الفصل 4

الوجه الذي لا يعرفه لارك

2,342 كلمة · 12 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

الفصل الرابع — الوجه الذي لا يعرفه لارك

وفي أعماق لارك...

فتح هانك عينيه.

لم تكن هناك غرفة.

ولا جدران.

ولا سماء.

كان هناك ظلام فقط.

ظلام واسع، ساكن، لا نهاية له، كأن العالم كله اختفى ولم يبقَ منه سوى نقطة واحدة معلقة في الفراغ.

ثم ظهرت عينان.

حمراوان.

هادئتان.

تحدقان في شيء لا يستطيع أحد رؤيته.

ابتسم هانك.

كانت ابتسامته صغيرة، بالكاد تُرى، لكنها حملت شيئًا لم يكن في ابتسامة لارك قط.

ثقة.

وصبرًا.

ومتعة غريبة.

ثم أغلق عينيه من جديد.

وكأن ظهوره لم يكن سوى لحظة عابرة.

أما لارك...

فكان واقفًا أمام البلورة.

يده لا تزال ممدودة نحو الضوء الأزرق الذي ارتجف داخلها بعد أن سمع صوت لافينيا.

لم يكن قادرًا على الحركة.

كل السنوات التي قضاها ينتظر.

كل الليالي التي جلس فيها أمام نافذتها المغلقة.

كل المرات التي قال فيها لنفسه إنها ستعود.

كل مرة سخر فيها قلبه من عقله لأنه ما زال يؤمن بوعد قطعه قبل سنوات...

كل ذلك اختصرته تلك الكلمة.

"لارك."

قالتها هي.

كانت هي.

لم يكن هناك شك.

تراجع لارك خطوة.

ثم وضع يده على صدره.

كان قلبه يخفق بقوة حتى شعر أن أضلاعه تضيق حوله.

دخلت فيونا الغرفة مسرعة، وشعرها الداكن تحرك خلفها وهي تكاد تتعثر من سرعة خطواتها.

"لارك!"

لم يجب.

اقتربت منه.

"هل سمعتها؟"

ظل ينظر إلى البلورة.

"نعم."

خرجت الكلمة من فمه ضعيفة.

وضعت فيونا يدها على فمها.

امتلأت عيناها بالدموع.

"إنها حية..."

أومأ لارك ببطء.

ثم همس:

"إنها حية."

ابتسمت فيونا وسط دموعها.

لكن ابتسامتها لم تستمر طويلًا.

لاحظت شيئًا في وجه أخيها.

كان هناك خوف.

لم يكن خوفًا من أن تكون لافينيا ميتة.

بل خوفًا من شيء آخر.

اقتربت منه أكثر.

"ماذا بك؟"

لم يجب.

"لارك."

رفع عينيه إليها.

وللحظة، شعرت فيونا أنها لا تعرف الرجل الذي يقف أمامها.

كان هناك شيء غريب في عينيه.

شيء لم يكن موجودًا قبل دقائق.

شيء أعمق من الحزن.

وأكثر ظلمة.

قالت:

"ماذا حدث؟"

خفض لارك نظره.

"لا شيء."

لكن أصابعه كانت ترتجف.

ولم يكن سبب ارتجافها هو البلورة.

بل الصوت الذي عاد إلى أعماقه.

هادئًا.

ساخرًا.

«كاذب.»

تجمد لارك.

أغلق يده بقوة.

"اصمت."

رفعت فيونا حاجبيها.

"ماذا قلت؟"

نظر إليها بسرعة.

"لم أقل شيئًا."

حدقت فيه.

لكنه أدار وجهه نحو النافذة.

وفي أعماقه...

ضحك هانك.

ضحكة خافتة.

لم تكن مسموعة.

لكنها كانت واضحة.

«أنت لا تريدها أن تعرف بوجودي.»

شد لارك فكه.

"لا شأن لك بها."

«بل لها شأن بي.»

"لن تقترب منها."

«أنا لا أريد الاقتراب منها.»

سكت هانك لحظة.

ثم قال:

«أريد أن أساعدك.»

أغمض لارك عينيه.

لم يكن يريد سماع المزيد.

لكن الصوت استمر.

«بعد كل هذه السنوات... ألم تتعب؟»

لم يرد.

