلى داخل المحل.
ثم قال:
— أبي.
لم يتكلم يوسف.
أكمل الشاب:
— أبي بيتعب من زمان، وعندي أخوات بنات.
— كم واحدة؟
— ثلاث.
— وأنت الأكبر؟
— أيوه.
قالها ببساطة، كأن الأمر لا يحتاج شرحًا.
ثم أضاف:
— مش هينفع أشوفه شايل البيت لوحده وأسكت.
قال يوسف:
— وهذا شيء جميل.
ابتسم الشاب.
— هو واجبي.
— وماذا عنك؟
نظر إليه.
— ماذا عني؟
— ماذا تريد أنت؟
ضحك الشاب.
— أنا؟
— نعم.
فكر لحظة.
ثم قال:
— عادي.
— ما معنى عادي؟
— يعني… أخلص دراستي، أشتغل، أتجوز، وأعيش.
— هذا كل شيء؟
— مش كفاية؟
قال يوسف:
— لا أعرف.
ضحك الشاب.
— واضح إنك بتحب الأسئلة.
— وأنت لا تحب الإجابات.
— يمكن.
مر صمت قصير.
ثم قال الشاب:
— زمان كنت عايز حاجات تانية.
— مثل ماذا؟
رفع كتفيه.
— مش فاكر.
— مستحيل.
— والله مش فاكر.
ثم ابتسم.
— يمكن عشان الواحد لما يكبر شوية بيكتشف إن الأحلام رفاهية.
نظر يوسف إليه.
— وهل تظن ذلك؟
— أيوه.
— ومن قال إن الحلم يمنع المسؤولية؟
سكت الشاب.
ثم قال:
— يا حاج، أنت بتتكلم كأنك عشت كتير.
ضحك يوسف.
— ربما.
— عندك كام سنة؟
— سبعون.
اتسعت عينا الشاب.
— سبعين؟!
— نعم.
— بس شكلك…
توقف.
ابتسم يوسف.
— شكلي ماذا؟
— لا، ولا حاجة.
ضحك يوسف.
ثم قال:
— هل أنت راضٍ عن حياتك؟
أجاب الشاب دون تردد:
— الحمد لله.
ظل يوسف ينظر إليه.
— لم أسألك هل أنت شاكر.
استغرب الشاب.
— أمال؟
— سألتك هل أنت راضٍ.
صمت الشاب.
كانت هذه أول مرة لا يجد فيها إجابة سريعة.
نظر إلى يديه.
ثم قال:
— أعتقد.
— أعتقد؟
— أيوه.
— وما الذي جعلك تتردد؟
ابتسم الشاب ابتسامة صغيرة.
— يمكن عشان في حاجات نفسي فيها.
— وما الذي يمنعك؟
— الوقت.
— أم المال؟
سكت.
— أم المسؤولية؟
لم يجب.
قال يوسف:
— أم أنك أقنعت نفسك أن كل ما تتمناه لا يناسب حياتك؟
رفع الشاب عينيه إليه.
هذه المرة لم يبتسم.
قال:
— أنت بتعرف الناس من أول مرة؟
قال يوسف:
— لا.
— أمال عرفت ده إزاي؟
ابتسم يوسف.
— مجرد تخمين.
رن هاتف الشاب.
نظر إلى الشاشة ونهض بسرعة.
— لازم أمشي.
— والدك؟
— لا، أختي.
ثم ابتسم:
— أكيد بتسألني فين.
أخذ الصندوق.
وقبل أن يدخل المحل، التفت إلى يوسف.
— على فكرة يا حاج…
— نعم؟
— أنا فعلًا راضي.
ابتسم يوسف.
— أتمنى ذلك.
دخل الشاب.
ظل يوسف جالسًا للحظات.
ثم نظر إلى المحل.
إلى الصندوق.
إلى الشاب.
ثم قال بصوت منخفض:
— كنت في مثل سنك أقولها بنفس الطريقة.
نهض.
أمسك عصاه.
ومشى.
ولم يكن يعرف لماذا شعر، للمرة الثانية، أنه لم يكن يتحدث إلى غريب.