الفصل 5

اللقاء الاول

2,427 كلمة · 12 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

الفصل الخامس - اللقاء الأول

في أعماق إيريس...

ظل لارك واقفًا أمام المرآة.

لم يتحرك.

كان الضوء قد انطفأ من حوله، ولم يبقَ في الغرفة سوى انعكاس شاحب للقمر يتسلل من بين ستائر النافذة.

حدّق في المرآة.

كان وجهه هناك.

وجهه نفسه.

العينان ذاتهما.

الملامح الحادة التي حفظها منذ سنوات.

لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.

انعكاسه كان يبتسم.

بينما هو لم يكن يفعل.

اقترب لارك خطوة.

اختفت الابتسامة.

تغيرت ملامح الانعكاس لتصبح مطابقة له.

قال لارك بصوت منخفض:

"هانك."

لم يجب.

وضع يده على سطح المرآة.

كان الزجاج باردًا.

"أظهر نفسك."

ظل الانعكاس ساكنًا.

ثم ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيه.

هذه المرة لم تكن ابتسامة لارك.

«هل تريد أن تتذكر؟»

سحب لارك يده بسرعة.

"أتذكر ماذا؟"

«كيف بدأت.»

قطب حاجبيه.

"أعرف كيف بدأت."

ضحك الصوت بهدوء.

«لا.»

ساد الصمت.

ثم أضاف:

«أنت تعرف كيف بدأت قصتك معها.»

تغيرت ملامح لارك.

«لكنّك لا تعرف كيف بدأت قصتي.»

أخفض لارك نظره.

كان يعرف إلى أين يريد هانك الوصول.

قال:

"لا أريد سماعها."

«لأنك تعرف أنها الحقيقة.»

رفع عينيه.

"أنت مجرد صوت."

«كنت كذلك.»

ثم تحرك الانعكاس.

خطا إلى الأمام.

لكن لارك لم يتحرك.

كان يشاهد نسخة منه تقترب من الجهة الأخرى للزجاج حتى أصبحت ملامحها واضحة.

«أما الآن...»

توقفت الابتسامة.

«فأنا أكثر من ذلك.»

ارتجفت أصابع لارك.

"ماذا تريد؟"

نظر هانك إليه طويلًا.

ثم قال:

«أن تتذكرها.»

تجمد لارك.

وفي اللحظة التالية...

تغير انعكاس المرآة.

لم يعد يرى نفسه.

رأى حديقة.

زهورًا فضية تتمايل تحت سماء بنفسجية.

وقمرًا كبيرًا يسكب ضوءه الباهت على الأرض.

ثم ظهرت هي.

لافينيا.

كانت تضحك.

كانت تضحك بالطريقة التي لم يعد لارك يتذكر كيف يسمعها دون أن يشعر بألم في صدره.

تراجعت أنفاسه.

"لا..."

اقترب من المرآة.

"لا تفعل."

لكن هانك لم يجب.

وتغيرت الصورة.

لم تعد لافينيا تضحك.

كانت تقف أمامه.

وجهها شاحب.

عيناها ممتلئتان بالخوف.

وكان هو هناك.

يمسكها بين ذراعيه.

اللعنة تحيط بها كدوامة سوداء، والضوء يتسرب من جسدها شيئًا فشيئًا.

سمع صوتها.

واضحًا.

قريبًا.

كأن السنوات لم تمر.

"لارك..."

أغمض عينيه.

"توقف."

لكن الصوت استمر.

"أنا خائفة."

فتح عينيه.

رآها من جديد.

رأى يده وهي تمسك بها.

رأى أصابعه المرتجفة.

رأى الدموع التي لم يسمح لنفسه يومًا أن يتذكرها.

ثم سمع صوته القديم.

"لا تخافي."

اهتز صدره.

قالت لافينيا:

"لا أريد أن أتركك."

ابتلع لارك ألمه.

ثم جاء صوته من الذكرى:

"لن تتركيني."

ارتجفت شفتا لافينيا.

"وعدني."

نظر إليها لارك.

ذلك الوجه...

ذلك الوجه الذي ظل يبحث عنه لسنوات.

ثم أجابها:

"أعدك."

ابتسمت.

ابتسامة صغيرة، مرتجفة، لكنها كانت ابتسامتها.