«ألم تتعب من الانتظار؟»

فتح لارك عينيه.

نظر إلى انعكاسه في الزجاج.

رجل بملامح حادة.

عينان أنهكهما الحزن.

وجه لم يعد يعرف كيف يبتسم.

قال هانك:

«وجدتها.»

صمت.

«والآن ماذا ستفعل؟»

أجاب لارك بصوت منخفض:

"سأذهب إليها."

توقف الصوت.

ثم جاء رد هانك:

«لا.»

استدار لارك فجأة.

"ماذا قلت؟"

كانت فيونا لا تزال واقفة أمامه، تحدق فيه باستغراب.

أما هانك...

فقال:

«قلت لا.»

"لن تمنعني."

«أنا لا أمنعك.»

"إذن ماذا تريد؟"

ابتسم هانك.

«أن تعرف لماذا عادت.»

سكت لارك.

كانت الجملة بسيطة.

لكنها استقرت في رأسه كحجر ثقيل.

قال:

"لأنها لافينيا."

«وهل أنت متأكد؟»

تغيرت ملامحه.

"ماذا تقصد؟"

«أنت سمعت صوتها.»

"نعم."

«لكن هل رأيتها؟»

صمت.

«هل تعرف إن كانت تتذكرك؟»

لم يجب.

«هل تعرف إن كانت لا تزال تحبك؟»

انقبض قلبه.

"هي لافينيا."

«لم تجبني.»

رفع لارك رأسه.

"ستتذكر."

«وإذا لم تفعل؟»

"سأجعلها تتذكر."

«كيف؟»

تردد.

ثم قال:

"لا أعرف."

ابتسم هانك.

«أنا أعرف.»

توقف لارك.

"ماذا قلت؟"

«قلت إنني أعرف.»

لم يجب لارك.

كان جزء منه يريد أن يرفض.

أن يطرد هذا الصوت من رأسه.

أن يتظاهر بأنه لم يسمعه.

لكن جزءًا آخر...

ذلك الجزء الذي عاش سنوات وهو يكرر اسم لافينيا في الظلام...

أراد أن يعرف.

قال هانك:

«أستطيع مساعدتك.»

أغمض لارك عينيه.

ثم فتحهما.

"لا أحتاج مساعدتك."

«بل تحتاج.»

"لن أسمح لك بالتحكم بي."

جاء صوت هانك هادئًا.

«ومن قال إنني أريد التحكم بك؟»

ساد الصمت.

ثم أضاف:

«أنا فقط أريد ما تريده أنت.»

ارتعشت نظرة لارك.

وللمرة الأولى...

لم يجد ردًا.

في الجهة الأخرى من العالم...

كانت لافينيا لا تزال جالسة أمام البحيرة.

الريشة السوداء بين أصابعها.

كانت خفيفة جدًا.

لكنها شعرت وكأنها تحمل وزنًا لا تستطيع تفسيره.

حدقت فيها.

ثم رفعت عينيها نحو الخيمة.

كانت جانيت قد عادت إلى الداخل.

لكن لافينيا لم تتحرك.

كان هناك شيء في داخلها يرفض أن يترك الموضوع يمر.

جانيت كانت تعرف.

لم تعد مجرد فكرة.

لقد أصبحت حقيقة.

شيء ما في نظراتها.

في ترددها.

في الكلمات التي تختارها.

كل شيء كان يقول إنها تخفي عنها شيئًا.

وضعت لافينيا الريشة على الأرض.

ثم وقفت.

اتجهت نحو الخيمة.

فتحت السحاب.

كانت جانيت جالسة في الداخل، وظهرها إلى الحائط.

رفعت عينيها فور دخول لافينيا.

"لم تنامي."

قالتها لافينيا.

لم تجب جانيت.

"وأنتِ كنتِ مستيقظة عندما رأيت الحلم."

خفضت جانيت عينيها.

"لافينيا..."

"لا."

جلست أمامها.

"هذه المرة لن أتركك تهربين."

تنفست جانيت ببطء.

كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي.

لكنها لم تعرف أنها ستؤلمها بهذا الشكل.

قالت:

"ماذا تريدين أن تعرفي؟"

"كل شيء."

