الفصل الأول — حين ماتت الأبدية
الحب...
ذلك الشعور الذي يستطيع أن يجعل الإنسان أقوى من العالم كله.
وقد يجعله أضعف من مجرد ذكرى.
في مكان بعيد، خلف السماء التي يعرفها البشر، كان هناك عالم لا تصل إليه أعينهم.
عالم لا تسير فيه القوانين كما نعرفها.
كانت الأشجار تضيء ليلًا، والأنهار تحمل في أعماقها بلورات زرقاء تنبض بالطاقة، والزهور تتفتح حين يسمعها أحدهم كلمات جميلة.
وكانت الجزر تحلق فوق السحاب.
تتنقل بينها مخلوقات صغيرة بأجنحة شفافة، بينما تحلق الطيور ذات الريش المتوهج فوق الأبراج العالية.
وفي وسط ذلك العالم...
كانت تقف مملكة إيريس.
مملكة بُنيت على السلام.
لم تعرف الحرب منذ قرون.
وكان شعبها يؤمن أن الحب ليس مجرد شعور...
بل قوة.
ولهذا كان قصر إيريس الملكي مختلفًا عن أي قصر آخر.
جدرانه من حجر أبيض لامع، تتخلله عروق ذهبية تتحرك فيها الطاقة كأنها أنفاس حيّة.
وفي وسط القصر، كانت توجد حدائق واسعة مليئة بالورود الفضية.
وفي أعلى نقطة منه...
كانت هناك شرفة تطل على المملكة بأكملها.
وقف عندها رجل طويل، يرتدي ملابس ملكية سوداء تتداخل معها خيوط فضية.
شعره الأسود تحرك مع الرياح، بينما كانت عيناه تتأملان المدينة الهادئة أسفله.
كان ذلك هو ملك إيريس.
لارك.
لكن رغم هيبته التي يخشاها أعداؤه...
كان هناك شخص واحد فقط يستطيع أن يجعله ينسى أنه ملك.
"أنت تنظر إليهم وكأنك تحاول عدّ كل فرد في المملكة."
التفت لارك.
كانت لافينيا تقف خلفه.
شعرها الطويل تحرك بخفة مع النسيم، وكانت ترتدي فستانًا أبيض ناعمًا تلمع أطرافه تحت ضوء القمر.
ابتسم.
"كنت أحاول التأكد من أنهم جميعًا بخير."
اقتربت منه.
"وأنا؟"
رفع حاجبه.
"أنتِ؟"
"نعم."
توقفت أمامه.
"هل تأكدت أنني بخير؟"
نظر إليها لثوانٍ.
ثم ابتسم.
"لا."
عبست.
"لا؟"
اقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة.
"لأنني لو بدأت أتأكد منكِ فلن أنتهي."
ضحكت.
"مغرور."
"أنتِ من سألتِ."
"وأنت دائمًا تستغل أسئلتي لتغازلني."
"لأنكِ تعطينني فرصًا كثيرة."
ضحكت وهي تدفع كتفه بخفة.
"ملك سيئ."
أمسك يدها قبل أن تسحبها.
"لكنك تحبين هذا الملك."
نظرت إلى يده التي تمسك يدها.
ثم رفعت عينيها إليه.
"ربما."
اقترب منها.
"ربما؟"
ابتسمت.
"سأفكر في الأمر."
"لافينيا."
"نعم؟"
"أنتِ تعلمين أنني أستطيع إصدار مرسوم ملكي يجبرك على الاعتراف."
قهقهت.
"وهل هذا من صلاحيات الملك؟"
"يمكنني إضافته."
"يا لك من مخيف."
ضحك لارك، ثم جذبها نحوه برفق.
"لا أحتاج إلى مرسوم."
"ولماذا؟"
"لأنك قلتِها لي آلاف المرات."
ابتسمت.
"وماذا قلت؟"
انحنى وقبّل جبينها.
"أنك تحبينني."
خفضت عينيها بخجل.
"ربما قلتها."
"بل قلتها."
"لا أتذكر."
"سأذكرك."
رفعت رأسها.
"كيف؟"
ابتسم.
"غدًا."
"غدًا؟"
"وغدًا بعده."