"أنت دائمًا تكذب عندما تقول هذا."

أغمض لارك عينيه.

كانت الذكرى أقسى مما توقع.

لم يكن مستعدًا لسماعها من جديد.

لكن هانك لم يمنحه فرصة للهروب.

ظهرت يد لافينيا وهي ترتفع ببطء إلى وجهه.

"أحبك."

توقف قلبه لحظة.

ثم سمع صوته.

"وأنا أحبك."

سقطت دمعة على خدها.

"إذا لم أجدك..."

رد لارك:

"سأجدك."

"وإذا لم أتذكرك..."

"سأذكرك."

ثم بدأ الضوء يلتهم جسدها.

لارك في الحاضر وضع يده على المرآة.

"لا..."

في الذكرى، كان يصرخ.

"لافينيا!"

كانت أصابعها تختفي بين يديه.

حاول الإمساك بها.

لكنها كانت تتحول إلى ذرات من الضوء.

آخر شيء رآه...

كان ابتسامتها.

ثم اختفت.

انطفأت الصورة.

وعاد انعكاسه.

لكن لارك لم يعد يرى وجهه.

كان يرى الرجل الذي أصبحه بعد تلك اللحظة.

الرجل الذي بقي حيًا بينما مات كل شيء داخله.

همس:

"لماذا تفعل هذا؟"

جاء صوت هانك هادئًا.

«لأنك نسيت.»

رفع لارك عينيه.

"ماذا نسيت؟"

«أنني لم آتِ إليك بعد موتها.»

سكت.

«أنا وُلدت يوم ماتت.»

تجمد لارك.

للحظة، لم يسمع شيئًا.

ثم عاد إليه صوت الماضي.

صوت لم يسمعه منذ سنوات.

بعد اختفاء لافينيا...

كان الصمت.

صمتًا حقيقيًا.

لا صرخات.

لا حركة.

لا شيء.

فقط المكان الذي كانت تقف فيه منذ لحظات.

كان لارك جاثيًا على الأرض.

يده لا تزال ممدودة.

أصابعه مغلقة على الفراغ.

"لافينيا..."

لم تجبه.

"لافينيا."

اقتربت فيونا منه.

كانت تبكي.

لكن لارك لم ينظر إليها.

قالت:

"لارك..."

لم يتحرك.

"يجب أن نذهب."

أجابها دون أن ينظر إليها:

"اذهبي."

"لن أتركك."

"قلت اذهبي."

كان صوته خاليًا من الحياة.

تراجعت فيونا خطوة.

ثم توقفت.

لأنها شعرت بشيء.

الهواء حول لارك أصبح أثقل.

الظلام عند قدميه بدأ يتحرك.

لم يكن ظلًا طبيعيًا.

كان شيئًا أسود رقيقًا يتسلل من الأرض، يصعد ببطء حول جسده.

قالت فيونا:

"لارك..."

لم يجب.

كان ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه لافينيا.

ثم همس:

"قلت لها إنني سأجدها."

ارتجف صوته.

"قلت لها..."

توقف.

انخفض رأسه.

ولأول مرة منذ سنوات...

انهار.

لم يبكِ بصوت مرتفع.

لم يصرخ.

فقط انحنى جسده، وكأن شيئًا داخله انكسر دون أن يصدر صوتًا.

وفي أعماقه...

كان هناك فراغ.

فراغ لم يكن يشبه الحزن.

كان أعمق.

أبرد.

وأشد ظلمة.

ثم جاء صوت.

ضعيفًا جدًا.

كأنه وُلد من آخر نبضة في ذلك الفراغ.

«لن تجدها.»

رفع لارك رأسه.

نظر حوله.

لم يكن هناك أحد.

فيونا لم تقل شيئًا.

قال:

"من أنت؟"

صمت.

ثم جاء الصوت مجددًا.

«أنا؟»

كانت نبرته هادئة.

«أنا الشيء الذي بقي منك عندما رحلت.»

تجمد لارك.

"أظهر نفسك."

ضحكة خافتة.

«ليس بعد.»

ثم اختفى الصوت.

لكن الظلام بقي.

ولم يعرف لارك في تلك اللحظة...

أن شيئًا وُلد داخله.

شيء لم يكن يعرف اسمه.

شيء لم يكن يعرف كيف يطرده.