رفعت جانيت عينيها إليها.

"لا أستطيع."

"لماذا؟"

"لأنني لا أعرف ماذا سيحدث إذا تذكرتِ."

ضحكت لافينيا ضحكة قصيرة خالية من المرح.

"وأنتِ من يقرر؟"

"لا."

"إذن من؟"

سكتت جانيت.

اقتربت لافينيا منها.

"من هو لارك؟"

ارتجفت شفتا جانيت.

لم تجب.

"من هو؟"

همست جانيت:

"شخص أحبك."

تجمدت لافينيا.

لم يكن هذا هو الجواب الذي توقّعته.

"في الحلم؟"

هزت جانيت رأسها.

"لا."

تسارعت أنفاس لافينيا.

"إذن في حياتي؟"

رفعت جانيت عينيها إليها.

"في حياة لا تتذكرينها."

ساد الصمت.

لم تسمع لافينيا شيئًا سوى دقات قلبها.

قالت:

"كنتِ تعرفين."

"نعم."

"منذ متى؟"

ترددت جانيت.

"منذ قبل أن نلتقي."

شعرت لافينيا ببرودة تسري في جسدها.

"كيف؟"

"لا أستطيع أن أشرح."

"هل أنتِ من عالم آخر؟"

لم تجب جانيت.

"جانيت."

سكتت.

"هل أنتِ إنسانة؟"

نظرت إليها جانيت طويلًا.

ثم قالت:

"أنا الشخص الذي كان من المفترض أن يحميك."

شعرت لافينيا بأنفاسها تضيق.

"من ماذا؟"

لكن جانيت لم تجب.

لأن شيئًا تحرك خارج الخيمة.

توقفتا معًا.

نظرَت جانيت نحو الباب.

ثم نهضت بسرعة.

"ابقَي هنا."

"ماذا؟"

خرجت جانيت.

وقفت لافينيا مكانها لثوانٍ.

ثم تبعتها.

كان المخيم هادئًا.

النار انطفأت.

الأشجار تتحرك ببطء.

لكن لم يكن هناك أحد.

التفتت لافينيا إلى جانيت.

"ماذا كان ذلك؟"

هزت رأسها.

"لا شيء."

لكنها كانت تكذب.

كانت قد رأت الريشة.

الريشة السوداء.

كانت لا تزال على الأرض.

اقتربت منها.

انحنت.

لكن قبل أن تلمسها، اختفت.

نظرت جانيت إلى المكان الفارغ.

ثم رفعت عينيها نحو الغابة.

كان الخوف واضحًا في وجهها.

ولأول مرة...

رأت لافينيا ذلك الخوف.

"أنتِ تعرفين من فعلها."

لم تجب جانيت.

"جانيت."

قالت أخيرًا:

"ليس هو."

"من؟"

سكتت.

ثم قالت:

"الشخص الذي يجب أن تخافي منه... ليس لارك."

ارتجف قلب لافينيا.

"إذن من؟"

رفعت جانيت عينيها إليها.

لكنها لم تقل الاسم.

في إيريس...

كانت فيونا تقلب صفحات المخطوطات القديمة.

وضعت عشرات الكتب حولها.

بعضها كان مغبرًا، وبعض صفحاتها متآكلة من الزمن.

كانت أصابعها ترتجف وهي تقرأ.

ثم توقفت.

وجدت سطرًا.

حدقت فيه طويلًا.

ثم أعادت قراءته.

مرة.

مرتين.

ثلاثًا.

"لا..."

قلبت الصفحة بسرعة.

ثم عادت إليها.

كان مكتوبًا:

حين تعبر روح من عالم إلى آخر...

لا تعبر وحدها.

تجمدت.

تابعت القراءة.

شيء من العالم القديم يبقى مرتبطًا بها.

شيء لا يموت.

شيء لا يعود كما كان.

وضعت يدها على فمها.

"هذا مستحيل."

بحثت بين الصفحات.

وجدت رسمًا قديمًا.

دائرة سوداء تحيط بشخص.

وفي داخلها ظل آخر.

تحت الرسم كلمة واحدة.

هانك.

تراجعت فيونا.

سقط الكتاب من يدها.

"لا..."

التقطته.

بدأت تقلب الصفحات بجنون.

