سجين المدى
المشهد الأول — الرجل والطفل
كان يوسف يمشي منذ وقت لا يعرفه.
لم يكن لديه مكان محدد يريد الوصول إليه، ولذلك لم يكن مستعجلًا.
يمشي قليلًا، يتوقف قليلًا، ثم يكمل.
كان في السبعين، لكنك لو نظرت إلى خطواته فلن تعرف عمره؛ فقد كان يمشي كمن يحمل فوق ظهره سنوات أكثر مما يحمل جسدًا.
مر بجوار المارة دون أن يلتفت إليهم.
بعضهم كان ينظر إليه سريعًا.
رجل عجوز، ثياب بسيطة، حذاء قديم، وعصا في يده.
ثم يمضي.
لم يكن يوسف يلومهم.
اعتاد أن يكون شخصًا يمر في حياة الآخرين دون أن يترك أثرًا.
أو هكذا كان يظن.
بعد مسافة، بدأ يشعر بأن ساقيه لم تعودا تحملانه كما ينبغي.
توقف.
وضع يده على ركبته.
تنفس ببطء.
قال لنفسه:
— يبدو أنني بالغت اليوم.
حاول أن يكمل.
خطوة واحدة.
ثم أخرى.
لكن قدمه خانته.
سقط يوسف.
لم يكن سقوطًا شديدًا، لكنه كان كافيًا ليجعله يبقى على الأرض لحظات.
رفع رأسه.
رأى أحذية تمر أمامه.
واحدًا.
ثم آخر.
ثم آخر.
سمع أحدهم يقول:
— حد يساعد الراجل؟
لكن الصوت ابتعد.
حاول يوسف أن يرفع نفسه.
لم يستطع.
ثم سمع صوتًا قريبًا جدًا:
— عمو؟
رفع رأسه.
كان طفلًا يقف أمامه.
في العاشرة تقريبًا.
يحمل كيسًا صغيرًا في يده.
نظر إليه الطفل قليلًا، ثم وضع الكيس على الأرض.
— أنت كويس؟
قال يوسف:
— الحمد لله.
— طب قوم.
ضحك يوسف رغم تعبه.
— لو الموضوع بالسهولة دي كنت قومت.
نظر الطفل حوله.
ثم اقترب ومد يده.
— امسك.
نظر يوسف إلى يده.
— هتقدر؟
— جرّب.
أمسك يوسف يد الطفل.
شد الطفل بكل قوته.
ولم يكن قويًا بما يكفي ليرفع رجلًا في السبعين، لكن يوسف ساعده هذه المرة، ونهض.
وقف يوسف، ثم استند إلى عصاه.
قال:
— تصدق إنك تعبت معايا؟
ابتسم الطفل:
— لا والله يا عمو.
ثم حمل كيسه.
— حضرتك زي بابا.
نظر يوسف إليه.
— والدك؟
— أيوه.
— هو كبير؟
ضحك الطفل.
— مش كبير أوي.
— إذن كيف أشبهه؟
فكر الطفل قليلًا.
— معرفش.
ثم قال:
— بس أنت طيب زيه.
سكت يوسف.
كان يمكن أن يضحك وينهي الحديث.
لكنه لم يفعل.
قال:
— اسمك إيه؟
— طارق.
— طارق؟
— أيوه.
ابتسم يوسف.
— اسم جميل.
سأله الطفل:
— وأنت اسمك إيه؟
— يوسف.
— يوسف إيه؟
ضحك يوسف.
— يوسف وخلاص.
قال الطفل:
— غريبة.
— ليه؟
— كل الناس ليها اسم كامل.
— وأنا اسمي كامل.
ضحك الطفل.
ثم نظر إلى الساعة في يده.
— أنا لازم أمشي.
— مستعجل؟
— أيوه، ماما مستنياني.
رفع الكيس.
— قالت لي أجيب حاجة وأرجع بسرعة.
قال يوسف:
— إذن لا تتأخر عليها.
تحرك الطفل.
ثم توقف فجأة.
التفت إلى يوسف.
— أنت رايح فين؟
نظر يوسف إلى الطريق.
ثم إلى الطفل.
— لا أعرف.
ضحك الطفل.
— يعني ماشي وخلاص؟
ابتسم يوسف.
— تقريبًا.
— طب ليه؟
ظل يوسف صامتًا.
ثم قال:
— يمكن عشان لما أقف… ما أعرفش أعمل إيه.
لم يفهم الطفل.
فقال:
— أنا لما أكبر هعرف أعمل حاجات كتير.
— مثل ماذا؟
أجاب بسرعة:
— هبقى طيار.
رفع يوسف حاجبه.
— طيار؟
— أيوه.
— ولماذا؟
قال الطفل بحماس:
— عشان أشوف الدنيا من فوق.
ابتسم يوسف.
— من فوق؟
— أيوه. تخيل تبقى فوق كل الناس وتشوف البلاد كلها.
نظر يوسف إلى وجهه.
كان يتحدث بثقة غريبة بالنسبة لطفل في العاشرة.
سأله:
— وأنت متأكد إنك هتبقى طيار؟
— طبعًا.
— ولو ما بقيتش؟
قطب الطفل حاجبيه.
— ليه مش هبقى؟
ابتسم يوسف.
— لا، أنا لا أقول إنك لن تصبح.
ثم جلس على الرصيف.
— فقط اسمع مني.
جلس الطفل أمامه.
— ماذا؟
قال يوسف:
— عندما تكبر، ستجد أن الحياة لا تسير دائمًا كما تتمنى.
سكت الطفل.
أكمل يوسف:
— ستجد أشياء تريدها ولا تحصل عليها.
— طيب؟
— وستجد أشياء لم تكن تريدها وتأتي إليك.
فكر الطفل.
— يعني مش كل حاجة هتحصل؟
— لا.
— طب أعمل إيه؟
نظر يوسف إليه.
وقال:
— لا تتوقف عن المحاولة.
سكت الطفل.
ثم قال:
— بس لو حاولت ومقدرتش؟
ابتسم يوسف.
— لا تحزن.
— ليه؟
— لأنك لم تخسر لمجرد أنك لم تصل.
ثم أضاف:
— أحيانًا يكفي أنك لم تخف من الطريق.
ظل الطفل ينظر إليه.
ثم قال:
— الكلام ده كبير أوي يا عمو.
ضحك يوسف.
— عارف.
— أنت كبير؟
ضحك يوسف.
— جدًا.
وقف الطفل.
— خلاص، لما أكبر هفهم.
ابتسم يوسف.
— أتمنى ألا تتأخر كثيرًا حتى تفهم.
ضحك الطفل.
ثم حمل كيسه.
— أنا همشي بقى.
— اذهب.
— أصل هجيب الحاجة لماما وأروح.
— ربنا يحفظك لها.
ابتعد الطفل.
خطوتان.
ثلاث.
ثم التفت:
— يا عمو يوسف!
رفع يوسف رأسه.
— نعم؟
— لما تبقى أحسن… ما تنساش اللي قولتهولي.
ابتسم يوسف.
— لن أنسى.
ركض الطفل.
ظل يوسف يتابعه بعينيه حتى اختفى بين الناس.
ثم نظر إلى يده التي أمسك بها الطفل قبل قليل.
فتحها وأغلقها.
وقال بصوت خافت:
— يا ترى… كنت هعمل إيه لو ما وقعتش؟
ثم نهض.
وأكمل السير.