الفصل الثالث — قرية نمير
بزغت الشمس فوق الأفق بهدوء، وأخذ ضوؤها يتسلل بين سعف النخيل الممتد فوق القرية. كان الصباح في نمير يبدأ قبل أن ترتفع الشمس كثيرًا؛ فأصوات الدجاج كانت أول ما يوقظ أهل القرية، يتبعها صوت الأبواب الخشبية وهي تُفتح واحدًا تلو الآخر، وخطوات الناس الذين بدأوا يومهم باكرًا. كانت رائحة الحطب تختلط برائحة الخبز والطعام الذي بدأ بعض الأهالي بإعداده منذ الساعات الأولى.
وفي أحد البيوت الواقعة على أطراف القرية، فتح أدونيس عينيه ببطء. بقي للحظات يحدق في السقف الطيني فوقه، ثم التفت إلى جانبه؛ كانت والدته قد استيقظت قبله. نهض أدونيس من فراشه وخرج من الغرفة، فوجد ليسا في المطبخ تعد الفطور؛ كانت تتحرك بهدوء بين الأواني، بينما كان الضوء الصباحي يدخل من النافذة الصغيرة ويلقي على أرض البيت بقعًا من الضوء.
نظر إليها أدونيس قليلًا، فقالت دون أن تلتفت:
— صباح الخير يا صغيري.
ابتسم أدونيس:
— صباح الخير أمي.
— تعال، الفطور جاهز تقريبًا.
جلس أدونيس إلى المائدة، وبعد قليل انضم إليهما أكريس. لم يكن الصباح مختلفًا عن أي صباح آخر؛ لا حروب، لا مخططات، لا مطاردات، ولا حديث عن الهيئة العليا أو الائتلاف الثوري. فقط عائلة صغيرة تجلس معًا وتبدأ يومها.
بعد أن انتهوا من الفطور، حملت ليسا سلة الغسيل وخرجت من البيت. كان أمام المنزل حبل طويل ممتد بين نخليتين، تتدلى عليه بعض الملابس التي جف جزء منها بالفعل. بدأت تعلق الملابس قطعة تلو الأخرى، بينما جلس أدونيس قريبًا منها يراقبها.
وفي أثناء ذلك، خرج أكريس من المنزل، ونظر إلى أدونيس وقال:
— هيا يا صغير.
رفع أدونيس رأسه:
— إلى أين؟
— إلى السوق.
اتسعت عينا أدونيس بحماس:
— حقًا؟
ضحك أكريس:
— نعم، نحتاج إلى بعض الأشياء للبيت.
قفز أدونيس من مكانه وركض إلى الداخل:
— سأرتدي ملابسي!
نظرت ليسا إلى أكريس مبتسمة:
— لا تتأخرا.
— لن نتأخر.
بعد دقائق خرج أدونيس مرتديًا ملابس مناسبة للخروج، ثم أمسك بيد والده. بدأ الاثنان بالسير، ومع ابتعادهما عن المنزل، بدأت نمير تظهر أمام أدونيس كما يراها كل يوم، ولكن ربما للمرة الأولى بدأ ينظر إليها بعين مختلفة.
كانت نمير قرية ريفية هادئة، تحيط بها الأشجار والبساتين من جهات عديدة. امتدت أشجار النخيل على طول الطرق وبين البيوت، وكانت بعض جذوعها القديمة تحمل آثار السنين الطويلة التي مرت عليها. أما الأرض فكانت مغطاة بالأعشاب في أماكن كثيرة، تتخللها طرق ترابية ضيقة تصل البيوت ببعضها. لم تكن البيوت متشابهة؛ بعضها بُني من الطين، بجدران سميكة تحافظ على برودتها في حرارة النهار، وبعضها الآخر شُيد من طابوق خاص أصبح استخدامه أكثر انتشارًا خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لم يكن أي منها فاخرًا؛ كانت نمير بسيطة، هادئة، وحقيقية.
كان الناس يعرفون بعضهم بعضًا، ويعرفون أبناء بعضهم وأسماء عائلاتهم، وكان من الصعب على شخص غريب أن يمشي في أحد أزقتها دون أن يلفت الانتباه. لكن أكريس لم يكن غريبًا في أي مكان هنا؛ ما إن مر مع أدونيس حتى رفع أحد الرجال يده:
— صباح الخير يا أكريس!
ابتسم أكريس:
— صباح النور.
ومن الجهة الأخرى نادته امرأة كانت تقف أمام منزلها:
— صباح الخير!
رد عليها أكريس بابتسامة، ثم نظر الرجل إلى أدونيس:
— وأنت يا صغير، إلى أين تأخذ والدك؟
ضحك أدونيس:
— هو الذي يأخذني.
ضحك الرجل:
— صحيح، صحيح.