ثم وجدت عبارة أخرى.

الظل لا يولد مع الإنسان.

بل يولد عندما يفقد الإنسان الشيء الذي لا يستطيع العيش بدونه.

اتسعت عيناها.

وضعت يدها على صدرها.

"لارك..."

أغلقت الكتاب.

ثم خرجت من الغرفة بسرعة.

كانت تبحث عنه.

لكنها توقفت عندما رأته في نهاية الممر.

كان واقفًا وحده.

ينظر من النافذة.

"لارك."

التفت إليها.

"ماذا؟"

اقتربت.

كان الكتاب بين يديها.

"وجدت شيئًا."

نظر إلى الكتاب.

"عن ماذا؟"

ترددت.

ثم قالت:

"عن اللعنة."

تغيرت ملامحه.

"تكلمي."

فتحت الكتاب.

"هناك شيء ظهر بعد عبور لافينيا."

سكتت.

"شيء لم يكن موجودًا من قبل."

نظر إليها.

"ما هو؟"

رفعت عينيها إليه.

"هانك."

تجمد لارك.

لثوانٍ...

لم يتحرك.

ثم سأل:

"كيف تعرفين هذا الاسم؟"

"وجدته هنا."

فتحت الصفحة.

لكن لارك لم ينظر إليها.

كان وجهه شاحبًا.

قالت فيونا:

"لارك؟"

أغمض عينيه.

ثم سمع الصوت.

«أخبرتك أنها ستعرف.»

فتح عينيه.

همس:

"اصمت."

توقفت فيونا.

"ماذا؟"

نظر إليها.

"لا شيء."

حدقت فيه.

"أنت تسمعه."

صمت.

تغير وجهها.

"لارك..."

لكن الصوت جاء من جديد.

«دعها تعرف.»

قبض لارك يده.

"قلت اصمت!"

اهتز الممر بصدى صوته.

تراجعت فيونا خطوة.

"أنا لم أقل شيئًا."

تنفس لارك ببطء.

أدرك خطأه.

"آسف."

لكن فيونا لم تكن تنظر إليه.

كانت تنظر إلى عينيه.

ثم قالت:

"إنه بداخلك."

رفع لارك رأسه.

لم يجب.

اقتربت منه.

"منذ متى؟"

صمت.

"منذ متى يا لارك؟"

قال أخيرًا:

"منذ سمعتها."

تجمدت فيونا.

"ومن هو؟"

نظر إليها.

ثم قال:

"لا أعرف."

ضحك هانك في أعماقه.

«كاذب.»

لكن هذه المرة...

لم يصححه لارك.

في تلك الليلة، لم يستطع لارك النوم.

جلس على حافة السرير.

الغرفة مظلمة.

فقط ضوء القمر يسقط على الأرض من خلال النافذة.

كان يفكر في لافينيا.

كيف أصبحت؟

هل تغير شعرها؟

هل ما زالت تضحك بالطريقة نفسها؟

هل ما زالت تحب القهوة الحلوة؟

هل لا تزال تكره الاستيقاظ مبكرًا؟

أسئلة صغيرة.

سخيفة.

لكنها كانت كل ما يملكه.

أغمض عينيه.

فجاء الصوت.

«ماذا لو لم تعد تحبك؟»

فتح عينيه.

"ستتذكر."

«وماذا لو تذكرت كل شيء... ثم كرهتك؟»

لم يجب.

«أنت السبب في أنها ماتت أول مرة.»

ارتجف جسده.

"أنا لم أقتلها."

«لكنك لم تستطع حمايتها.»

صمت.

"كنت أحاول."

«لكنها اختفت.»

لارك خفض رأسه.

كان هانك يعرف أين يضع كلماته.

كل كلمة كانت تدخل إلى الجرح نفسه.

ولا تخرج.

«أنت لا تخاف من فقدانها.»

صمت.

«أنت تخاف أن تعود... ولا تختارك.»

رفع لارك عينيه.

"اصمت."

«لماذا؟ لأنني مخطئ؟»

لارك لم يجب.

اقترب الصوت أكثر.

«أنت تعرف أنني لست مخطئًا.»

ثم قال:

«دعني أساعدك.»

سأل لارك:

"كيف؟"

جاءت الإجابة بهدوء.

