طيور الحرية

الفصل 2

ما تعنيه القوة

1,040 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

الفصل الثاني — ما تعنيه القوة

​كان أدونيس لا يزال جالسًا تحت النخلة؛ الأوراق القديمة موزعة أمامه فوق العشب بعضها فوق بعض، وبعضها انزلق بعيدًا بفعل الريح. كان يمسك إحداها بكلتا يديه، يقرأ السطور بصمت، ثم يعود إلى السطر نفسه مرة أخرى. قرأه للمرة الثالثة وقطب حاجبيه؛ لم يفهم. قلب الورقة فوجد شيئًا آخر أكثر تعقيدًا، فتنهد بضيق، ثم أعاد الورقة إلى مكانها.

​كان يحب هذه الأوراق، أو ربما كان يحب الشيء الذي تمثله: أسرارًا يعرف أصحابها شيئًا عنها، بينما هو لا يعرف. كان يشعر أحيانًا أن العالم من حوله مليء بأشياء يفترض به أن يفهمها، لكنه لا يعرف من أين يبدأ. رفع رأسه قليلًا؛ كانت الشمس قد بدأت تنخفض، ولون السماء أخذ يتحول تدريجيًا إلى الأحمر، والضوء الذهبي تسلل بين أشجار النخيل والبساتين.

​ثم سمع صوتًا من بعيد:

— أدونيس!

​توقف ورفع رأسه.

— أدونيس!

​عرف الصوت فورًا؛ كان صوت والده، فابتسم دون أن يشعر. جمع الأوراق بسرعة، حاول أن يرتبها، ثم حملها بين ذراعيه وركض باتجاه الصوت. وبعد مسافة قصيرة ظهر أكريس بين الأشجار؛ كان واقفًا على الطريق، ينتظر، وعندما رأى ابنه يركض نحوه، ظهرت ابتسامة على وجهه.

​توقف أدونيس أمامه وهو يلهث قليلًا، فنظر إليه أكريس وقال بنبرة مازحة:

— أين تذهب في هذا الوقت أيها الصغير؟

​نظر أدونيس إلى الأوراق التي يحملها، ثم أخفاها خلف ظهره وابتسم:

— هذا سر.

​ضحك أكريس:

— آه... لقد كبرت الآن، وأصبحت تخفي الأسرار عن أبيك؟

​رفع أدونيس حاجبه محاولًا أن يبدو جادًا:

— ربما.

​هز أكريس رأسه مبتسمًا:

— حسنًا أيها الرجل الغامض، لنذهب إلى البيت قبل أن يحل العشاء؛ أمك ستغضب إذا تأخرنا... مثل المرة الأخيرة.

​لحق به أدونيس:

— حسنًا يا أبي.

​سارا معًا بين البساتين؛ كان الطريق هادئًا، وأشجار النخيل تحيط بهما من الجانبين. وفي بعض الأماكن كان الماء يلمع بين الأشجار، بينما كانت أصوات الطيور تعلو ثم تختفي مع اقتراب المساء. مرّا بعد قليل بجانب شارع يمتد بمحاذاة النهر؛ كان منظر النهر هادئًا، والماء يعكس لون السماء القرمزي.

​ظل أدونيس صامتًا للحظات، ثم رفع رأسه ونظر إلى والده:

— أبي؟

— نعم؟

​تردد قليلًا قبل أن يسأل:

— ما هو شعور أن تكون الأقوى؟

​توقفت خطوات أكريس للحظة، ونظر إلى ابنه:

— ماذا تقصد؟

— أعني... أنت تعتبر الأقوى الآن، أليس كذلك؟ الجميع يحترمك، وأعداؤك يخافون منك... لا بد أن هذا شيء رائع، صحيح؟

​ابتسم أكريس ابتسامة صغيرة، لكنه لم ينظر إلى ابنه، بل ظل ينظر إلى الطريق أمامه:

— أتظن ذلك حقًا؟

— أليس الأمر كذلك؟

​تنفس أكريس ببطء:

— لا.

​نظر إليه أدونيس باستغراب، فقال أكريس:

— أنا لست الأقوى لأنني أمتلك أقوى قوة. وفي الحقيقة، لا أعتبر نفسي الأقوى أصلًا.

​نظر أدونيس إليه باهتمام، فتابع أكريس:

— القوة وحدها لا تجعل الناس يحترمونك يا أدونيس.

— إذن ماذا يفعل؟

​ابتسم أكريس:

— يكفي أن تكون متسامحًا عندما تستطيع، وودودًا عندما يستحق الأمر ذلك، وصارمًا عندما تحتاج إلى أن تكون صارمًا.

​ثم نظر إلى ابنه:

— والأهم... أن تدافع عن مبادئك حتى النهاية؛ عندما يعرف حلفاؤك أنك لن تتخلى عنهم، وأنك لن تتخلى عن مبادئك عندما تصبح الأمور صعبة، سيحترمونك.

​ثم عاد أكريس للنظر إلى الطريق:

— أما عدوك... فلا يكفي أن تجعله يخاف من قوتك.