شيء سيكبر كلما كبر فقده.

هانك.

عاد لارك إلى الحاضر.

تنفس بسرعة.

كان وجهه شاحبًا.

قال:

"أنت لم تكن موجودًا قبلها."

«لا.»

"كنت مجرد فراغ."

«كنت أنت.»

رفع رأسه.

"أنا لست مثلك."

ابتسم هانك.

«لم أقل إننا متشابهان.»

ثم اقترب صوته.

«أنا الجزء منك الذي لم يستطع أن يبقى ضعيفًا.»

قبض لارك يده.

"أنت استغليتني."

«نعم.»

كانت الإجابة هادئة لدرجة أزعجته.

"وتعترف بذلك؟"

«لماذا أكذب عليك؟»

اقترب لارك من المرآة.

"ماذا تريد مني؟"

«شيئًا واحدًا.»

"ما هو؟"

سكت هانك لحظة.

ثم قال:

«أن تعيدها.»

تغير وجه لارك.

"أنا سأعيدها."

«أعرف.»

"بدونك."

«لا.»

"هانك..."

«لن تستطيع.»

سكت لارك.

ثم أضاف هانك:

«لأنك عندما فقدتها... فقدت شيئًا آخر معها.»

نظر لارك إلى انعكاسه.

«وأنا كنت ذلك الشيء.»

في الطرف الآخر من إيريس...

كانت فيونا جالسة في مكتبة القصر.

الكتب القديمة تحيط بها من كل جانب.

أشعلت عشرات الشموع، لكن الضوء لم يكن كافيًا لطرد الظلام المتراكم في الغرفة.

كانت تقلب الصفحات بسرعة.

ورقة.

ثم أخرى.

ثم كتابًا جديدًا.

كانت تبحث عن أي شيء.

أي ذكر.

أي تفسير.

حتى توقفت.

سقطت عيناها على سطر مكتوب بحبر باهت.

قرأت:

«حين يفقد المرء الشيء الذي يجعل روحه كاملة، قد تنشأ في الفراغ قوة تبحث عن شكل.»

تجمدت.

تابعت القراءة.

«لا يولد الظل من الشر، بل من الفقد الذي يرفض أن يموت.»

وضعت يدها على الصفحة.

بدأت أنفاسها تتسارع.

"لا..."

قلبت الصفحة.

كان هناك رسم.

شخص يقف وحده.

وخلفه ظل أسود بملامح غير واضحة.

أسفل الرسم كلمة واحدة.

هانك.

ارتجفت يدها.

ثم قرأت السطر التالي.

«كلما بقي الفقد حيًا في قلب صاحبه، بقي الظل حيًا معه.»

اتسعت عيناها.

"لافينيا..."

فهمت.

هانك لم يظهر لأن لارك كان شريرًا.

ولم يظهر لأن اللعنة أرادت خلق وحش.

بل لأن موت لافينيا ترك داخل لارك شيئًا لا يستطيع دفنه.

شيئًا ظل حيًا.

حبه.

حزنه.

وعده.

كل شيء لم يستطع التخلي عنه.

واللعنة...

وجدت في ذلك الفراغ مكانًا مثاليًا.

أغلقت فيونا الكتاب.

لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير في سؤال واحد:

إذا عادت لافينيا...

ماذا سيحدث لهانك؟

في عالم البشر...

فتحت لافينيا عينيها.

كانت جالسة على سريرها.

الليل لا يزال يحيط بالغرفة.

أنفاسها متقطعة.

وجهها مبلل بالدموع.

رفعت يدها إلى صدرها.

كان قلبها يخفق بعنف.

لم تعرف لماذا كانت تبكي.

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.

هذه المرة...

لم يكن الحلم حلمًا.

لقد تذكرت.

وضعت قدميها على الأرض.

وقفت.

ثم شعرت بألم حاد في رأسها.

أمسكت جبهتها.

وانفجرت الذكرى مرة أخرى.

النار.

الظلام.

فيونا.

لارك.

يداه حولها.

صوته.

"لا تخافي."

ثم صوتها:

"أنا خائفة."

شهقت.

وضعت يدها على فمها.

"أنا..."

تراجعت خطوة.

"أنا متُّ."

قالتها بصوت خافت.

كأنها تختبر الكلمة.

"أنا متُّ."