«اجعلها تتذكر.»

"كيف؟"

«اترك الأمر لي.»

تجمد لارك.

"لا."

ضحك هانك.

«كنت أعرف أنك ستقول ذلك.»

ثم أضاف:

«لأنك لا تريد إجبارها.»

صمت.

«لكنني لم أقل إنني سأجبرها.»

فتح لارك عينيه.

"إذن ماذا ستفعل؟"

«سأريها الحقيقة.»

"أي حقيقة؟"

«الحقيقة التي تخاف أنت أن تراها.»

شعر لارك ببرودة في أطرافه.

ثم قال:

"لن تقترب منها."

«لن أفعل.»

"أعدني."

ضحك هانك.

«أنا لا أعد أحدًا بشيء.»

شد لارك قبضته.

ثم جاء صوت أكثر هدوءًا:

«لكنني لن أؤذيها.»

سكت لارك.

لسبب لم يفهمه...

صدق جزءًا من كلامه.

وهذه كانت أول غلطة.

في عالم البشر...

كانت لافينيا نائمة.

أو هكذا ظنت.

فتحت عينيها.

كانت في الحديقة نفسها.

الزهور الفضية.

السماء المليئة بالنجوم.

والقصر الأبيض بعيدًا عنها.

لكن هذه المرة...

لم يكن لارك هناك.

نادت:

"لارك؟"

لم يجب أحد.

مشت بين الأشجار.

"لارك!"

صوت خطوات جاء من خلفها.

استدارت.

رأت رجلًا.

طويلًا.

يرتدي الأسود.

لم يكن لارك.

توقفت.

"من أنت؟"

لم يجب فورًا.

كان وجهه غارقًا في الظلال.

ثم قال:

"كنت أتساءل متى ستصلين إليّ."

تراجعت خطوة.

"ماذا؟"

اقترب.

"لقد بحثتِ طويلًا."

"أنا لا أعرفك."

ابتسم.

"أعرف."

"إذن ابتعد."

توقف.

ثم رفع وجهه نحو ضوء القمر.

لم تستطع رؤية ملامحه بالكامل.

لكن عينيه...

كانتا واضحتين.

باردتين.

ومليئتين بشيء يشبه الفضول.

قال:

"دائمًا لارك."

تجمدت.

"ماذا قلت؟"

ضحك بخفة.

"كلما رأيتك... تنادينه."

تراجعت أكثر.

"من أنت؟"

"هل تريدين الحقيقة؟"

أومأت رغم خوفها.

اقترب.

"أنتِ لا تبحثين عنه لأنك تتذكرينه."

صمت.

ثم قال:

"أنت تبحثين عنه لأن شيئًا في داخلك يخاف أن يجده قبلك."

تسارعت أنفاسها.

"لا أفهم."

"ستفهمين."

"أين هو؟"

ابتسم.

"بعيد."

"هل يعرف أنني هنا؟"

"يعرف."

شهقت.

"كيف؟"

اقترب أكثر.

لكنها لم تتراجع هذه المرة.

"من أنت؟"

قال:

"الشخص الذي كان موجودًا قبل أن تتذكريه."

ثم رفع يده.

ظهرت في كفه علامة سوداء.

نظرت إليها لافينيا.

وفجأة شعرت بألم في معصمها.

صرخت.

ظهرت العلامة الزرقاء على جلدها.

لكنها بدأت تتحول.

من الأزرق...

إلى الأسود.

رفعت رأسها بسرعة.

"ماذا تفعل؟!"

ابتسم.

"لا شيء."

ثم قال:

"بعد."

اقترب حتى أصبح وجهه واضحًا.

لكن قبل أن تستطيع رؤية ملامحه كاملة...

استيقظت.

جلست لافينيا في سريرها وهي تلهث.

وضعت يدها على معصمها.

كانت العلامة موجودة.

هذه المرة لم تختفِ.

كانت زرقاء.

لكن في منتصفها...

نقطة سوداء صغيرة.

حدقت فيها.

ثم قالت بصوت مرتجف:

"من أنت؟"

لم يجبها أحد.

لكن صوتًا خافتًا جاء من مكان بعيد في داخلها.

هانك.

تجمدت.

