عصر الرماد

الفصل 3

أجوف

884 كلمة · 4 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

​— هل ما زلت تخشاني؟...

انبعث الهمس البارد كأنفاس الجليد خلف أذنه، فارتجف بدن أوس وضاعت الكلمات في أزقة حنجرته:

— مـ... من أنت؟...

تعالت ضحكة خافتة متهدجة تفيض بالسخرية والبرود:

— ههه، ألم تعلم بعد؟ أنا أنت!

تراجعت خطى أوس المرتعدة وشحب وجهه وهو يتلعثم بصرخة مبحوحة:

— أـ.. أـ.. ماذا؟ ماذا تقول؟! تلك الوساوس مرة أخرى!

اتسع نطاق الهمس وظل يتردد في أعماق خياله كأنه صدى يمزق السكون:

— ههه، عن أيما وسواس تتحدث؟ أنا واقعٌ... أنا واقعك! يمكنك محاولة عدم تصديقي وإخفائي، لكنك لا يمكنك محوي!

أغمض أوس عينيه بوهل، واعتصرت حواسه صدمة مكبتة، وصاح بتلعثم ملتاث:

— إااانها تلللك الوااساوس منذ طفولتي! إنه أنت... أنت شيطان!

تردد الصمت للحظة، قبل أن يأتيه الرد بنبرة لا تحمل أدنى مبالاة:

— ... من يدري؟

​تعود به الذاكرة عبر دهاليز الزمان إلى ما قبل عشر سنوات... عندما كان أوس طفلاً غضاً في العاشرة من عمره.

​في منتصف الليل، فوق قمة الجبل الشامخ، كان الصبي أوس مستلقياً يطالع السماء. ورغم خوفه المتأصل من التحديق الممتد في المدى العالي، إلا أنه سُحر هذه الليلة بمنظر النجوم اللامعة، وضوء القمر المنساب، ونسيم الجبل العليل. كان يتمتم بين الحين والآخر لصخرته الصامتة "أرك"، يصف لها جمال النجوم بتلعثم طفولي. لكن سر أنسه الحقيقي ومصدر أمانه لم يكن النجوم، بل وجود عمه "عُباب" على مسافة ليست ببعيدة، يجلس مع أخيه الصغير ينقل إليه من خبرته وحكمته.

​ورغم تلك الأجواء الساحرة، لم يكن في وسع أوس أن يذوق الراحة الكاملة؛ إذ كان ثمة شعورٌ مقموع في أعماق صدره، يشبه الخوف القابع تحت الرماد. وفجأة... تحولت الليلة الملاكية إلى كابوسٍ مروع، دعاه أوس حينها بـ "حلم يقظة".

​كأنما امتدت يدٌ خفية وغطت عينيه بالظلام الدامس؛ انمحت النجوم، واختفى ضوء القمر، ولم يعد يرى شيئاً على الإطلاق. ومن طبيعة أوس في المواقف الصادمة أنه يتسمر في مكانه ولا يتصرف إلا بتلقائية شديدة، لكنه هنا تمسمر كالصنم، ليخترق مسامعه صوتٌ ثقيل يثلج جسده ويثقل بدنه:

"أنا نصفك الآخر... أنا أنت."

​انطلقت من حنجرة أوس صرخة رعبٍ مزقت سكون الليل. أسرع إليه عمه عُباب مهرولاً بملامح يملؤها القلق ويسأله عما يحدث، فلم يرَ على وجه الصبي سوى عرَقٍ يتدفق بغزارة ووجهٍ شاحب كمن صعقته الصاعقة. أقبل الأخ الأصغر هو الآخر ليطمئن على أخيه، غير أن عُباب سارع بأخذ الصغير إلى المنزل، ثم عاد مسرعاً إلى أوس كأنه خرج من الماء للتو.

​سأل عُباب أوس بوجوم عما رآه، فرد أوس بجملة واحدة مشحونة بالرعب:

— شيطان... سمعت صوته!

​صدم عُباب لوهلة وساد الصمت، قبل أن تعتلي عينيه برقةُ فرحةٍ خفية لم يلاحظها الصبي. ثم التفت إلى أوس، مستغلاً خوفه المذعور وتفكيره الطفولي، ليخبره بثبات أن ما رآه ليس إلا محض "حلم يقظة"، وحذره بصرامة ألا يخبر به أحداً أبداً، حتى لا يتحول ذلك الحلم إلى حقيقة. استقر الرعب في قلب أوس الصغير، وكتم الأمر في أعماقه خوفاً من تجسده.