جلست على الأرض.

بدأت الدموع تتساقط من عينيها.

لم تكن تخاف من الموت.

كانت تخاف من فكرة أخرى.

أنها تركت شخصًا خلفها.

شخصًا أحبها.

شخصًا وعدها أن يجدها.

رفعت رأسها.

"لارك..."

خرج الاسم من فمها وكأنه كان يسكنه منذ سنوات.

ثم تذكرت شيئًا آخر.

"سأذكرك."

وضعت يدها على قلبها.

"أنت وعدتني."

انفتح الباب.

دخلت جانيت.

توقفت فور رؤيتها.

كانت لافينيا على الأرض، ودموعها على وجهها.

قالت جانيت:

"لافينيا؟"

رفعت عينيها إليها.

"أنا متُّ."

لم تجب جانيت.

كانت إجابة صمتها كافية.

نهضت لافينيا ببطء.

"كنتِ تعرفين."

أخفضت جانيت عينيها.

"نعم."

"كنتِ تعرفين أنني مت."

"نعم."

"ولم تخبريني."

"كنت خائفة."

اقتربت لافينيا.

"من ماذا؟"

نظرت جانيت إليها.

"من أن تتذكري."

"لماذا؟"

سكتت.

ثم قالت:

"لأن تذكرك لموتك لن يعيد الماضي فقط."

توقفت.

"سيعيد كل شيء نشأ بعده."

ارتجفت لافينيا.

"هانك؟"

تغير وجه جانيت.

"من أخبرك بهذا الاسم؟"

"لا أحد."

نظرت إلى معصمها.

كانت العلامة الزرقاء لا تزال هناك.

لكن في منتصفها...

كانت نقطة سوداء صغيرة.

قالت:

"أنا تذكرته."

همست جانيت:

"هذا مستحيل."

"إذن أخبريني."

"لافينيا..."

"من هو؟"

أغمضت جانيت عينيها.

ثم قالت:

"هانك لم يولد قبل موتك."

رفعت لافينيا رأسها.

"ماذا؟"

"ظهر بعده."

"كيف؟"

ترددت جانيت.

"لأن لارك..."

توقفت.

"لأن لارك لم يعد كما كان بعدك."

سكتت لافينيا.

ثم سألت:

"ماذا حدث له؟"

لم تجب جانيت.

لكن لافينيا فهمت من نظرتها.

"هانك."

أومأت جانيت ببطء.

"هانك استغل الفراغ الذي تركته داخله."

ارتجفت لافينيا.

لم تعرف لماذا شعرت بالألم.

لكنها شعرت به.

كأن شيئًا في صدرها انكسر.

"إذن هو يؤذي لارك."

قالت جانيت:

"ليس بهذه البساطة."

"ماذا تقصدين؟"

"هانك لا يريد قتله."

"إذن ماذا يريد؟"

نظرت جانيت إلى عينيها.

"أن يصبح هو لارك."

في إيريس...

كان لارك يسير في ممرات القصر.

لم يكن يعرف إلى أين يذهب.

كان القصر هادئًا.

هادئًا أكثر مما ينبغي.

ثم سمع صوت هانك.

«هي تذكرت.»

توقف لارك.

"ماذا؟"

«موتها.»

تجمد.

"كيف تعرف؟"

«لأنني أشعر بها.»

رفع لارك عينيه.

"أنت لا تقترب منها."

«لم أفعل.»

"لا تكذب."

«أنا لا أكذب عليك.»

ثم ضحك.

«ليس بعد.»

شد لارك فكه.

"ابتعد عنها."

«أنت خائف.»

"منك."

«لا.»

سكت هانك.

ثم قال:

«أنت خائف منها.»

رفع لارك رأسه.

"ماذا تقصد؟"

«ماذا لو تذكرت كل شيء؟»

لم يجب.

«ماذا لو تذكرت أنها ماتت بين ذراعيك؟»

صمت.

«ماذا لو تذكرت أنك لم تستطع إنقاذها؟»

أغمض لارك عينيه.

"توقف."

«ماذا لو نظرت إليك الآن... ورأت الوحش الذي أصبحت عليه؟»

فتح عينيه.

"أنا لم أصبح وحشًا."

جاء صوت هانك هادئًا:

«أنا فعلت.»

ثم:

«لكنك سمحت لي.»