ضحكت وهي تسند رأسها إلى صدره.
"أنت مستحيل."
ضمها إليه.
"وأنتِ عالمي."
ساد الصمت.
كانت الموسيقى القادمة من الساحة الملكية تصل إليهما من بعيد.
أضواء صغيرة تحلق فوق المدينة.
والسماء كانت مليئة بالنجوم.
قالت لافينيا بهدوء:
"لارك."
"همم؟"
"هل تعتقد أن هذا سيستمر؟"
"ماذا؟"
"كل شيء."
رفعت رأسها.
"إيريس... سلامنا... نحن."
نظر إليها طويلًا.
ثم أمسك وجهها بيده.
"طالما أنا حي، لن أسمح لأحد بأخذ أي شيء منكِ."
ابتسمت.
"وإذا لم أكن انا حيه؟"
تغيرت ملامحه.
"لا تقولي ذلك."
"مجرد سؤال."
"إذن إجابتي..."
اقترب منها.
"سأجدك."
ضحكت بخفة.
"حتى لو كنت في عالم آخر؟"
"حتى لو كنتِ في آخر مكان في الكون."
"وإذا لم أتذكرك؟"
"سأذكرك."
"وإذا تغيرت؟"
"سأحبك كما أنتِ."
سكتت.
ثم همست:
"وإذا لم أعد أنا؟"
توقفت ابتسامته للحظة.
"ستبقين أنتِ."
ثم قبّل جبينها.
"لأنني سأعرفك حتى لو لم يعرفك العالم."
⸻
لكن في مكان آخر...
بعيدًا عن نور إيريس...
كانت هناك مملكة لا تشبهها إطلاقًا.
نيفريس.
سماء رمادية.
جبال سوداء.
أنهار مظلمة لا تعكس الضوء.
وفي قلب المملكة، ارتفع قصر ضخم مصنوع من حجر أسود، تحيط به أشجار ملتوية كأنها تحاول الوصول إلى السماء.
وفي أعلى برج...
كانت امرأة تقف أمام مرآة ضخمة.
كانت ترتدي ثوبًا أسود طويلًا.
شعرها الداكن ينسدل حتى خصرها.
وعيناها تحملان شيئًا لا يمكن تفسيره.
الحزن.
والغضب.
والغيرة.
اسمها...
فيونا.
أخت لارك.
كانت تحمل في يدها زهرة بيضاء.
زهرة من حدائق إيريس.
حدقت فيها طويلًا.
ثم أغلقت أصابعها حولها.
فسودت بتلاتها.
دخل أحد أتباعها.
"سيدتي."
لم تجبه.
"هل أرسلتي طلب الاجتماع إلى إيريس؟"
وضعت الزهرة على الطاولة.
"نعم."
"والملك لارك؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"سيأتي."
"وإذا رفض؟"
رفعت عينيها إليه.
"لن يرفض."
ثم التفتت إلى النافذة.
"لطالما كان لارك يظن أنه يعرفني."
سكتت.
"لكنه لا يعرف شيئًا."
⸻
في صباح اليوم التالي...
كانت إيريس تحتفل بمهرجان الربيع.
الشوارع مليئة بالناس.
الأطفال يطاردون الفراشات المضيئة، والبائعون يعرضون الأحجار السحرية، والموسيقيون يعزفون في الساحات.
وكان لارك يسير بين الناس دون حرس.
بجانبه لافينيا.
قالت وهي تنظر إلى عربة الحلوى:
"لارك."
"لا."
"لم أقل شيئًا."
"أعرف هذا الوجه."
"أي وجه؟"
"وجه المرأة التي تريد الحلوى."
ضحكت.
"أنا الملكة."
"وأنا الملك."
"إذن اشترها."
"هذه ليست طريقة ملكية."
"بل هي."
توقفت أمام العربة.
نظر إليها.
ثم تنهد.
"اختاري."
ابتسمت بانتصار.
"كنت أعرف أنك تحبني."
"كنت أعرف أنك تستغلين حبي."
"وأنت تسمح لي."
"للأسف."
"للأسف؟"
"للغاية."
ضحكت، ثم أخذت قطعة صغيرة ومدتها أمام فمه.
