الفصل الثاني — حين بدأت الذاكرة بالاستيقاظ
لم تعد إيريس كما كانت.
منذ اختفاء لافينيا، بدا وكأن شيئًا خفيًا انكسر في قلب المملكة.
لم يعرف أهل إيريس ما حدث في تلك الليلة كاملة، لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا؛ ملكتهم اختفت.
ولم تعد.
في الأيام الأولى، ظل الناس ينتظرون ظهورها من جديد.
كانت الأبواب تُفتح كل صباح على أمل أن تدخل لافينيا وهي تبتسم كعادتها، وكان الأطفال يتركون لها الزهور أمام القصر، والنساء يرفعن أعينهن نحو الشرفة التي كانت تقف فيها كل مساء.
لكن الشرفة بقيت فارغة.
ومع مرور الأيام، بدأت المملكة تتغير.
الورود الفضية لم تعد تتفتح كما كانت.
البلورات الزرقاء في الأنهار خفت ضوؤها.
حتى الجزر المعلقة فوق السحاب بدأت تهتز أحيانًا، وكأن السماء نفسها فقدت شيئًا من توازنها.
أما لارك...
فلم يسمح لأحد أن يقول إنها ماتت.
كلما حاول أحدهم استخدام تلك الكلمة أمامه، كان يوقفه بنظرة واحدة.
"الملكة لم تمت."
كان يقولها وكأنه يصدقها.
أو كأنه يجبر العالم كله على تصديقها معه.
مرت السنوات.
وتغير لارك.
اختفت ضحكته.
لم يعد يخرج إلى الساحات لمجرد أن يشتري الحلوى من عربة لافينيا المفضلة، ولم يعد يسمح للموسيقيين بعزف الأغنية التي كانت تحبها.
وفي أعلى القصر، بقيت غرفة واحدة مغلقة.
غرفة لافينيا.
كان يدخلها وحده.
وفي كل مرة، كان يفتح النافذة ويجلس على المقعد الذي اعتادت أن تجلس عليه.
ينظر إلى الحديقة.
إلى الزهور التي لم تعد تتفتح.
ثم يقول بصوت منخفض:
"أنا لم أنسك."
وفي مكان بعيد...
بعيد جدًا عن إيريس، خلف عالم لا يعرف شيئًا عن السحر أو الممالك الطائرة...
كانت الشمس تشرق فوق مدينة بشرية.
لم تكن هناك أبراج من البلور، ولا أنهار مضيئة، ولا جزر معلقة في السماء.
كانت هناك مبانٍ إسمنتية، شوارع مزدحمة، سيارات تتسابق في الصباح، أصوات أبواق، رائحة خبز ساخن تتسلل من المخابز، ومقهى صغير في زاوية الشارع يزدحم بالطلاب كل يوم.
وفي الطابق الثالث من أحد المباني السكنية، رن المنبه للمرة الرابعة.
امتدت يد من تحت الغطاء وأغلقته.
ساد الصمت.
ثم فُتح الباب.
"لافينيا."
لم تتحرك.
"لافينيا."
دفنت وجهها في الوسادة.
"خمس دقائق."
جاء صوت أمها من خلف الباب:
"قلتِها قبل عشر دقائق."
"إذن... خمس دقائق إضافية."
فتحت أمها الباب.
"إذا لم تنهضي الآن، سأرسل أباك."
خرج صوت مذعور من تحت الغطاء:
"لا!"
ضحكت أمها.
"إذن انهضي."
جلست الفتاة بتثاقل.
كان شعرها الأشقر الطويل مبعثرًا حول وجهها، وخصلاته نزلت على كتفيها وهي تحاول فتح عينيها.
نظرت إلى الساعة.
ثم شهقت.
"يا إلهي!"
قفزت من السرير.
وفي أقل من عشر دقائق كانت تركض بين غرفتها والمطبخ وهي تحاول ارتداء حذائها وتصفيف شعرها في الوقت نفسه.
جلس والدها على الطاولة يراقبها وهو يحتسي قهوته.
"صباح الخير."
"لا تتكلم معي."
رفع حاجبه.
"حسنًا."
وضعت حقيبتها على الكرسي.
"لماذا لم توقظني؟"
نظر إلى زوجته.
"أنا؟"
قالت أمها وهي تضع طبق الإفطار أمامها:
"أنا حاولت."
"متى؟"
"منذ نصف ساعة."
أخذت لافينيا قطعة خبز.
