الفصل الرابع — حين انكسر العهد
كان أكريس لا يزال يحمل أدونيس بين ذراعيه وهو يسير مع القادة الخمسة باتجاه قاعة الاجتماعات. كان أدونيس صامتًا هذه المرة؛ لم يكن يفكر كثيرًا في الكلمات التي قالها أولئك الأطفال له، لكنه شعر بشيء غريب في صدره، شيء لم يفهمه؛ ربما كان حرجًا، وربما غضبًا، وربما مجرد سؤال صغير لم يجد له جوابًا. لكن وجود والده بجانبه جعله ينسى الأمر قليلًا.
كانت قاعة الاجتماعات تقع في جزء هادئ من نمير، بعيدًا عن أغلب البيوت. كانت مبنى واسعًا دائري الشكل، مشيدًا بالطابوق، وله باب كبير من الخشب السميك، وعلى الجدران الخارجية والداخلية كانت رايات الائتلاف الثوري معلقة، تتحرك أطرافها قليلًا مع الهواء. كان المبنى بسيطًا من الخارج، لكنه يحمل في داخله شيئًا مختلفًا؛ كان هذا المكان أحد الأماكن التي صُنعت فيها قرارات غيّرت مصير مدن كاملة.
اقترب أكريس من الباب، ثم أنزل أدونيس إلى الأرض، نظر إليه وقال:
— يا صغير، سأدخل الآن لأناقش بعض الأمور المهمة.
نظر أدونيس إلى الباب:
— ألا أستطيع الدخول معكم؟
ابتسم أكريس، وانحنى حتى أصبح في مستوى عينيه:
— ليس الآن.
ثم وضع يده على رأسه:
— ستدخلها يومًا ما، عندما يكبر عقلك وجسدك الصغير أكثر.
ابتسم أدونيس:
— حسنًا أبي.
وقف أكريس:
— اذهب إلى والدتك، حسنًا؟
أومأ أدونيس، ثم بدأ يركض مبتعدًا:
— حسنًا أبي!
ظل أكريس يراقبه لبضع لحظات؛ كان يبتسم، ثم اختفت الابتسامة تدريجيًا عندما استدار نحو الباب. دخل القاعة، وأُغلق الباب خلفه.
كانت القاعة واسعة ودائرية، في وسطها طاولة مستديرة ضخمة، تحيط بها ستة كراسٍ؛ خمسة منها متشابهة، أما السادس... فكان مختلفًا؛ أكبر قليلًا، وأكثر ارتفاعًا، وقد زُين بطريقة بسيطة لكنها واضحة؛ كان كرسي أكريس.
جلس القادة واحدًا تلو الآخر، ثم جلس أكريس في مكانه. حولهم كانت الخرائط والمخططات معلقة على الجدران؛ خرائط للمدن، مخططات للمستوطنات، طرق إمداد، حدود أراضٍ، ومواقع تابعة للهيئة العليا. كانت القاعة تحمل آثار سنوات من التخطيط، لكن شيئًا في جوها لم يكن كما اعتاده أكريس.
نظر إلى القادة، ثم قال ووضع يديه على الطاولة:
— حسنًا، أخبروني الآن. ماذا أردتم مناقشته بشأن المستوطنة التابعة للهيئة العليا؟
صمت للحظة، ثم أضاف:
— رغم أنني أشك أن سبب مجيئكم إلى هنا لا يتعلق بمستوطنة واحدة فقط.
نظر أحد القادة إلى الآخرين، ثم قال:
— أصبت.
رفع أكريس حاجبه:
— إذن؟
نهض الرجل من كرسيه، وبدأ يمشي ببطء حول الطاولة:
— الأمر أكبر من المستوطنة.
توقف أمام إحدى الخرائط:
— علينا أن نقرر إلى أين يجب أن ينتهي هذا الصراع.
ظل أكريس ينظر إليه:
— ماذا تقصد؟
أشار الرجل إلى الخريطة:
— منذ سنوات ونحن نخوض حربًا بعد أخرى. نهاجم مواقع الهيئة العليا، نحمي القطاعات التي تنضم إلينا، ونخسر رجالًا وموارد في كل مرة.
ثم التفت إليهم:
— لكن ماذا حصلنا؟ نحن بحاجة إلى مكاسب أكبر؛ أراضٍ، موارد، مستوطنات، ونفوذ.
قال أكريس بهدوء:
— وماذا سنفعل بهذه الأشياء؟
أجابه الرجل:
— نبني جيشًا أقوى. إذا أردنا مواجهة الهيئة العليا فعلينا أن نتوقف عن التفكير كأننا مجموعة من المتمردين الذين يحاولون النجاة.
