شرنقة وسقوط
في جزيرةٍ عائمةٍ تتوسط المحيط الشاسع، حيث لا تلمح العين حولها أي يابسة، تمضي الأيام ويتكرر المشهد؛ أوس يجلس فوق قمة الجبل كعادته. يومٌ يذهب وآخرُ يجيء، وحال الأمس يتماثل تماماً مع اليوم والغد بالنسبة له، لا يفيقه من أحلام يقظته الممتدة سوى صوت أخيه الصغير وهو يناديه من أسفل:
أوس، انزل من هناك! أمي قد أعدت الفطور، هيا بنا.
رد أوس وهو يحرك رأسه بتمهل:
نعم نعم، أنا قادم للفطور.
في الأسفل داخل المنزل، كان الأخ الأصغر يتحرك بنشاط قائلاً:
سأساعدكِ يا أمي.
ابتسمت الأم بدفء ورقة:
هذا لطف منك يا بني.. صحيح، هل ناديت أخاك لتناول الفطور؟
نعم لقد فعلت، وسيأتي في أي لحظة.
دقائق ودخل أوس من الباب أليفاً ومتردداً كعادته:
السلام عليكم، لقد عدت.
ردت الأم بابتسامة حنون:
وعليكم السلام، تعال اجلس لتناول الإفطار معنا.
أجابها أوس بصوت هادئ:
حاضر.
وبعد الانتهاء من طعام الإفطار، نهض الأخ الأصغر وقال:
سأخرج للجلوس مع أصدقائي لبعض الوقت، وسأجلب الحطب في طريق عودتي.
علقت الأم باهتمام:
حسناً، لكن اعتَنِ بنفسك.
وأضاف أوس متفقداً:
لا تتأخر.
رد الصغير وهو يغادر:
حاضر.
بقي أوس جالساً في الصمت للحظات، ثم أخرج زفيراً خافتاً:
همممممم... أمي، لمَ تعتنين بي حتى الآن؟
اتسعت عينا الأم باستغراب ودهشة:
!! ماذا تقول؟ هل أنت نعسان أم ماذا؟ أليس هذا واجبي كأمك؟ دافع الحب والاحتواء هو ما نقدمه لأبنائنا.
نظر أوس إلى الأرض ونطق بصوت مشحون بالشك والتردد:
وهل ترين أنني شخص يستحق ولو ابتسامة منكِ؟ أقصد... ماذا أفعل لأستحق ما أنا فيه؟ أجلس طوال الوقت إما في المنزل أو في أغلب الأحيان فوق الجبل، وجودي مثل عدمه.
تأثرت الأم بكلامه واقتربت منه بنبرة حازمة ومليئة بالعاطفة:
ماذا تقول؟! كيف لوجودك أن يكون مثل عدمه؟ ما معنى حياتي بدونك أنت وأخيك؟ أنتم كل ما أملك، بقاؤك بجانبي لوحده يكفيني لأبقى سعيدة.. أم أنك تريد أن تبكيني؟
تقدم أوس ببطء، وأمسك بيد أمه ورَفَعَها إلى شفتيه ليقبلها بامتنان عميق:
لا أستحق الحياة لو أبكيتُكِ يوماً يا أمي.
وفي تلك اللحظات نفسها، على الجانب الآخر من العالم، في مكان يُدعى "مملكة الضوء"، كان جوف الليل يخيّم قبيل بزوغ الفجر في جوٍ قارص البرودة.
داخل قصرٍ ملكيٍّ أبيض الجدران، شُيِّد بإضاءة صارخة ومفرطة لحد الجنون حتى لا يكاد مقدار كفٍّ فيه يخلو من الضوء، نلج إلى غرفة القيادة؛ غرفة الملك غالب. كان الملك جالساً يتكئ بيده تحت وجهه في صمتٍ ثقيل، وبجانبه على يمينه يقف ابنه الأوسط، القائد الأعلى لجيش المملكة. وعلى يساره ابنه الأكبر، كاتبه والمخطط الاستراتيجي للمملكة، وبجواره أخوه الأصغر متكئاً بظهره على الحائط.
قطع هذا الصمت الثقيل صوت طرقاتٍ متتابعة على الباب، وما هي إلا لحظات حتى دخل الرسل على الفور، وكأن هذا الحدث هو ما كانت تنتظره الأسرة الحاكمة بفارغ الصبر.
تقدم أحد الأفراد الذين دخلوا الغرفة، وأطرق رأسه مع الجميع إجلالاً وهو يلقي التحية على الملك، ثم أردف بنبرة حاسمة يزف بها الخبر:
لقد وجدنا ما كنا نبحث عنه.. لقد وجدنا "جزيرة القموع".
أومأ الملك إيماءة خفيفة وآمر هادئة:
أكمل تقريرك.
تابع الرجل توضيحه:
سبب عدم إيجادنا لها طوال هذا الوقت هو أن تلك الجزيرة تسبح في وسط المحيط ولا ترسى في مكان، بل تتحرك طوال الوقت، وكلما تأخر الوقت كانت قد ابتعدت أكثر عن موقعها.
رفع الملك يده بإشارة خاطفة فصمت الرجل على الفور. عدّل الملك جلسته بوقار وثبات، ثم قال بصوت عميق:
إذن، ها نحن الآن نبدأ.. ها نحن الآن سنحمي المملكة.
ثم التفت بنظراته قائلاً للقائد الأعلى دون أن يدير رأسه اتجاهه كلياً:
قبل كل شيء، خذ أخاك الأصغر إلى غرفة الاحتجاز، ومن ثم عُد.