"إذن المشكلة في المنبه."
قال والدها بجدية:
"سأشتري لكِ واحدًا جديدًا."
"شكرًا."
"هذا القديم يبدو أنه استسلم."
ضحكت رغماً عنها.
كانت حياتها بسيطة.
عادية.
من النوع الذي لا يظن صاحبه أن شيئًا يمكن أن يتغير فيه فجأة.
كانت تعيش مع والديها منذ ولادتها.
تحب القهوة الحلوة أكثر مما ينبغي، وتكره الاستيقاظ مبكرًا، وتنسى أحيانًا أين وضعت هاتفها ثم تكتشف أنه في يدها.
كانت أمها تقول إنها كثيرة الشرود.
وكان والدها يقول إن شرودها سيجعلها يومًا تصطدم بعمود وهي تمشي.
ولم تكن تعرف أن والدها كان على وشك أن يكون مخطئًا في شيء واحد فقط.
لأنها لم تكن شاردة.
كانت تتذكر.
أشياء لم تعشها.
في طريقها إلى الجامعة، توقفت أمام محل زهور.
لم تعرف لماذا.
كانت قد مرت من هنا مئات المرات.
لكن في ذلك الصباح تحديدًا، جذبها شيء خلف الزجاج.
زهرة بيضاء.
رفعت يدها ولمست الزجاج.
وفجأة...
شعرت بدفء غريب في صدرها.
حدقت في الزهرة.
للحظة، لم ترَ المحل.
رأت حديقة.
زهورًا فضية.
ورجلًا يقف تحت ضوء القمر.
ثم اختفت الصورة.
سحبت يدها بسرعة.
"لافينيا!"
التفتت.
كانت جانيت تلوح لها من الجهة الأخرى من الشارع.
"ماذا تفعلين؟"
"لا شيء."
ركضت نحوها.
نظرت جانيت إلى محل الزهور ثم إليها.
"كنتِ تكلمين الوردة؟"
"لا."
"واضح."
"جانيت."
"حسنًا، لن أقول شيئًا."
سارتا معًا نحو الجامعة.
كانت جانيت صديقتها المقربة منذ سنوات، الوحيدة التي تستطيع معرفة أن لافينيا منزعجة حتى عندما تقول إنها بخير.
كانت تتحدث كثيرًا، تضحك أكثر مما ينبغي، وتملك قدرة غريبة على تحويل أكثر المواقف سوءًا إلى شيء مضحك.
"بالمناسبة."
"همم؟"
"حلمتِ به؟"
توقفت لافينيا عن المشي للحظة.
"من؟"
نظرت إليها جانيت.
"الرجل."
لم تجب.
ابتسمت جانيت.
"عرفت."
"لا أعرف لماذا تسألين دائمًا."
"لأنكِ تتحدثين عنه وأنتِ نائمة."
التفتت إليها بسرعة.
"ماذا؟!"
"كنتِ تقولين اسمه."
"أي اسم؟"
ترددت جانيت.
ثم قالت:
"لارك."
شعرت لافينيا بقلبها يتوقف لحظة.
لم تعرف لماذا.
ذلك الاسم...
كان مألوفًا بطريقة مؤلمة.
"هل قلتُ شيئًا آخر؟"
هزت جانيت رأسها.
"فقط كنتِ تبكين."
خفضت لافينيا عينيها.
"أنا لا أعرف من هو."
"يمكن يكون شخصية من حلم."
"لكنني أشعر أنني أعرفه."
"هل رأيتِ وجهه؟"
"لا."
"غريب."
"ليس هذا أغرب شيء."
"ما هو؟"
رفعت لافينيا عينيها إليها.
"كلما حلمت به، أشعر أنني اشتقت إليه."
ساد الصمت بينهما.
ثم قالت جانيت بهدوء:
"يمكن بعض الأحلام تكون أصدق من اللازم."
ابتسمت لافينيا ابتسامة صغيرة.
"أنتِ تخيفينني."
"أنا؟ مستحيل."
ضحكتا معًا.
وعادت الحياة إلى طبيعتها.
محاضرات.
واجبات.
ضحكات مع الأصدقاء.
قهوة في المقهى الصغير القريب من الجامعة.
جلس آدم أمامهما وهو يحدق في أوراقه.
"أنا مقتنع أن الدكتور لن يختبرنا غدًا."
قالت جانيت:
"قلت هذا قبل الاختبار الماضي."
"وهذه المرة لدي إحساس."
