الفصل الخامس — يوم سقوط نمير
ساد الصمت للحظة؛ كان العالم في الخارج لا يزال يتحرك كأن شيئًا لم يحدث. تحركت سعفات النخيل ببطء مع نسمة خفيفة، ومر سرب من الطيور فوق البساتين، بينما كانت أصوات الحياة اليومية لا تزال تتردد في بعض أرجاء نمير.
أما بين الأشجار... فكان أدونيس يركض؛ كان يطارد حشرة يعسوب صغيرة تحلق أمامه، تقترب أحيانًا من الأرض ثم ترتفع فجأة، فيمد يديه محاولًا الإمساك بها. ضحك الطفل ثم قفز، وقبل أن تلمس يداه الحشرة... تجمد في مكانه، واختفت الابتسامة من وجهه واتسعت عيناه. لم يعرف لماذا؛ لم يسمع شيئًا، لم ير شيئًا، لكن شيئًا في داخله أخبره بأن أمرًا سيئًا جدًا قد حدث. تسارعت أنفاسه، نظر حوله، ثم استدار فجأة وركض:
— أمي!
ركض بأقصى سرعته نحو المكان الذي كانت فيه ليسا، لكن عندما وصل... لم يجدها. توقف للحظة، ثم رأى آثار خطواتها في التراب؛ كانت قد غادرت مسرعة باتجاه القرية، وكأنها هي الأخرى شعرت بشيء لا تستطيع تفسيره. لم يتردد أدونيس، وانطلق خلفها.
في القاعة... كان جسد أكريس يوشك على السقوط. كان الدم قد بدأ يثقل ملابسه، وأنفاسه أصبحت متقطعة، لكن شيئًا بقي فيه؛ شيء واحد فقط، آخر ذرة من القوة، آخر ما تبقى من الرجل الذي قضى حياته في القتال.
أحاط جسده بالطاقة، وفي اللحظة التي ظن فيها إيلان أن كل شيء انتهى... استدار أكريس. لم تكن الحركة كاملة، ولم تكن قوته كما كانت، لكنها كانت كافية؛ اندفعت قبضته نحو صدر إيلان واصطدمت به بقوة هائلة، فاخترقت الضربة حاجز طاقته، وانفجرت القوة عبر جسده.
تراجع إيلان بعنف وصرخ، ثم سقط إلى الخلف وهو يضغط على صدره. أما أكريس... فلم يعد يملك شيئًا؛ سقط جسده بثقل على الأرض، وارتطم بالطاولة للحظة قبل أن يستقر على الأرض، وكأن كل شيء فيه قد انطفأ.
صرخ إيلان وهو يحاول معالجة نفسه؛ كانت الطاقة تحيط بجسده، لكنها كانت ضعيفة، بطيئة، ولم تستطع إيقاف ما حدث. رفع رأسه نحو بقية القادة وصاح بأعلى صوته:
— ما بكم أيها الحمقى؟! افعلوا ما خططنا له!
ساد الصمت ولم يتحرك أحد للحظات، ثم... تحرك أحدهم واتجه بسرعة نحو الباب، وعندما خرج إلى الحراس الواقفين في الخارج، صاح:
— هيا! نفذوا ما أُمرتم به!
كانت تلك الجملة الصغيرة كافية لتكشف الحقيقة؛ لم تكن خيانة إيلان لحظة غضب، ولم يكن طعن أكريس قرارًا اتخذه في تلك اللحظة؛ كان كل شيء مخططًا له من البداية.
في الخارج... بدأت الحركة؛ أُخذت عائلات القادة بعيدًا عن نمير بسرعة، فالعربات التي وصلت في الصباح غادرت القرية، واختفى الأطفال، واختفت الزوجات، واختفى الحراس الذين جاءوا مع القادة.
ثم... بدأ شيء آخر بالظهور؛ جنود، أعداد كبيرة من الجنود ظهروا من الطرق المحيطة بنمير، ثم انتشروا حول القرية. أعلام الهيئة العليا ظهرت بين صفوفهم، فأُغلقت الطرق وأُحيطت المداخل، ولم يكن وجود هذا العدد من الجنود يعني أنهم جاؤوا لاعتقال شخص واحد؛ كانوا قد جاؤوا من أجل نمير كلها. كانت حملة معدة مسبقًا، حملة لم يكن الهدف منها السيطرة على القرية... بل محوها.
كانت ليسا تركض؛ لم تكن تعرف كيف وصلت إلى قاعة الاجتماعات بهذه السرعة. كانت خطواتها متعثرة وأنفاسها متسارعة، لكنها لم تتوقف؛ كان هناك شيء يدفعها إلى الأمام. وعندما وصلت إلى القاعة... توقفت، ولم تعد تسمع شيئًا. كان الباب مفتوحًا، وكان الجنود الذين كانوا يقفون حوله قد غادرت لإيصال الأوامر إلى الجيش المنتشر خارج القرية.