"تفضل."
تراجع.
"لا."
"لماذا؟"
"أنتِ أكلتِ منها."
"وهذا سبب كافٍ لأكلها."
نظر إليها.
ثم أكلها من يدها.
ابتسمت بانتصار.
"أرأيت؟"
"ماذا؟"
"أنت مطيع."
ضحك.
"لا تكرريها أمام الشعب."
"لماذا؟"
"لدي سمعة."
"أي سمعة؟"
"ملك قوي."
اقتربت منه وهمست:
"بالنسبة لي أنت مجرد زوج مدلل."
نظر إليها لثوانٍ.
ثم انفجر ضاحكًا.
"سأنتقم منك الليلة."
اتسعت عيناها.
"لارك!"
ضحك أكثر.
"ماذا؟ لم أقل شيئًا."
"أعرفك."
"وأنا أعرفك."
تشابكت أصابعهما.
وفي تلك اللحظة...
ظهرت في السماء بوابة سوداء.
توقفت الموسيقى.
سكت الناس.
تغير لون السماء.
ثم هبطت عربة سوداء أمام القصر.
نزلت منها فيونا.
تقدم لارك خطوة.
لافينيا بجانبه.
"فيونا."
ابتسمت.
"أخي."
قال لارك ببرود:
"لم أتوقع زيارتك."
"واضح."
نظرت إلى لافينيا.
ثم ابتسمت.
"وأنتِ لابد أنكِ لافينيا."
أومأت.
"نعم."
اقتربت فيونا منها.
"سمعت الكثير عنك."
لارك تدخل فورًا:
"أتمنى أن يكون جيدًا."
نظرت إليه فيونا.
"كنت أتحدث معها."
"وأنا زوجها."
"أعرف."
قالت لافينيا بلطف:
"لارك."
نظر إليها.
"ماذا؟"
"دعها تتحدث."
تنهد.
"حسنًا."
نظرت فيونا إلى لافينيا.
"أنتِ جميلة."
ابتسمت لافينيا.
"شكرًا."
ثم قالت فيونا:
"الآن فهمت لماذا فقد أخي عقله."
لارك قطب حاجبيه.
"انتبهي لكلامك."
ضحكت فيونا.
"ها أنت ذا."
"ماذا؟"
"تدافع عنها قبل أن تتحدث."
تدخلت لافينيا:
"هذه عادته."
نظر إليها لارك.
"أنتِ لا تساعدينني."
ضحكت.
أما فيونا...
فكانت تحدق فيهما.
وكان في عينيها شيء لا يشبه المزاح إطلاقًا.
قال لارك:
"ما الذي تريدينه؟"
تغيرت ابتسامتها.
"أريد أن نتحدث."
"عن ماذا؟"
"عن الماضي."
ساد الصمت.
ثم قالت:
"عن والدينا."
اختفت ابتسامة لارك.
"ليس هنا."
"إذن في مكان آخر."
⸻
في المساء...
جلس الثلاثة في قاعة صغيرة داخل القصر.
كانت النار مشتعلة في الموقد.
لافينيا تجلس إلى جانب لارك.
وفيونا أمامهما.
قالت:
"أتذكر عندما كنا أطفالًا؟"
لارك لم يجب.
"كنت دائمًا تحميني."
قال ببرود:
"كنتِ أختي."
"وما زلت."
نظرت إليه.
"لكن بعد موت والدينا تغير كل شيء."
تنفس لارك بعمق.
"فيونا..."
"لا."
قاطعته.
"دعني أتحدث."
سكت.
قالت:
"كنت أحتاجك."
ثم نظرت إلى لافينيا.
"لكنك اخترت عالمك الجديد."
أمسكت لافينيا بيد لارك.
لاحظت فيونا ذلك.
ابتسمت بحزن.
"حتى الآن."
قال لارك:
"لم أتخلَّ عنك."
"بلى."
"أنت من ابتعدت."
"لأنك تركتني."
"لأنك بدأت تستخدمين السحر المحرم."
رفعت عينيها إليه.
"كنت أحاول إنقاذهما."
"لقد ماتا يا فيونا."
"وأنت استسلمت."