تجمد لارك.

كانت هذه الحقيقة التي حاول دفنها سنوات.

لم يجبره هانك يومًا على سماعه.

في البداية...

هو من كان يصغي.

في أول ليلة.

في أول لحظة ضعف.

في أول مرة قال فيها الصوت:

«دعني أحمل ألمك.»

لم يرفض.

لأنه كان متعبًا.

لأنه كان وحيدًا.

ولأنه أراد شيئًا واحدًا فقط.

أن يتوقف الألم.

قال لارك:

"لم أسمح لك أن تصبح هكذا."

«بل سمحت لي أن أبقى.»

ثم جاء صوت هانك أقرب.

«وهذا كان كافيًا.»

في تلك اللحظة...

اهتزت إيريس.

اهتز القصر بأكمله.

تساقط الغبار من السقف.

توقفت الطيور في الخارج.

ثم ظهر صوت يشبه تحطم الزجاج في السماء.

خرج لارك إلى الشرفة.

رفع رأسه.

السماء...

كانت تتشقق.

شق أسود يمتد من طرف الأفق إلى آخر.

وقف عاجزًا عن الكلام.

ثم ظهرت من خلال الشق...

صورة.

مدينة.

مبانٍ.

أضواء.

عالم البشر.

وعينان.

عيني لافينيا.

شهق.

"لافينيا."

في الجهة الأخرى...

كانت لافينيا واقفة أمام النافذة.

رأت السماء تنفتح.

تجمدت.

ثم سمعت صوتًا.

صوتًا تعرفه.

"لافينيا."

وضعت يدها على الزجاج.

"لارك؟"

ظهر وجهه بين الضوء والظلام.

بعيدًا.

لكنه حقيقي.

لم يكن حلمًا.

لم تكن ذكرى.

كان هو.

تسارعت أنفاسها.

"لارك..."

رفع يده.

وضعتها على الجهة الأخرى من الشق.

كانت المسافة بينهما تختفي شيئًا فشيئًا.

حتى التقت أصابعهما.

شهقت لافينيا.

لم يكن هناك حاجز.

شعرت بحرارة يده.

شعر لارك بارتجاف أصابعها.

للحظة...

لم يتحدث أي منهما.

فقط نظرا إلى بعضهما.

ثم قالت لافينيا:

"كنت أعرفك."

ابتسم لارك.

كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.

"وأنا لم أنسك."

ارتجفت شفتاها.

"كنت أبحث عنك."

"وأنا كنت أبحث عنك منذ اللحظة التي فقدتك فيها."

نظرت إليه.

ثم بدأت دموعها تتساقط.

"تذكرت موتي."

تغير وجهه.

"ماذا؟"

"تذكرت كل شيء."

خفض لارك عينيه.

"لافينيا..."

"كنت هناك."

رفع عينيه.

"كنت أمسك يدي."

أومأ.

"كنت خائفة."

"أعرف."

"وعدتني."

ابتسم رغم ألمه.

"وأنا ما زلت أحاول الوفاء بوعدي."

نظرت إليه طويلًا.

ثم قالت:

"كنت تعرف."

تجمد.

"ماذا؟"

"أن شيئًا سيحدث لك."

لم يجب.

"كنت تعرف أن شيئًا سيبقى بعد موتي."

سكت لارك.

ثم جاء صوت من خلفه.

«أخبرتك أنها ستتذكر.»

استدارت لافينيا.

تجمدت.

كان هناك شخص يقف خلف لارك.

رجل طويل.

ملامحه تشبه لارك.

لكنها ليست ملامحه.

عينان حمراوان.

ابتسامة هادئة.

وحضور جعل الهواء نفسه يبدو أثقل.

نظر إليها.

ثم ابتسم.

"مرحبًا، لافينيا."

لم تستطع الكلام.

نظر لارك إليه.

"هانك."

ضحك هانك بخفة.

"كنت أتساءل متى ستتذكرينني."

رفعت لافينيا يدها.

ألم العلامة اشتد.

تحولت النقطة السوداء إلى خط صغير يمتد فوق جلدها.

قالت:

"أنت..."

اقترب هانك من الشق.

"أنا."

"كنت موجودًا عندما متُّ."

هز رأسه.

"لا."

توقفت.