دخلت ليسا خطوة واحدة ثم توقفت؛ اتسعت عيناها وانفتح فمها قليلًا ولم تتحرك. لم تنظر إلى القادة، لم تنظر إلى إيلان، لم تنظر إلى الخرائط؛ كانت عيناها معلقتين بشخص واحد: أكريس. كان ملقى على الأرض، ساكنًا، بلا حركة.
لم تستطع ليسا أن تستوعب الصورة، وكأن عقلها رفض الاعتراف بما تراه عيناها. مرت ثانية، ثم ثانية أخرى، وفجأة... خرج صوت من أعماقها:
— أكرييييييييس!
كان صراخها عاليًا إلى درجة أن القادة أنفسهم ارتبكوا. وفي الخارج... سمع أدونيس الصوت، فتوقف ثم ركض:
— أمي!
دخل القاعة ورأى والدته؛ رآها واقفة للحظة أمام جثة والده، ثم انهارت قدماها وسقطت على الأرض. كان جسدها يرتجف، وعيناها لا تفارقان أكريس؛ لم تكن تبكي حتى، لم تكن قادرة على البكاء، كان المشهد أكبر من قدرتها على استيعابه.
اقترب أدونيس:
— أمي؟
لم تجبه، فاقترب أكثر:
— أمي... ماذا حدث؟
لم يسمع جوابًا، ثم نظر إلى الأرض ورأى والده، فتجمد ولم يفهم. ركض نحو ليسا، ثم عاد بنظره إلى أكريس:
— أبي؟
لم يتحرك أكريس. اقترب أدونيس خطوة:
— أبي...
لم يحصل على إجابة. بدأت الدموع تتجمع في عينيه، لكن ملامح وجهه بدت وكأنها تحجرت؛ لم يستطع عقله أن يفهم أن الرجل الذي حمله قبل قليل، والرجل الذي قبّله على خده، والرجل الذي قال له إنه سيصبح أفضل منه... كان أمامه الآن ولا يجيب.
قال إيلان بصوت متعب:
— تخلصوا منهما.
رفع أحد القادة يده واندفع نحو ليسا، لكن في اللحظة التي اقترب منها... انفجرت طاقة خضراء فاتحة حول جسدها. كانت هالتها مضيئة إلى درجة أن القاعة بأكملها غمرها الضوء؛ احتضنت أدونيس، وفي اللحظة نفسها امتدت طاقتها نحو يد القائد، فتوقفت حركته ثم انطلقت صرخة منه:
— ذرااااعي!
تراجع وكانت يده قد انفصلت عنه. سقط أدونيس بين ذراعي أمه وهو يرتجف، لكن لم يمنحهم ذلك سوى لحظات؛ فقد ظهر قائد آخر، وكانت حركته أسرع. رفع يده وانطلقت طاقته، فلم تمنح ليسا وقتًا كافيًا؛ أُغلقت قوتها فجأة، واختفت الهالة الخضراء، ثم اخترقها النصل فشهقت. تجمد أدونيس بين ذراعيها ونظر إليها وهو لا يفهم:
— أمي؟
سقطت ليسا، وبقي أدونيس ممسكًا بها.
صرخ أدونيس؛ كان صوته مختلفًا هذه المرة، لم يكن صوت طفل خائف، كان صوت طفل لم يعد يفهم العالم. اندفع نحو القائد وبدأ يلكمه بيديه الصغيرتين؛ مرة، ثم مرة أخرى، ثم أخذ حجرًا من الأرض ورماه نحوه.
لم تؤثر ضرباته، ولم تستطع يداه الصغيرتان فعل شيء؛ دفعه القائد بعيدًا فسقط أدونيس على الأرض، ثم نهض وركض نحوه من جديد. ركله القائد فطار جسده الصغير بعيدًا، لكن أدونيس عاد:
— اترك أمي!
لم يجب أحد.
— اتركها!
عاد مرة أخرى، لكن لم يكن هناك ما يستطيع طفل في السابعة من عمره، بلا قوة، أن يفعله أمام مقاتلين من هذا المستوى. خرج القادة من القاعة، وكان الجنود قد بدأوا الانتشار في القرية؛ أصوات الصراخ بدأت تصل من الخارج، أصوات لم يكن أدونيس يفهمها.
صرخ أحد القادة:
— دعونا ننهي الأمر.
لكن إيلان، الذي كان لا يزال يضغط يده على صدره، أوقفه:
— توقف.
