عصر الرماد

الفصل 2

همسة

1,180 كلمة · 6 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

و نجد أنفسنا مرة أخرى في مملكة الضوء، لكن هذه المرة ليس في غرفة الملك، بل في زنزانة الأمير الصغير دلهام.

كان دلهام يحاول إبقاء عينيه مفتوحتين، ولو لوقت قصير، بسبب شدة الضوء المبالغ فيها داخل الزنزانة. كانت عيناه بالكاد تحتملان ذلك السطوع، ومع ذلك ظل يقاوم إغلاقهما.

وما إن لاحظ ابتعاد الحرس قليلًا عن الزنزانة، حتى بدأ يحاول تحرير قيوده.

لكن دون جدوى.

أخذ يحك أصفاده ببعضها، محاولًا إيجاد أي نقطة ضعف فيها. سرعان ما انتبه الحرس إلى ما يفعله، إلا أنهم لم يبدوا أي قلق؛ فهم يعرفون قوة تلك الأصفاد، ويعلمون أنها لن تسمح له بالفرار بسهولة.

لكن...

وبينما كان دلهام يواصل محاولاته، ظهرت شرارة خافتة بين الأصفاد.

توقفت عيناه عندها للحظة.

ثم التقت الشرارة بالضوء الشديد المحيط به.

وفي لحظة واحدة، انطلقت لسعة برق تحت قدميه، أعقبها صوت مرتفع دوّى في أرجاء الزنزانة.

سارع الحرس إلى الداخل ليروا سبب الصوت.

لكن ما رأوه جعلهم يتجمدون في أماكنهم.

لقد اختفى الأمر...

وكأنه لم يوجد من الأساس.

لم يبقَ شيء يدل على ما حدث، سوى ندبة داكنة خلفتها ضربة البرق على الأرض.

لم يتردد الحرس، وانطلقوا مسرعين نحو غرفة الملك لإخباره بما حدث.

وبعد أن وصل الخبر إلى الملك غالب والأميرين، ارتسمت على وجه الملك نظرة حيرة واضحة.

أما الأمير الأكبر، فظهرت في عينيه فرحة خفية، دون أن تتغير ملامح وجهه.

بينما بدا الأمر وكأن الخبر قد نزل على رأس الأمير الأوسط، راشن، كالصاعقة.

عضّ راشن على شفتيه.

فالشيء الذي حاول قمعه في غرفة الضوء...

انقلب عليه الآن بنتيجة عكسية.

وقطع حبل أفكاره صوت الملك غالب:

— ما معنى هذا إذًا يا راشن؟ ألم تخبرني أنك، حين كنت في البُعد الآخر، استشعرت قوى الديجور في أخيك دلهام؟ ماذا تفسر هذا الآن؟

رفع راشن عينيه إليه، ثم أجاب:

— لدي تحليل للموقف. أولًا، أنت محق في أنني أخطأت في تحديد قواه. وثانيًا... من الواضح أنه لم يهرب إلى بُعده الخاص.

توقف لحظة، ثم تابع:

— أو أنه أيقظ قوته بنفسه، بل إنه... تم إستدعاؤه.

وقبل أن يكمل كلامه، قطعه صوت الملك مرة أخرى.

— جهزوا أسطول البحرية، وحددوا موقع الجزيرة الآن. سنذهب لاستعادة الولد الأصغر قبل أن تحدث المزيد من المفاجآت.

ثم نظر إلى راشن وأضاف:

— وستكون أنت ضمن الحملة.

ساد الصمت للحظة.

ثم قال الملك غالب:

— وأنا من سيقودها.

ويتأرجح بنا المشهد إلى مكان مظلم، تنبعث منه هالة تبعث الوحشة في النفس.

وهناك...

نجد الأمير دلهام ملقى على الأرض، في حالة بدنية سيئة.

رفع رأسه بصعوبة.

لكن شيئًا في الظلام خطف نظره وجمّد أعصابه.

شيء هناك...

كان ينظر إليه.

عينان زرقاوان كبيرتان تحدقان به من قلب الظلام، بينما كانت ومضات خافتة من البرق تضيء ما يحيط به.

ظل دلهام يحدق فيه للحظات...

ثم سرعان ما فقد وعيه مرة أخرى.

لنذهب

وينتقل بنا المشهد إلى الجزيرة، حيث الكوخ الذي استوطنه العم.

كان يجلس في صمت، شارد الذهن، وبجواره ابن أخيه الأصغر، الذي لم تفارقه آثار الصدمة والحزن منذ رحيل أمه. ظل الصمت بينهما لبعض الوقت، حتى قطعه الصغير بصوتٍ خافت:

— من هؤلاء الناس الذين قتلوا أمي؟ وما علاقتك بهم؟

رفع عمه عينيه إليه، لكنه لم يجب.

ظل ينظر إليه لبرهة، وكأن الكلمات التي في رأسه أثقل من أن تُقال. ثم زفر ببطء وقال:

— بعض المعلومات... عدم معرفتها أفضل.

ظل الصغير ينظر إليه، وكأنه ينتظر المزيد، لكن عمه تابع بصوت أكثر جدية:

— خصوصًا إن كنت تخاف على أخيك ولا تريد أن تخسره أيضًا.

ساد الصمت للحظات.

لم يكن العم يريد أن يزيد خوفه، لكنه أراد أن يردعه عن تكرار السؤال، على الأقل في الوقت الراهن.

ثم قال:

— إن كنت تخاف على أخيك، فلا تبحث عن إجابة قد تجعلك تخسره. أما أنا... فلا يهمني ما قد يحدث لي.

لم يجب الصغير.