ثم قال:

"كنت موجودًا عندما مات هو."

نظر لارك إليه.

هانك تابع:

"أنتِ متِّ في تلك الليلة."

ثم وضع يده على صدر لارك.

"لكن شيئًا آخر مات معك."

ارتجف لارك.

لافينيا حدقت به.

"ماذا؟"

ابتسم هانك.

"الجزء منه الذي كان يستطيع العيش من دونك."

ساد الصمت.

ثم قال:

"أنا وُلدت من ذلك الجزء."

شهقت لافينيا.

لم تعرف لماذا شعرت بالحزن بدل الخوف.

ربما لأنها فهمت.

هانك لم يكن شيئًا جاء ليأخذ لارك منها.

كان شيئًا نشأ...

لأن لارك لم يستطع احتمال فقدانها.

قالت بصوت مرتجف:

"إذن أنت..."

أجاب:

"أنا الشيء الذي مات معها."

تغير وجه لارك.

"لا تستمعي إليه."

نظر هانك إليه.

"لماذا؟"

ثم ابتسم.

"ألم أقل لك؟"

تقدم خطوة.

"أنا لا أكذب عليها."

رفع لارك يده.

"ابتعد."

لكن هانك لم يتوقف.

نظر إلى لافينيا.

"أنتِ السبب في ولادتي."

اتسعت عيناها.

ثم أضاف:

"ولهذا أنتِ الشيء الوحيد القادر على قتلي."

تجمد لارك.

"هانك."

ابتسم.

"والآن..."

بدأ الشق يهتز.

"لنكتشف ماذا يحدث إذا عادت الروح التي خلقت الفراغ."

صرخت جانيت من خلف لافينيا:

"لافينيا! ابتعدي!"

لكن الوقت كان قد فات.

اندفعت طاقة سوداء من الشق.

صرخ لارك.

حاول الإمساك بيد لافينيا.

"لافينيا!"

تشبثت به.

"لارك!"

لكن العلامة على معصمها اشتعلت.

انتقلت خطوط سوداء من جلدها إلى ذراعها.

صرخت.

أمسك لارك بيدها بكل قوته.

"لا تتركيني!"

قالت وهي تبكي:

"أنا لا أريد أن أتركك!"

تداخلت أصابعهما.

للحظة...

عاد كل شيء كما كان.

الحديقة.

الزهور.

وعدهما.

لكن هانك وقف بينهما.

نظر إلى لافينيا.

ثم قال بهدوء:

"تذكري وعده."

نظرت إليه.

"ماذا؟"

ابتسم.

"قال لك إنه سيجدك."

ثم اقترب من لارك.

"وقد وجدك."

رفع عينيه إليها.

"لكن لم يخبرك..."

توقفت ابتسامته.

"أنني كنت معه طوال الطريق."

انفجر الشق.

صرخ لارك باسمها.

وانفلتت يدها من يده.

"لافينيا!"

اختفى وجهه.

اختفى هانك.

وانغلق العالم.

سقطت لافينيا على الأرض.

وضعت يدها على معصمها.

كانت العلامة السوداء قد اختفت.

لكن شيئًا آخر بقي.

صوت.

هادئ.

قريب.

داخلها.

«الآن بدأنا.»

فتحت عينيها.

لم يكن صوت لارك.

كانت تعرف ذلك.

لقد تذكرت صوته.

وتذكرت وعده.

وتذكرت موتهما القديم.

لكن هذا الصوت...

كان جديدًا.

هانك.

وفي إيريس، كان لارك واقفًا وسط الشقوق المتبقية.

ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه.

قال بصوت خافت:

"لن أُخلف وعدي مرة أخرى."

جاء صوت هانك من داخله.

«بل قد تفعل...»

توقف لحظة.

ثم قال:

«لافينيا هي التي ستأخذني منك.»

رفع لارك عينيه نحو السماء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة.

لم تكن ابتسامة فرح...

بل ابتسامة رجلٍ وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه.

وقال:

"إذن... فلنتركها تختار."

ساد الصمت.

ولأول مرة منذ ولادته...

شعر هانك بالخوف.

لأن لافينيا لم تعد مجرد ذكرى.

لقد عادت.

والشيء الذي وُلد من موتها...

بدأ يخشى عودتها أكثر مما يخشى أي شيء آخر.