سكت أكريس؛ لم يعجبه ما يسمعه، لكنه لم يقاطعه.
تدخل قائد آخر:
— هو محق جزئيًا؛ عدد المناطق التي أصبحت تحت حماية الائتلاف يتزايد، لكننا لا نملك الموارد الكافية لإدارتها.
وأضاف آخر:
— بعض تلك المناطق لا تقدم شيئًا في المقابل.
نظر أكريس إليه:
— في المقابل؟
أجابه:
— نحن نحميهم، نوفر لهم الجنود، نحمي طرقهم، ندافع عنهم ضد الهيئة العليا... وكل ذلك دون أن نحصل على شيء.
قال أكريس:
— لأننا لا نفعل ذلك من أجل الحصول على شيء. نحن نفعل ذلك لأنهم يحتاجون إلى الحماية.
ضحك أحدهم ضحكة قصيرة؛ لم تكن ضحكة سخرية صريحة، لكنها كانت كافية. نظر إليه أكريس:
— ما المضحك؟
هز الرجل رأسه:
— لا شيء.
لكن قائدًا آخر تكلم:
— أكريس... العالم لا يعمل بهذه الطريقة؛ لا يمكنك حماية الجميع إلى الأبد دون أن تحصل على شيء.
قال أكريس:
— وهل أصبحنا الآن نحمي الناس لكي نطالبهم بثمن حمايتنا؟
لم يجب أحد. وهنا بدأ شيء في داخل أكريس يتغير؛ لم يكن غاضبًا بعد، كان خائبًا. نظر إلى الوجوه المحيطة به؛ كان يعرف هؤلاء الرجال منذ سنوات، قاتل معهم، أنقذ حياتهم، ورأى بعضهم يسقط أمامه. كانوا أصدقاء، لكن الكلمات التي يسمعها الآن... لم تكن كلمات الأصدقاء الذين عرفهم.
قال أكريس بصوت أكثر حدة:
— كفى.
ساد الصمت، فرفع أكريس رأسه:
— يبدو أنكم نسيتم هدف الائتلاف الثوري منذ البداية.
نهض الرجل الأول من كرسيه:
— لم ننسَ.
— إذن ماذا تفعلون؟
أجاب:
— نحاول أن نجعل الائتلاف أقوى.
— بالقوة؟
— نعم.
— وبالمكاسب؟
— نعم.
ثم اقترب خطوة:
— نحن نتقدم ببطء يا أكريس.
وأشار إلى الخرائط:
— كلما حررنا منطقة، احتجنا إلى قوات لحمايتها. كلما خسرنا مستوطنة، احتجنا إلى موارد لاستعادتها. إذا أردنا إنهاء هذه الحرب، علينا أن نأخذ شيئًا من هذا العالم.
حدق أكريس فيه:
— منذ متى بدأت تفكر بهذه الطريقة يا...
توقف للحظة، ثم قال:
— إيلان.
كان اسمًا يعرفه جيدًا. رفع إيلان عينيه إليه:
— منذ أن فهمت أن المبادئ وحدها لا تنتصر في الحروب.
اقترب أكريس من الطاولة:
— لا. المبادئ هي الشيء الوحيد الذي يجعلنا مختلفين عنهم.
تغيرت ملامح إيلان، نظر إليه الآخرون، ثم قال إيلان:
— وماذا لو كان الطريق الوحيد لحماية ما نؤمن به هو أن نصبح أقوى منهم؟
— عندها نصبح مثلهم.
قالها أكريس فورًا، وكان صوتُه هذه المرة أعلى:
— وإذا أصبحنا مثلهم، فما الذي بقي من الائتلاف أصلًا؟
ساد الصمت. كانت الرايات المعلقة على الجدران تتحرك ببطء خلفهم. نظر أكريس إليها للحظة، ثم أعاد نظره إلى القادة:
— نحن لم نبدأ هذا الائتلاف لكي نستبدل حاكمًا بحاكم، ولم نحارب لكي نضع علمنا فوق المدن، ولم نحمِ الناس لكي نجعلهم تابعين لنا.
ثم نظر مباشرة إلى إيلان:
— وإذا كان هذا هو الطريق الذي تريدون سلوكه... فلن أكون جزءًا منه.
كانت الجملة ثقيلة؛ لم يجب أحد، لكن النظرات تغيرت. ولأول مرة منذ دخولهم القاعة، لم يشعر أكريس بأنه يجلس بين أصدقائه؛ شعر أنه يجلس أمام رجال بدأ كل واحد منهم ينظر إلى السلطة بطريقة مختلفة. وفي تلك اللحظة... خارج القاعة، كان العالم مختلفًا تمامًا.