تابعا طريقهما؛ كانت الدجاجات تتحرك بحرية بين البيوت، وبعض الأطفال يلعبون قرب أحد الجدران، بينما كان رجال آخرون يحملون أدواتهم متجهين إلى البساتين. كان كل شيء يبدو عاديًا، لكن أدونيس لاحظ شيئًا منذ أن خرج من البيت: الجميع يعرف والده، والجميع يحبه. لم يكن الأمر بسبب خوفهم منه، بل كان العكس تمامًا؛ كان أكريس يتوقف أحيانًا ليتحدث مع أحدهم، يسأل عن حاله أو عن محصوله أو عن أحد أفراد عائلته. لم يكن يتصرف كرجل يعتقد أن قوته تجعله أعلى من الآخرين، كان يتصرف كواحد منهم، وهذا جعل أدونيس ينظر إليه بإعجاب.
بعد أن ابتعدا عن البيوت، ظهرت أمامهما مساحة أكثر انفتاحًا، وفي نهايتها بدأت أصوات السوق تصل إليهما. ازدادت الأصوات شيئًا فشيئًا؛ نداءات البائعين، أصوات العربات، ضحكات الناس، وأصوات الأطفال. كان سوق نمير أكبر بكثير من القرية نفسها؛ فقد كان سكان القرى القريبة يأتون إليه أيضًا، ولذلك كان السوق يبدو وكأنه مركز الحياة في المنطقة كلها.
دخل أكريس وأدونيس بين الناس، وكان أول ما لفت انتباه أدونيس هو كثرة المحلات: بائعو الفاكهة، بائعو الطعام، الحرفيون، باعة الأدوات، والناس الذين يعرضون منتجاتهم على الطاولات الخشبية أو على عربات صغيرة. كان المكان مزدحمًا، لكنه لم يكن فوضويًا.
أمسك أكريس يد أدونيس جيدًا:
— لا تبتعد.
— لن أبتعد.
توقف أكريس عند أحد باعة الفاكهة، فابتسم الرجل فور رؤيته:
— أهلاً بك يا أكريس!
— أهلاً بك.
ثم نظر إلى أدونيس:
— وهذا الصغير معنا اليوم.
اختبأ أدونيس قليلًا خلف ذراع والده، فضحك الرجل:
— تعال، لا تخجل.
ثم مد له حبة فاكهة. نظر أدونيس إليها، ثم إلى والده، فقال أكريس:
— خذها.
أخذها أدونيس وشكر الرجل. بدأ أكريس باختيار ما يحتاجه للبيت، بينما وقف أدونيس بجانبه في البداية، لكن السوق كان أكبر من أن يظل طفل مثله واقفًا في مكان واحد؛ بدأ ينظر حوله، ثم تحرك بضع خطوات. كان كل متجر يلفت انتباهه بشيء مختلف؛ توقف أمام بائع يعرض أدوات صغيرة، ثم انتقل إلى رجل يبيع الطعام، ثم وقف أمام محل آخر يتدلى من واجهته عدد من الأدوات المعدنية.
وكان الناس يعرفونه؛ بعضهم يناديه باسمه، وبعضهم يقول:
— هذا ابن أكريس.
وفي كل مرة كان أدونيس يشعر بشيء من الحرج. كان بعض الباعة يعرضون عليه الطعام أو الفاكهة مجانًا، لكنه كان يرفض في أغلب الأحيان:
— شكرًا، لا أريد.
— خذها يا بني.
— أبي اشترى لنا ما نحتاجه.
فيضحك الرجل ويتركه يذهب. مرت فترة من الوقت قبل أن ينتهي أكريس من شراء ما يحتاج إليه، وعندما وجده، قال:
— هل انتهيت من جولتك؟
أجاب أدونيس بحماس:
— تقريبًا.
— إذن لنعد.
وعندما خرجا من السوق وعادا في الطريق نفسه، كانت خيوط الصباح الناعمة قد تحولت إلى شمس الضحى المرتفعة، وبدأت حرارة النهار تشتد قليلاً.
وعندما اقتربا من نمير، لاحظ أكريس شيئًا غير معتاد؛ كان هناك تجمع من الناس عند مدخل القرية. توقف بعضهم عن العمل، ووقف آخرون على جانبي الطريق، وكانت أصواتهم تحمل نبرة من الدهشة.
نظر أدونيس إلى والده:
— ماذا يحدث؟
لم يجب أكريس فورًا، بل بدأ يمشي باتجاه التجمع وتبعه أدونيس. كلما اقتربا، اتضحت الصورة؛ كانت هناك عدة عربات كبيرة متوقفة بالقرب من الطريق، لم تكن عربات عادية، كانت مصنوعة بعناية، مزينة بأجزاء معدنية ونقوش، تجر كل واحدة منها خيول قوية. وبالقرب منها وقف عدد من الحراس بملابس مرتبة وأسلحة واضحة.
أما الأشخاص الذين كانوا ينزلون من العربات، فكانوا مختلفين تمامًا عن سكان نمير؛ ملابس فاخرة، أقمشة نظيفة، حلي، وأحذية لا تشبه ما اعتاد أهل القرية رؤيته. كان معهم أطفال أيضًا، يرتدون ملابس أنيقة بعيدة كل البعد عن بساطة ملابس أطفال نمير.