لم تعرف إن كانت سمعت الاسم...

أم تذكرته.

في صباح اليوم التالي، كانت جانيت تنتظرها أمام الجامعة.

ما إن رأتها حتى عرفت أن شيئًا حدث.

"ماذا بك؟"

لم تجب لافينيا.

وقفت أمامها.

"أريد الحقيقة."

تغير وجه جانيت.

"عن ماذا؟"

"عن هانك."

سقط الصمت.

اختفت كل الألوان من وجه جانيت.

لم تتحرك.

لم تتنفس.

ثم قالت:

"من أخبرك بهذا الاسم؟"

"إذن أنت تعرفينه."

أغمضت جانيت عينيها.

"لافينيا..."

"لا."

تراجعت خطوة.

"هذه المرة لن تقولي لي إن الوقت لم يحن."

فتحت جانيت عينيها.

كانت الدموع تتجمع فيهما.

"لأنني لا أعرف إن كان الوقت سيأتي أصلًا."

"ماذا يعني هذا؟"

اقتربت جانيت.

"اسمعيني جيدًا."

وضعت يديها على كتفيها.

"إذا ظهر لكِ رجل في أحلامك..."

توقفت.

"لا تثقي به."

ارتجفت لافينيا.

"هانك؟"

أومأت جانيت ببطء.

ثم قالت:

"لا تسمحي له أن يجعلك تصدقين أنك تعرفينه."

"لكنني لا أعرفه."

"وهذا بالضبط ما يريده."

ابتعدت لافينيا عنها.

"من هو؟"

خفضت جانيت رأسها.

"شيء وُلد من اللعنة."

"أي لعنة؟"

رفعت جانيت عينيها.

"لعنتك."

شعرت لافينيا بأن العالم توقف.

"لعنتي؟"

لكن جانيت لم تكمل.

لأن صوتًا جاء من خلفهما.

"لافينيا."

استدارت.

كان آدم يقف هناك.

"أنتِ بخير؟"

حاولت أن تتماسك.

"نعم."

نظر إلى جانيت.

ثم إليها.

"كنتِ شاحبة جدًا."

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

"لم أنم جيدًا."

قال آدم:

"واضح."

ثم نظر إلى جانيت.

"هل أنتم بخير؟"

أومأت جانيت.

"نعم."

لكنها لم تكن بخير.

ولا لافينيا.

ولا لارك.

ولا العالم الذي بدأ يتشقق بينهما.

في إيريس...

كان لارك يقف أمام المرآة.

نظر إلى انعكاسه.

ثم ابتسم.

لكن انعكاسه...

ابتسم قبله.

تجمد.

تراجعت ابتسامته.

أما الانعكاس...

فبقي مبتسمًا.

تغير وجه لارك.

"هانك."

لم يتحرك الانعكاس.

ثم جاء الصوت:

«لن تعرف أنها قابلتني.»

لارك حدق في المرآة.

"ماذا فعلت؟"

ابتسم هانك من خلال انعكاسه.

«لا شيء.»

توقفت عيناه لحظة.

ثم قال:

«بعد.»

وانطفأ الضوء في الغرفة.

أما في عالم البشر...

فكانت لافينيا تسير بين طلاب الجامعة.

الناس حولها يضحكون.

يتحدثون.

يتحركون.

الحياة مستمرة.

لكنها لم تعد تشعر أنها تنتمي إليها بالكامل.

رفعت يدها.

نظرت إلى العلامة.

ثم شعرت فجأة بشيء.

دفء.

في صدرها.

ابتسمت دون أن تعرف لماذا.

ثم جاء صوت لارك في أعماقها.

هادئًا.

بعيدًا.

"سأجدك."

وضعت يدها على قلبها.

وأغمضت عينيها.

لكن في مكان أعمق...

جاء صوت آخر.

أهدأ.

وأقرب.

وأكثر خطورة.

«وأنا... وجدتك قبله.»

فتحت عينيها.

لم تعرف أي الصوتين كان صوتها.

ولم تعرف...

أيّهما كانت تنتظر.

وفي مكان بعيد فوق السحب...

تحركت جزيرتان من إيريس نحو بعضهما.

وبين العالمين...

بدأت أول شقوق الأبدية تظهر.