كان يعرف عمه أن خوف المرء على أخيه لا يضاهيه خوف آخر، وأن فقدان شخص عزيز مرة واحدة قد يجعل احتمال فقدانه مرة ثانية أمرًا لا يحتمل.

نهض العم بعد ذلك، وخرج من الكوخ دون أن يضيف شيئًا.

مشى في هدوء، مبتعدًا عن البيت، واتجه نحو الجبل. كان الليل قد بسط عباءته على الجزيرة، والسماء امتلأت بالنجوم.

واصل الصعود حتى بلغ القمة.

وهناك وجد ابن أخيه الأكبر مُلقى على الأرض، يحتضن صخرة كبيرة كما لو كانت أمه.

لم يفاجأ العم من رؤيته على تلك الحال؛ كان يعرف خوف أوس من النوم في الأماكن المفتوحة، ويعرف أنه اعتاد، كلما نام، أن يدير ظهره إلى حائط أو يحتضن شيئًا يجعله يشعر بالأمان. حتى أصبح الأمر رد فعل لا إراديًا يفعله دون أن يشعر، حتى وهو غارق في النوم.

مأساة...

جعلت البطل يهرب من اتساع العالم إلى أقرب جسم صلب، ليبحث فيه عن أمان لم يعد يجده في أي مكان آخر.

جلس عُباب بجانبه، ولم يحاول إيقاظه أو إزعاجه. اكتفى برفع عينيه نحو السماء، وبقي إلى جواره في صمت.

ومرت بعض الوقت قبل أن يستيقظ أوس.

فتح عينيه، فوجد عمه بجانبه يطالع السماء، لكن وجهه كان يحمل آثارًا واضحة للبكاء.

ظل أوس ينظر إليه للحظات، ثم سأله:

— هل كنت تبكي يا عمي؟

لم يلتفت عُباب إليه، وأجاب بهدوء:

— لا... إنها آثار الرطوبة.

مرت الأيام التالية بهدوء، حتى انقضت ثلاثة أسابيع.

ظل أوس يختلي بجلساته فوق الجبل، يستنشق هواءه النقي ويتأمل البحر الممتد أمامه. لكن هذه المرة، لم يصعد إلى الجبل للراحة.

كان يتدرب.

وسط حقل من أزهار الساكورا، وقف أوس تحت شمس العصر الذهبية، بينما انعكس ضوؤها الخافت على أمواج البحر. كانت نسمات الهواء تمر بين الأشجار وتحرك خصلات شعره الأبيض، فيرفع يده بين الحين والآخر ليزيحها عن عينيه.

كان يمسك سيفًا ثقيلًا بكلتا يديه.

رفع السيف فوق رأسه، ثم هوى به بكل قوته.

ضربة.

ثم أخرى.

وأخرى.

حتى بدأ تنفسه يثقل.

أخيرًا، أوقف التدريب وأسند السيف إلى جواره، ثم جلس تحت ظل شجرة قريبة من صخرته المعتادة.

أوس:

"هففف... التدريب البدني أصعب مما تخيلت."

نظر إلى السيف الثقيل الملقى بجانبه.

أوس:

"لكن يبدو أن له فائدة فعلًا. عندما أستخدم سيفي المعتاد أشعر أن التحكم به أصبح أسهل... وسرعة حركتي تحسنت أيضًا."

استلقى على الأرض، وأسند رأسه إلى الصخرة، محاولًا أن يستعيد أنفاسه.

كانت حرارة الشمس قد أرهقت جسده، والعرق لا يزال يتساقط من جبينه.

أغمض عينيه للحظات.

ثم حرّك يده بحثًا عن وضع أكثر راحة.

توقفت يده.

فتح أوس عينيه.

كان هناك شيء غريب.

أو بالأحرى... لم يكن هناك شيء.

حرك أصابعه قليلًا.

شعر ببرودة تسري في أطرافها، وكأن يده لم تستند إلى التراب، بل مرت خلال فراغ بارد.

رفع يده بسرعة ونظر إلى المكان.

لم يجد شيئًا.

لا حفرة.

لا شقًا في الأرض.

لا شيء.

ظل يحدق للحظات، ثم حرّك ذراعه.

أوس:

"ربما خَدِرت ذراعي من شدة التدريب..."

عاد ليستلقي.

لكن بعد لحظات قليلة، وضع يده الأخرى على الأرض.

تجمد.

نفس الإحساس.

برودة شديدة.

وفراغ.

سحب يده بعنف ونهض واقفًا.

كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وملامحه قد تغيرت.

حاول أن ينظر إلى الأرض مرة أخرى.

كانت طبيعية.

كما كانت دائمًا.

مد يده ببطء.

تردد لحظة.

ثم وضع كفه على التراب.

هذه المرة...

كان كل شيء طبيعيًا.

ظل أوس ساكنًا.

أنزل عينيه إلى يده.

أوس:

"...حلم يقظة؟"

ساد الصمت.

لم يسمع سوى صوت الأمواج البعيدة، ونفَسه المتقطع.

ثم...

تحرك الهواء خلفه.

توقفت أنفاس أوس.

كان هناك شيء قريب منه.

شيء يقف خلفه.

لم يلتفت.

ازداد صوت دقات قلبه حتى بدا وكأنه يطغى على صوت البحر.

دق...

دق...

دق...

ثم جاءه صوت من خلف رأسه.

صوت ناعم...

لكنه حمل شيئًا باردًا جعل جسده يقشعر.

الصوت:

"هل ما زلت لا تتقبلني؟"

تجمد أوس.

لم يستطع أن ينطق.

اقترب الهمس من أذنه.

الصوت:

"هل ما زلت تخشى ظلالك؟"