نظر إليه الرجل:
— أنت من طلبت التخلص منهما.
قال إيلان:
— اتركه.
— لماذا؟
نظر إيلان إلى أدونيس، وكانت عيناه تحملان احتقارًا واضحًا:
— لأنه لا يملك قوة.
ثم ضحك رغم الألم:
— لا أصدق أنه ابن أكريس؛ حثالة بلا قوة.
كان لا يزال ينزف، ويستند إلى كتف أحد القادة. نظروا إلى أدونيس، ثم ابتعدوا.
لم يفهم أدونيس معنى كلماتهم، ولم يهتم بها؛ ركض خلفهم:
— ارجعوا!
لم يلتفتوا.
— أمي!
ركض أكثر:
— أبي!
استمروا في الابتعاد. حاول اللحاق بهم لكنهم كانوا أسرع؛ دفعه أحد الجنود فسقط، فنهض وركض من جديد. أبعدوه فعاد، هددوه فعاد، سقط فنهض؛ كان شيء واحد فقط يملأ رأسه: أمه وأبوه. ثم توقف ونظر إلى القادة وهم يبتعدون، وتذكر كلمات والده: «ستصبح أفضل مني». بدأت دموعه تنهمر، ثم استدار وركض عائدًا.
عاد إلى القاعة؛ كانت ليسا لا تزال هناك، وأكريس... كان في مكانه. اقترب أدونيس من والده، جلس بجانبه، ثم هزه بيده:
— أبي؟
لا إجابة. هزه مرة أخرى:
— أبي، استيقظ.
لا إجابة. وضع يده الصغيرة على كتفه:
— أبي...
ثم نظر إلى جرحه، ولأول مرة... بدأ يفهم؛ لم يكن والده مصابًا فقط، لم يكن ينتظر أن يستيقظ، كان قد رحل.
ارتجفت شفتا أدونيس، ثم انهار وبكى؛ بكى بطريقة لم يبكِ بها من قبل، لكن لم يكن هناك أحد ليحتضنه. كانت أمه عاجزة عن الحركة، وكان أبوه لن يفتح عينيه مرة أخرى.
وفي الخارج... اشتعلت نمير؛ ارتفعت ألسنة اللهب بين البيوت، وتعالت صرخات النساء، صرخ الأطفال، وانتشر الجنود في الأزقة. لم تكن معركة، لم تكن مواجهة، كانت إبادة؛ كان الجيش يقتل كل من يمكنه أن يشهد على ما حدث. وبينما كان أدونيس جالسًا بجانب والده، كان عالمه كله يحترق خارج القاعة.
مر وقت؛ لم يعرف أدونيس كم مر منه، ربما دقائق، ربما ساعات؛ لم يعد الزمن يعني شيئًا. كان يجلس بجانب جثة أبيه، ينظر إليها، ثم ينظر إلى والدته، ثم يعود إلى أبيه؛ كان عقله يرفض قبول الحقيقة، لكن شيئًا داخله كان قد عرفها؛ لقد فقد كل شيء.
رفع رأسه ونظر إلى القرية المدمرة؛ إلى النار، إلى الجثث، إلى المكان الذي كان قبل ساعات فقط عالمًا آمنًا بالنسبة إليه. ثم خرج صوته ضعيفًا في البداية، ثم ارتفع ومسح دموعه بيده:
— أقسم... أقسم أنني سأقتلكم جميعًا.
كانت الكلمات خارجة من طفل، لكنها لم تكن كلمات طفل غاضب؛ كانت كلمات طفل فقد عالمه بالكامل:
— أقسم أنني سأقتلكم جميعًا!
ثم ساد الصمت. نظر أدونيس إلى السيف الذي بقي ملقى على الأرض؛ كان هو السيف نفسه الذي اخترق جسد والده. حدق فيه طويلًا، ثم مد يده؛ لم يعد يفكر في الانتقام، لم يعد يفكر في المستقبل، لم يعد يفكر حتى في نفسه، كان يريد فقط أن ينتهي الألم.
رفع النصل بيدين مرتجفتين، وأغلق عينيه. لكن قبل أن يحدث شيء... ظهر خلفه شيء عند باب القاعة؛ ظل أسود. لم يكن صوتًا، ولم يكن شخصًا يمكن تمييز ملامحه؛ كان مجرد سراب مظلم يقف في المدخل، ثم تحرك. وفي لحظة واحدة... امتدت ظلاله نحو أدونيس.
وبقيت جثة أكريس خلفه... ساكنة، والنيران تشتعل خارج القاعة. وفي تلك اللحظة... انتهى عالم أدونيس القديم، وبدأ شيء آخر