توقف أحد سكان القرية وهو يحدق فيهم:
— من هؤلاء؟
أجابه رجل آخر:
— يبدو أنهم من الائتلاف.
ثم قال آخر:
— لكن لماذا جاءوا إلى هنا؟
اقترب أكريس أكثر، وفجأة ظهرت ابتسامة على وجهه؛ كان يعرفهم. خمسة رجال، قادة من الائتلاف الثوري، وأصدقاء قدامى؛ كانوا من أبرز الشخصيات في الائتلاف، وقد جاؤوا هذه المرة إلى نمير لمناقشة خطة عسكرية تتعلق بمستوطنة تابعة للهيئة العليا.
عندما رأى أحدهم أكريس، تقدم نحوه:
— أخيرًا وصلت.
ابتسم أكريس:
— يبدو أنكم لم تخبروني أنكم قادمون.
ضحك الرجل:
— أردنا أن تكون مفاجأة.
تعانقا بحرارة، ثم رحب أكريس بالبقية واحدًا تلو الآخر. كان سكان نمير يراقبون المشهد باهتمام، لكن أكثر ما أثار دهشتهم لم يكن وصول القادة أنفسهم، بل الفارق بينهم وبين أكريس؛ كان أكريس، الذي يعتبره الكثيرون أقوى رجال المنطقة، يرتدي ملابس بسيطة كعادته؛ لا حراس، لا عربة فاخرة، ولا مظاهر تدل على مكانته، بينما كان أصدقاؤه القادة يحيط بهم الحراس والعربات والأقمشة الفاخرة.
همس أحد السكان:
— كل هذا لأجل أكريس؟
ابتسم آخر:
— يبدو أن الأمر أكبر مما نعرف.
لم يهتم أكريس بما يقال، كان منشغلًا بالترحيب بأصدقائه، ثم قال أحد القادة:
— علينا أن نتحدث عن الخطة.
أومأ أكريس:
— لنذهب إلى قاعة الاجتماعات.
كانت هناك قاعة في نمير تُستخدم في بعض الاجتماعات المهمة، وقد اعتاد قادة الائتلاف استخدامها عندما يحتاجون إلى مناقشة الأمور بعيدًا عن أعين الناس. بدأ القادة بالتحرك، لكن أدونيس لم يتبع والده فورًا؛ كان قد انتبه إلى أطفال القادة، كانوا يقفون بالقرب من عرباتهم.
نظر أدونيس إليهم، ثم ابتسم وتقدم نحوهم:
— مرحبًا.
لم يرد أحد. توقف أدونيس، وابتسامته لم تختفِ تمامًا، ربما ظن أنهم لم يسمعوه:
— مرحبًا.
هذه المرة نظروا إليه، ثم نظر أحدهم إلى الآخر، وبعد لحظات بدأوا يضحكون. لم يفهم أدونيس السبب، وظل واقفًا أمامهم.
قال أحد الأطفال بصوت منخفض، لكنه لم يكن منخفضًا بما يكفي:
— أليس هذا ابن أكريس؟
أجابه الآخر:
— نعم.
ثم نظروا إليه من جديد:
— هو الذي لا يملك قوة.
ساد صمت قصير، ثم عادوا إلى الضحك. لم يعرف أدونيس ماذا يقول، لم يكن قد اعتاد أن يُنظر إليه بهذه الطريقة؛ ففي نمير، كان الجميع يعرفه، والجميع يعامله كطفل طبيعي، أما هؤلاء... فكانوا ينظرون إليه وكأن هناك شيئًا ناقصًا فيه.
كان أكريس قد بدأ يبتعد مع القادة، لكنه توقف ونظر خلفه؛ رأى أدونيس واقفًا أمام الأطفال، ثم رأى نظراتهم. لم يتغير وجهه كثيرًا، لكنه فهم كل شيء. عاد بخطوات هادئة واقترب من ابنه، وقبل أن يقول أدونيس شيئًا، انحنى أكريس وحمله بين ذراعيه.
تفاجأ أدونيس:
— أبي؟
ابتسم أكريس ثم قبله على خده:
— هيا يا صغير، سنذهب معًا.
نظر أدونيس إلى الأطفال للحظة، ثم وضع ذراعه حول عنق والده. بدأ أكريس يمشي به نحو قاعة الاجتماعات، بينما سار بقية القادة إلى جانبه.
وكان أدونيس صامتًا؛ فللمرة الأولى، بدأ يشعر بأن العالم خارج نمير مختلف قليلًا عن العالم الذي عرفه، وأنه مهما كان الناس يحبون والده... فإن اسم أكريس وحده لن يجعل الجميع ينظرون إليه بالطريقة نفسها. لكن أكريس لم يقل شيئًا، فقط أبقى يده حول ابنه، واستمر في السير.