قالت لافينيا:
"إحساسك دائمًا يقودنا إلى الكارثة."
رفع رأسه.
"أنتِ لا تؤمنين بي."
"أؤمن أنك تستطيع أن ترسب وحدك."
انفجرت جانيت بالضحك.
ابتسم آدم.
"قاسية."
"واقعية."
كانت تضحك معهم، وتشعر بالراحة.
هذه الحياة كانت حياتها.
أصدقاؤها يعرفونها.
والداها ينتظرانها في المنزل.
وجانيت تعرف أسرارها.
كل شيء كان في مكانه.
إلا ذلك الشعور...
الشعور بأن جزءًا منها يعيش في مكان آخر.
في المساء، عادت إلى المنزل متأخرة.
كانت أمها في المطبخ.
"تعالي، العشاء جاهز."
"أبي؟"
"في الصالة."
وجدته يحاول إصلاح رف مائل.
توقفت عند الباب.
"أبي."
"نعم؟"
"أنت تصلحه منذ أسبوع."
"أحتاج وقتًا."
ضحكت.
"أنت قلت هذا أمس."
"الأشياء العظيمة تحتاج صبرًا."
قالت أمها من المطبخ:
"لا تصدقيه. هو كسره اليوم."
التفت إليها.
"خيانة."
ضحكت لافينيا.
جلست معهم.
كان الحديث بسيطًا.
عن الجامعة.
عن الجيران.
عن موعد زيارة جدتها في نهاية الأسبوع.
ثم سألها والدها:
"هل أنتِ بخير؟"
توقفت.
"نعم."
"متأكدة؟"
"لماذا؟"
"لأنك شاردة."
ابتسمت.
"مجرد تعب."
لم تقل لهم عن الأحلام.
لم تقل لهم عن الرجل.
ولا عن الزهرة.
ولا عن ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يكبر بداخلها.
بعد العشاء، دخلت غرفتها.
فتحت درج مكتبها.
أخرجت دفترًا قديمًا.
كانت فيه رسومات طفولتها.
قلبت الصفحات.
بيوت.
أشجار.
عائلتها.
ثم توقفت.
كانت هناك رسمة مختلفة.
قصر أبيض ضخم.
حدائق واسعة.
سماء مليئة بالنجوم.
وفي الأعلى...
جزر تطير.
ظلت تحدق فيها.
كانت قد رسمتها عندما كانت في السادسة.
لم تعرف لماذا رسمت هذا المكان.
لم تزره.
لم ترَ صورًا له.
ومع ذلك...
كانت تعرف كل تفاصيله.
عرفت أين تقع الحديقة.
عرفت شكل الشرفة.
حتى أنها رسمت نافذة طويلة في أعلى البرج.
وضعت إصبعها عليها.
وفجأة...
جاءها صوت في ذاكرتها.
ضحكة رجل.
"لافينيا."
شهقت وأغلقت الدفتر.
في الجهة الأخرى من العالم...
كانت فيونا تقلب صفحات كتاب قديم.
وضعت أمامها عشرات المخطوطات.
كلها تتحدث عن السحر والروح والانتقال بين العوالم.
لم تكن تبحث عن طريقة لإيذاء أحد.
كانت تبحث عن طريقة لإصلاح ما فعلته.
دخل لارك.
رفع عينيه إليها.
"هل وجدتِ شيئًا؟"
هزت رأسها.
"ليس بعد."
اقترب.
"كم سنة مرّت؟"
صمتت.
"أعرف."
"لا."
نظر إليها.
"أنتِ لا تعرفين."
خفضت عينيها.
"أعرف أنني أخطأت."
"خطؤك أخذها مني."
ارتجف صوتها.
"أعرف."
"لا أريد اعتذارًا."
"أنا لا أعتذر."
رفع حاجبه.
"إذن؟"
نظرت إلى الكتب.
"أحاول أن أعيدها."
سكت.
ثم قالت:
"لن أطلب منك أن تسامحني."
وضعت يدها على إحدى الصفحات.
"لكن اسمح لي أن أصلح ما أستطيع."
لم يجب.
غادر.
بقيت فيونا وحدها.
أغلقت عينيها.
وللمرة الأولى منذ سنوات، عادت إليها ذكرى قديمة.
كانت هي ولارك طفلين.
كانا يركضان في حدائق إيريس.
لارك يحمل تاجًا صغيرًا فوق رأسه.
وفِيونا تضحك خلفه.
