النهاية — سجين المدى
غادر يوسف البحر.
كان يمشي ببطء، وعيناه معلقتان بالطريق.
ثم توقف.
لأول مرة، لم يرَ أمامه رجلًا غريبًا.
رأى طفلًا في العاشرة.
طارق.
ثم رأى شابًا في العشرين، يحمل همَّ أبيه وأخواته، ويقول إنه سيدرس التجارة.
ثم رأى رجلًا في الثلاثين، يقف أمام فرصة ويقول:
“ليس الوقت مناسبًا.”
ثم رجلًا في الأربعين، يردد:
“عندما يكبر الأولاد.”
ثم رجلًا في الخمسين، وقد صار الاستقرار عنده سجنًا.
ثم رجلًا في الستين، ينظر إلى البحر ويعترف:
“كنت أقول إنني راضٍ.”
أغمض يوسف عينيه.
فهم أخيرًا.
لم يكن هؤلاء أشخاصًا قابلهم في الطريق.
كانوا هو.
كل واحد منهم كان عمرًا من أعمار يوسف.
كل حوار دار بينهم كان حوارًا بينه وبين نفسه.
كل نصيحة قالها لهم، كان يتمنى لو أنه سمعها في وقتها.
وكل حلم تركه خلفه، عاد إليه في صورة إنسان.
فتح عينيه.
لم يكن هناك أحد.
لا الطفل.
لا الشاب.
لا الرجل الثلاثيني.
ولا الأربعيني.
ولا الخمسيني.
ولا الستيني.
كان هناك يوسف فقط.
يوسف الذي بلغ السبعين.
يوسف الذي قضى عمره يظن أنه يمشي في الحياة…
بينما كان في الحقيقة يهرب من نفسه.
لم يكن متشردًا في الشوارع.
كان متشردًا في داخله.
وكان أكثر ما يؤلمه…
أنه لم يكتشف ذلك إلا بعد أن صار الماضي أكبر من المستقبل.
رفع يوسف رأسه.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال:
— كنت أبحث عنكم طوال الطريق…
ثم نظر إلى نفسه.
— وطلعتوا أنا.
النهاية
يوسف السعيد
سجين المدى