"لم أستسلم."
"بل عشت."
ارتجف صوتها.
"عشت وكأن شيئًا لم يحدث."
وقف لارك.
"لم يكن بإمكاني تغيير الماضي."
وقفت هي أيضًا.
"لكنني أستطيع."
لافينيا نظرت إليها بقلق.
"فيونا..."
التفتت إليها.
"لا تتدخلي."
لارك وقف أمام لافينيا.
"لا ترفعي صوتك عليها."
ضحكت فيونا.
"دائمًا هي."
ثم اقتربت منه.
"هل تعرف ما يؤلمني أكثر شيء؟"
لم يجب.
"أنني أكرهك..."
توقفت.
"وأحبك في الوقت نفسه."
اتسعت عينا لارك.
قالت بصوت منخفض:
"وأنت لم تعد ترى فيّ سوى وحش."
"لأنك جعلتِ نفسك كذلك."
صمتت.
ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة جدًا.
"إذن..."
رفعت يدها.
"لنرَ أيّنا كان مخطئًا."
في لحظة واحدة...
انطفأت جميع الشموع.
تجمد الهواء.
وقفت لافينيا.
"لارك..."
صرخ:
"لافينيا، ابتعدي!"
انفجرت الطاقة السوداء في القاعة.
اندفع لارك نحوها.
لكن فيونا كانت أسرع.
التفتت الطاقة حول لافينيا.
صرخت.
"لارك!"
أمسك بها.
"لااا!"
حاول سحبها.
لكن اللعنة كانت أقوى.
بدأ جسد لافينيا يضيء.
دموعها تسقط.
"لارك..."
"أنا هنا!"
"أنا خائفة."
ضمها إليه.
"لا تخافي."
"لا أريد أن أتركك."
"لن تتركيني."
"وعدني."
"أعدك."
ابتسمت وسط دموعها.
"أنت دائمًا تكذب عندما تقول هذا."
"هذه المرة لن أكذب."
وضعت يدها على وجهه.
"أحبك."
تجمد.
ثم ابتسم رغم دموعه.
"وأنا أحبك."
انخفض صوتها.
"إذا لم أجدك..."
"سأجدك."
"وإذا لم أتذكرك..."
"سأذكرك."
بدأ جسدها يتلاشى إلى ذرات من الضوء.
"لارك..."
"لافينيا!"
آخر ما رآه...
كان ابتسامتها.
ثم اختفت بين ذراعيه.
سقط على ركبتيه.
الضوء الأبيض ارتفع إلى السماء.
وفيونا وقفت في الجهة المقابلة.
كانت تحدق فيما فعلته.
لثوانٍ...
لم تضحك.
لم تقل شيئًا.
فقط نظرت إلى يدها.
ثم بدأت دمعة واحدة بالسقوط من عينها.
همست:
"ماذا فعلت..."
رفع لارك رأسه إليها.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
لكن شيئًا آخر بدأ يظهر فيهما.
غضب.
ألم.
وحزن لا يشبه أي شيء عرفته إيريس من قبل.
"أعيديها."
تراجعت فيونا خطوة.
"لارك..."
"أعيديها."
"لا أستطيع."
صرخ:
"أعيدييييها!"
اهتز القصر.
وتشققت الأرض تحت قدميه.
أما روح لافينيا...
فكانت تصعد بعيدًا.
إلى مكان لم يعرفه أحد.
عالم البشر.
حياة جديدة.
جسد جديد.
وذاكرة...
لا تحمل شيئًا عن لارك.
أما لارك...
فبقي وحيدًا.
ينظر إلى السماء.
ويكرر الكلمة ذاتها:
"سأجدك."
مرة.
ثم مرة أخرى.
حتى أصبح صوته مجرد همس.
ولم يكن يعلم...
أن هذه لم تكن نهاية قصتهما.
بل كانت بداية أطول لعنة عرفها عالم الأبدية.
أما الشيء الذي سيولد لاحقًا من هذه اللعنة...
فلم يكن قد ظهر بعد.
لم يكن له اسم.
ولا وجه.
ولا صوت.
وكان سيحتاج سنوات طويلة...
قبل أن يفتح عينيه للمرة الأولى.