"أعطني إياه!"
"لا."
"لارك!"
ركضت خلفه.
ضحكت والدتهما وهي تراقبهما.
"أنتما ستسقطان."
قال والدهما:
"اتركيهما."
"أنت تدللهما."
"إنهما طفلان."
ركض لارك نحو والده.
"أبي! أخبرها أنني الملك!"
ضحك والده وحمله.
"ستصبح ملكًا يومًا ما."
رفعت فيونا يدها.
"وأنا؟"
ابتسمت أمها.
"وأنتِ ستكونين بجانبه."
نظر لارك إلى أخته.
"طبعًا."
ثم مد يده إليها.
"تعالي."
أمسكت يده.
وفي تلك اللحظة الصغيرة...
لم يكن هناك ملك.
ولا أميرة.
ولا مستقبل مظلم.
فقط أخ وأخته يركضان في حديقة والدتهما.
فتحت فيونا عينيها.
كانت وحدها.
وضعت يدها على قلبها.
ثم همست:
"ليتني أستطيع العودة إلى ذلك اليوم."
في عالم البشر، بدأت السماء تمطر.
كانت لافينيا مستلقية على سريرها.
المطر يضرب النافذة.
أغمضت عينيها.
ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تغفو.
فتحت عينيها داخل الحلم.
كانت واقفة في حديقة.
لكن هذه المرة لم تكن وحدها.
سمعت ضحكات بعيدة.
ثم رأته.
رجل طويل، شعره أسود، يقف على بعد خطوات منها.
لم تستطع رؤية وجهه.
لكن قلبها عرفه.
تراجع هو خطوة.
ثم قال:
"أخيرًا."
شعرت بالخوف.
"من أنت؟"
لم يجب.
اقترب.
"هل نسيتِني؟"
هزت رأسها.
"أنا لا أعرفك."
توقف.
وكان في صوته شيء كسر قلبها.
"لكنني أعرفك."
وضعت يدها على صدرها.
"لماذا يؤلمني سماع صوتك؟"
ابتسم بحزن.
"لأنكِ وعدتِني."
"بماذا؟"
اقترب أكثر.
"أنك لن تتركيني."
بدأ الحلم يتلاشى.
مد يده إليها.
"لافينيا."
صرخت:
"لا!"
استيقظت.
جلست على السرير وهي تلهث.
كانت دموعها على وجهها.
مسحتها بسرعة، وكأنها غاضبة منها.
"من أنت؟"
لم يجبها أحد.
فتحت هاتفها.
الثانية بعد منتصف الليل.
حاولت العودة إلى النوم.
لكنها لم تستطع.
خرجت إلى الشرفة.
كان المطر قد توقف.
المدينة تحتها تلمع بالأضواء.
سيارات.
مقاهٍ.
مباني.
حياة بشرية عادية.
ثم رأت شيئًا في الجهة المقابلة من الشارع.
رجلًا يقف تحت عمود الإنارة.
شعره أسود.
طويل.
ويرتدي ملابس سوداء.
تجمدت.
"لارك؟"
رفع الرجل رأسه.
لكن وجهه لم يكن وجه لارك.
كان شخصًا غريبًا.
ثم تحرك وغادر.
وضعت لافينيا يدها على قلبها.
لم تفهم لماذا شعرت بخيبة أمل.
في اليوم التالي، أخبرت جانيت.
استمعت إليها حتى النهاية.
ثم أمسكت يدها.
"اسمعيني."
نظرت إليها.
"مهما كان هذا الشيء، أنا معك."
ابتسمت لافينيا.
"حتى لو كنت مجنونة؟"
"خصوصًا إذا كنتِ مجنونة."
ضحكت.
ثم قالت جانيت:
"لكن عندي سؤال."
"ماذا؟"
"لماذا اسم لارك؟"
صمتت.
"لا أعرف."
"هل يمكن يكون شخصًا عرفتيه في طفولتك؟"
هزت رأسها.
"لا."
"هل يمكن أنكِ قرأتِ الاسم في مكان ما؟"
"ربما."
ثم سكتت.
"جانيت."
"همم؟"
"أحيانًا أشعر أنني كنت أعيش حياة أخرى."
ابتسمت جانيت بحنان.
"إذن سنعرف الحقيقة."
لم تعرف لافينيا أن تلك الجملة ستكون بداية كل شيء.
في ذلك المساء، وبينما كانت عائدة إلى المنزل، هطل المطر من جديد.