​نظر أدونيس إليه، فتابع أبوه:

— يجب أن تكون ذكيًا. أن تعرف كيف تخطط، وكيف تحمي نفسك، وكيف تحمي الأشخاص الذين يهمك أمرهم.

​ثم قال بهدوء:

— عندها سيخاف عدوك منك حتى لو لم تكن أقوى شخص في العالم.

​اتسعت عينا أدونيس، وظل ينظر إلى والده للحظات، ثم ظهرت ابتسامة واسعة على وجهه:

— إذن... أستطيع أن أصبح مثلك يا أبي؟

​نظر أكريس إليه، وكانت في عينيه حنان واضح، فابتسم:

— بل ستصبح أفضل مني.

​توقفت خطوات أدونيس للحظة:

— حقًا؟

​ضحك أكريس بخفة:

— بالتأكيد.

​ابتسم أدونيس، ثم عاد يمشي بجانبه بحماس أكبر، وبعد لحظات قال:

— إذن سأصنع سلاحًا أستطيع به هزيمة أي شخص!

​نظر أكريس إليه بطرف عينه:

— سلاح، ها؟

​ضحك أدونيس:

— نعم!

​ابتسم أكريس وهز رأسه:

— سنرى يا صاحب الأسرار.

​واستمرا في طريقهما؛ وبينما بدأت الشمس تختفي خلف الأفق، أخذ اللون القرمزي يزداد في السماء. كان الطريق إلى البيت قصيرًا، لكن أدونيس لم يكن يعرف أن الكلمات التي قالها والده في ذلك المساء ستبقى معه لسنوات طويلة، ولم يكن يعرف أيضًا أن معنى القوة الذي سمعه من أبيه سيكون مختلفًا تمامًا عن المعنى الذي سيكتشفه بنفسه عندما يكبر.

​حل الظلام عندما وصلا إلى المنزل؛ كانت ليسا تنتظرهما، وبجرد أن وقع نظرها على أدونيس، ظهرت على وجهها ملامح الانزعاج:

— أين تذهب في كل مرة في هذا الوقت؟

​خفض أدونيس رأسه قليلًا:

— كنت...

​قاطعته ليسا:

— أتستمتع بجعلي أقلق عليك؟

​ثم نظرت إلى أكريس:

— وهل سأضطر كل مرة إلى إرسال والدك للبحث عنك؟

​ضحك أكريس:

— ليس لدي مشكلة في ذلك.

​نظرت إليه ليسا بنظرة حادة:

— لا تشجعه على ذلك يا أكريس.

​ثم عادت إلى أدونيس:

— ماذا لو حصل لك مكروه؟ أنت لا تستطيع الدفاع عن نفسك.

​صمت أدونيس، وتغيرت ملامح أكريس قليلًا، ثم قال بهدوء:

— أمك محقة.

​ثم وضع يده على كتف ابنه:

— في المرة القادمة لا تبتعد كثيرًا.

​وأضاف:

— وإذا أردت الذهاب إلى مكان ما، أخبرني وسأرافقك.

​رفع أدونيس رأسه:

— حسنًا يا أمي... أنا آسف.

​هدأت ملامح ليسا، وانحنت وقبلته على خده:

— حسنًا، تعال.

​ثم أخذته من يده:

— لقد أعددت لك شيئًا تحبه اليوم.

​رفع أدونيس رأسه بحماس:

— حقًا؟

​ضحكت ليسا:

— نعم، تعال قبل أن يأكله والدك كله.

​نظر أكريس إليها باعتراض مصطنع:

— أنا؟

​ضحكت:

— نعم، أنت.

​دخل الثلاثة إلى المنزل وجلسوا حول المائدة. كان المساء هادئًا؛ تناولوا العشاء معًا، وتبادل أكريس وليسا المزاح بين الحين والآخر، بينما كان أدونيس يستمع إليهما ويضحك. لم يكن هناك جيش، ولا معارك، ولا مخططات، ولا أسرار؛ فقط عائلة صغيرة تجلس حول مائدة واحدة.

​مرت فترة بعد العشاء، ثم ذهب أدونيس إلى سريره؛ استلقى تحت الغطاء، وظل يفكر في كلام والده: "ستصبح أفضل مني". ابتسم، ثم أغمض عينيه ولم يشعر بمرور الوقت.

​وبعد أن غلبه النوم، فتح عينيه قليلًا عندما شعر بحركة بجانبه؛ كانت أمه. جلست إلى جواره، ثم استلقت بجانبه واحتضنته، فظل أدونيس ساكنًا.

​قالت ليسا بصوت هادئ:

— أنا أعرف لماذا تخرج من البيت كثيرًا.

​لم يجب، فوضعت يدها على رأسه:

— تشعر بالوحدة، أليس كذلك؟

​ظل صامتًا، فابتسمت بحنان وشدته إليها أكثر:

— لا تقلق، أنا ووالدك معك دائمًا.

​ثم قبلته على رأسه:

— وسنبقى نحبك مهما حصل.

​أغمض أدونيس عينيه من جديد؛ هذه المرة شعر بالأمان، وبقيت ليسا إلى جواره حتى غلبها النوم أيضًا. خارج المنزل، كانت الريح تمر بين أشجار النخيل، والليل يزداد هدوءًا.