​ومن ذلك الموقف القديم، يعود الزمن ليلتئم في الحاضر... بعد مرور عشر سنين.

​كان وجه أوس يبدو كقطعة ثلجٍ باردة ملقاة فوق الرمال. اقترب منه عُباب بخطى هادئة وسأله عن تقدمه في التدريبات، لكن بمجرد أن وقعت عيناه على ملامحه المنكسرة وشحوبه القاتل، سأله بنبرة عارفة:

— نفس الحلم؟

​هز أوس رأسه بالإيجاب دون أن ينطق بحرف.

​تلقى عُباب الإجابة بوقار، ثم استلقى بظهره على الأرض الترابية، ونظر إلى السماء وقال:

— دعنا نرفه عن بعضنا البعض...

سأحكي لك رواية عن أخوين كانا لا يفترقان عن بعضهما البعض سوى في الخصام، والخصام لا يدوم بينهما سوى لدقائق. كانا من عائلة غنية، فهما أولاد الملك والأميران الشرعيان للحكم. كان أحد الأخوة أكبر من أخيه بأربع سنوات، ولذلك فهو الملك القادم. كان كل منهما من أم مختلفة، لكن ذلك لم يكن يعني لهما شيئاً... غير أنه كان يعني الكثير لأم الأخ الأكبر؛ إذ كانت لا تطيق سيرة الأخرى لا بخير ولا بشر.

​تابع عُباب بصوت خفيض:

— ظلت تلك المرأة تكيد وتصنع الحيل حتى طلق الملك الزوجة الثانية وطُردت من القصر، رغم أن لها ولداً من المفترض أن يكون ملكاً في يوم من الأيام وأن تبقى إلى جانبه. لكن تلك المرأة ظلت تكيد خلفها حتى ماتت الأخيرة مظلومة ومقهورة على حالها وحرمانها من رؤية ولدها... ومن هنا بدأت التفرقة عند الملك.

​تنفس عُباب عميقاً وأكمل:

— وبعد مرور بعض السنين، تزوج الأخ الأكبر مرة واثنتين، وبقي الأخ الأصغر على حاله يفكر فيما مضى. لكن في ليلة وضحاها، تغيرت حالة الملك إلى إعياء شديد جداً، وبعد أيام ليست بكثيرة مات على فراشه... موتة البعير.

​واصل عُباب سرد كلماته الهادئة:

— وبعدها انتقل الحكم إلى الأمير الأكبر. ظلت علاقة الأخوة، لكنها لم تعد مثل البداية؛ فقد ظهرت ملامح الكبر على وجه الأخ الأكبر، ومن خلفه أمه التي لا تترك ثغرة حتى تلقي اللوم عليه. وعلى الجانب الآخر، وكأن الزمن يعيد نفسه، امرأة الأمير ظلت توسوس له من ناحية زوجته الثانية وتلقي الحيل لها حتى تضع الحجج أمام الملك، ولم يجد الملك نفسه سوى وسط صراعات داخلية من هنا وهناك، حتى أمر في النهاية بنفي أخيه وزوجته وأطفالهما إلى مكان خارج الجزيرة لا يريد حتى معرفته، ليحسب أنه سيلقى الراحة البال من وراء فعلته.

​أفاق أوس من غفلته واندماجه مع القصة، وقاطع عُباب متسائلاً:

— وهل ما زال الأمير الصغير فاراً؟ أقصد... أما زال حياً؟

​رد عُباب وهو يتطلع نحو المدى البعيد:

— من يدري... لعله حي البنية، ميت الفوائد منذ زمن!

​ثم أردف عُباب موجهاً حديثه لأوس بجدية صلبة:

— وإن عادت لك تلك الوساوس، فلا تستمع لها... إلى أن يلقى الجميع حتفه منا.

​اتسعت عينا أوس وقطعه بدهشة:

— ماذا تقصد؟

​شخصت عينا عُباب نحو السماء، ورد بخفت وتبسيط:

— لا أعلم... ربما عقلي بدأ يخرف مع الزمن.