دخلت شارعًا جانبيًا لم تستخدمه من قبل.
وكان هناك متجر صغير للتحف.
توقفت أمام واجهته.
لم تعرف لماذا.
دخلت.
رن جرس الباب.
رفع الرجل العجوز خلف الطاولة رأسه.
"تفضلي."
لم تجبه.
كانت تنظر إلى شيء خلفه.
قلادة فضية.
تتوسطها بلورة زرقاء.
اقتربت ببطء.
"من أين حصلت على هذه؟"
ابتسم الرجل.
"قديمة."
مدت يدها.
"لا تلمسيها."
لكنها لم تسمعه.
أصابعها لامست البلورة.
وفجأة...
انفجر الضوء.
رأت الحديقة.
رأت نفسها.
رأت لارك.
رأت ذراعيه حولها.
سمعت صوته.
"لا تخافي."
ثم رأت نفسها بين ذراعيه وهي تبكي.
"لا أريد أن أتركك."
ثم سمعت صوتها القديم:
"أحبك."
سقطت القلادة من يدها.
سقطت هي أيضًا على ركبتيها.
شهقت.
كانت تبكي.
لكنها لم تعرف لماذا.
الرجل العجوز ركض نحوها.
"آنسة!"
رفعت رأسها.
"من هذا الرجل؟"
"أي رجل؟"
حدقت في القلادة.
كانت مطفأة.
لكنها كانت تعرف.
لأول مرة...
عرفت.
ذلك الرجل لم يكن حلمًا.
وكان اسم لارك أكثر من مجرد اسم.
في إيريس، وفي اللحظة نفسها...
أضاءت البلورة التي يحتفظ بها لارك.
رفع رأسه.
توقفت أنفاسه.
اقترب منها.
مد يده.
وكان الضوء يرتجف داخلها.
ثم سمع شيئًا.
ضعيفًا جدًا.
بعيدًا جدًا.
لكنه كان صوتًا يعرفه أكثر من صوته نفسه.
"لارك..."
تجمد.
أغمض عينيه.
ثم فتحهما.
دخلت فيونا مسرعة.
"ماذا حدث؟"
لم يجب.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
لكن هذه المرة لم تكن دموع حزن.
كانت دموع رجل انتظر طويلًا.
نظر إلى السماء.
وقال:
"إنها حية."
اقتربت فيونا.
"هل أنت متأكد؟"
ابتسم.
"سمعتها."
ارتجفت شفتاها.
"إذن..."
نظر إليها.
ولم يحتج أي منهما إلى إكمال الجملة.
كانت هناك.
في مكان ما.
تتنفس.
تعيش.
وتحمل جزءًا من العالم الذي فقدته.
في تلك الليلة، نامت لافينيا وهي لا تعرف ماذا تصدق.
وضعت القلادة بجانب وسادتها.
أغمضت عينيها.
ثم استيقظت بعد منتصف الليل.
كان هناك ألم في معصمها.
رفعت يدها.
وتجمدت.
ظهرت على جلدها علامة صغيرة مضيئة.
لم تكن موجودة قبل ساعات.
نبضت.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم ثالثة.
رفعت لافينيا عينيها نحو النافذة.
وفي اللحظة نفسها...
فتح لارك عينيه في عالم الأبدية.
كانت البلورة أمامه تضيء بقوة.
وقف.
حدق في السماء.
وللمرة الأولى منذ سنوات...
ابتسم.
ثم قال بصوت منخفض، لكنه واثق:
"وجدتك."
في عالم البشر، سقطت دمعة على خد لافينيا.
لم تكن تعرف من أين جاءت.
لم تكن تعرف من الرجل الذي يلاحق أحلامها.
ولا لماذا يؤلمها اسمه.
ولا لماذا تشعر أن قلبها يعرف طريقًا إلى مكان لم تطأه قدمها يومًا.
وضعت يدها على العلامة.
وهمست:
"لماذا أشعر... أنني كنت أنتظرك أيضًا؟"
وخارج نافذتها، ظهرت نجمة واحدة في السماء.
نجمة لم ترها من قبل.
وفي مكان بعيد جدًا...
تحركت إحدى جزر إيريس المعلقة فوق السحاب.
كأن العالمين...
بدآ يقتربان من بعضهما.
ولم تكن لافينيا تعرف أن حياتها التي ظنتها حقيقية بالكامل...
لم تكن سوى نصف القصة.
أما النصف الآخر...
فقد بدأ يستيقظ.