كانت ليسا في أحد البساتين القريبة من نمير، كانت تقف بين الأشجار مع بعض نساء القرية تقطف بعض الثمار والأزهار. كانت الضحكات تتردد بين الأشجار، وكانت الشمس المرتفعة ترسل خيوطًا دافئة بين الأغصان؛ لم يكن هناك ما يوحي بأن شيئًا سيئًا يحدث.
وفجأة ظهر أدونيس بين الأشجار، كان يركض بأقصى سرعته:
— أمي!
التفتت ليسا:
— أدونيس؟
وصل إليها وتوقف أمامها وهو يلهث، فوضعت يدها على كتفه:
— تنفس أولًا يا صغيري.
حاول أدونيس التقاط أنفاسه، ثم قال:
— أمي... أصدقاء أبي جاءوا لزيارته.
توقفت ليسا:
— أصدقاء أبي؟
أومأ:
— نعم، وهم الآن في قاعة الاجتماعات.
نظرت نحو القرية، ثم عادت بنظرها إليه وقالت بهدوء:
— هذا غريب. لماذا قد يأتون في هذا الوقت؟
هز أدونيس كتفيه:
— لا أعلم.
ثم أضاف بحماس:
— لكنهم يبدون أقوياء جدًا!
ابتسمت ليسا قليلًا، لكن شيئًا صغيرًا مر في عينيها؛ لم تكن تعرف لماذا، مجرد شعور غامض، نغزة قصيرة في قلبها، فتجاهلتها وقالت:
— حسنًا يا صغيري، لا تشغل بالك.
ثم أشارت إلى المكان حولها:
— ابقَ هنا والعب قليلًا، وسأعود إليك.
— حسنًا أمي.
ركض أدونيس بعيدًا بين الأشجار، وبقيت ليسا تراقبه للحظة، ثم عادت إلى ما كانت تفعله.
في القاعة... كان أكريس لا يزال واقفًا.
قال إيلان:
— إذن أنت تعترض.
— على ما أصبحتم عليه؟ نعم.
— حتى لو كان ذلك سيجعلنا نخسر الحرب؟
— أفضل أن نخسر الحرب ونحن نعرف من نحن، على أن ننتصر ونكتشف أننا أصبحنا شيئًا آخر.
لم يتكلم أحد. كانت عيون القادة تتحرك بين أكريس وإيلان، ثم قال أحدهم:
— ربما علينا أن نعيد التفكير في الأمر.
التفت إليه أكريس، وللحظة ظن أن هناك من لا يزال يفهمه. لكن قبل أن يقول شيئًا... تغير كل شيء.
لم يسمع أكريس صوت الخطوة، لم يرَ الحركة، لم يشعر بالخطر؛ لم يكن يتوقع أن يأتي الخطر من خلفه. وفجأة... اخترق نصل حاد جسده.
تجمد أكريس في مكانه واتسعت عيناه. لم يخرج منه صوت في اللحظة الأولى؛ نظر إلى الأسفل، كان طرف النصل قد ظهر من أمام صدره. ساد الصمت؛ صمت كامل، حتى أن أصوات العالم خارج القاعة بدت وكأنها اختفت.
رفع أكريس عينيه ببطء؛ لم يسأل من فعلها، لم يكن بحاجة إلى ذلك، كان يستطيع رؤية انعكاس الرجل خلفه على سطح الطاولة: إيلان. لكن الشيء الذي أصابه لم يكن الألم، كان الإدراك؛ أحد الرجال الذين وثق بهم... طعنه.
حاول أكريس أن يتنفس، فارتجفت أنفاسه، ثم قال بصوت منخفض بالكاد خرج:
— لماذا...؟
لم يجب إيلان، وبقيت يداه ثابتتين. نظر القادة الآخرون إلى أكريس؛ بعضهم بدا مصدومًا، وبعضهم لم يتحرك. أما أكريس... فبقي واقفًا لثوانٍ، كأنه كان يرفض أن يسمح لجسده بأن يسقط قبل أن يفهم عقله ما حدث. ثم بدأ الدم يسيل ببطء على ثيابه.
وخارج القاعة... كان أدونيس يركض بين الأشجار، لا يعرف شيئًا، ولا يعرف أن اليوم الذي بدأ بصباح هادئ... كان على وشك أن ينتهي بموت الرجل الذي ظن أنه لن يخسره أبدًا