وبدون أن ينطق بإجابة، اختفى القائد الأعلى في لمح البصر كأنما حجبته طاقة سحرية خاطفة، واختفى معه الأمير الأصغر في نفس اللحظة.
وفي غضون ثوانٍ، ننتقل للأسفل لنراهما داخل زنزانة ناصعة الضوء؛ لم يكن البياض وحده ما يغمر المكان، بل حتى الأصفاد كانت تشع بضوءٍ باهر. وبعد أن ألقاه القائد الأعلى فيها، اختفى مجدداً بنفس الطريقة الخاطفة. كانت ملامح الأمير الأصغر هادئة وثابتة، لم يبدُ عليه أي اندهاش أو مفاجأة، وكأنه كان ينتظر حدوث ذلك منذ البداية.
بالعودة إلى غرفة الملك، استأنف الملك حديثه بحزم قائلاً:
في هذه الأثناء، شكلوا فرقة اغتيال يقودها القائد الأعلى للجيش لاستعادة إرثٍ مفقود على تلك الجزيرة. آمرك أن تذهبوا إلى هناك والعودة إليّ بالولد الأصغر، وإن اعترض عُباب طريقكم، فلا تشتبكوا معه إلا في وجود قائدكم الأعلى.
وفي تلك اللحظة، اعتلت ملامح الأمير الأكبر نظرةٌ خافته يكسوها الخذلان والصمت.
وبعد مرور نحو أسبوعين، على الجانب الآخر من العالم...
كان أوس يجلس كالمعتاد فوق قمة الجبل، يلتفت إلى الصخرة القابعة بجانبه ويناديها باعتياد:
أرك... كلما رأيتُ شروق الشمس أو غروبها، أشعر بوحشة في نفسي، كأن روحي تبكي من الداخل. أتعلم؟ أحب الجلوس مع أخي وأمي، وأحب أيضاً الخروج مع أصدقائي والجلوس مع عمي، لكنني في الوقت نفسه أجد أن الجلوس معك هنا لوحدي يشعرني بالراحة. أحب هدوء هذا المكان ومناظر الطبيعة مع ضوء الشمس الخافت ورائحة الأكسجين النقي... وانت يا أرك، أتشعر بذلك أيضاً؟
في تلك الأثناء، كان الأخ الأصغر يصل إلى قمة الجبل وهو يلتقط أنفاسه، ونظر إلى أوس مقاطعاً:
أخي، ماذا تفعل عندك؟ أما زلت تتحدث مع تلك الصخرة الغبية؟
التفت إليه أوس ورد بجدية هادئة:
لا تقل عن أرك إنه غبي؛ إنه من القلائل الذين يستمعون إلى تفاهتي حتى النهاية دون أن يسخروا مني.
ابتسم الأخ الأصغر وضحك بخفة:
حسناً حسناً، تعال لتناول الإفطار، سأسبقك لإعداده مع أمي، لكن سارع أنت بالفيء والحضور.
أجابه أوس:
حسناً.
وبعد قليل، وقبل أن ينزل أوس من على تلة الجبل، وقع بصره فجأة على الشاطئ، فرأى ثلاث سفن ضخمة تضع مراسيها على ساحل الجزيرة.
سكن أوس في مكانه ودار في عقله تساؤلٌ مضطرب: (هل هذه سفينة العم عُباب ورجال الجزيرة؟ لكن لم يكن من المفترض أن يأتوا هذا الأسبوع! ولا أظن أن أحداً قد يضل طريقه ليرسى على جزيرتنا، فهي لا تثبت في مكان حتى... مهلاً، أَهُم قرصانة إذن؟! ماذا أفعل الآن؟ أأذهب لإخبار أهل القرية؟ لكن ماذا لو اتضح أنهم رجال القرية والعم عُباب؟ سأثير البلبلة بدون فائدة.. ولكن ماذا لو كانوا قراصنة حقاً؟ ماذا أفعل الآن؟!)
وقبل أن يستوعب الموقف، لمح سفينة رابعة ترسى بالقرب شديد من منزله!
بدون تفكير، وجد نفسه يتحرك ويهرول إلى الأسفل رغماً عنه، وفي زحام ارتباكه تعثرت قدمه وسقط بقوة على الأرض. حاول النهوض وتثبيت جسده، لكن كاحله كان قد التوى، فبدأ يتحامل على نفسه ويهرول بتعرج زاحفاً نحو الأسفل.
على الجانب الآخر داخل المنزل، دَوّى صوت طرقاتٍ قوية على الباب. وقبل أن تفتح الأم، نظرت من شرفة الغرفة لتشاهد وجوهاً غريبة ليست من أهل الجزيرة أبداً.
بسرعة وحذر، أزاحت الستار عن باب قبوٍ سفلي مخفي تحت أرضية المنزل، وأنزلت ابنها الأصغر فيه وهي تهمس له بخوف واضطراب:
لا تصدر أي صوت، حتى لو سمعت صوت انفجار الجزيرة!
نزل الصغير إلى العتمة والخوف يعتليه، وما هي إلا لحظات معدودة حتى كُسر باب المنزل بقوة، ودخل أربعة أشخاص مدججين، كان من بينهم شخصٌ ما إن وقعت عين الأم عليه حتى عرفته على الفور، فقالت بصدمة:
الأمير؟! ماذا تفعل هنا؟
نعم، لقد كان القائد الأعلى لجيش مملكة الضوء بنفسه.
تقدم خطوة إلى الأمام وقال بنبرة باردة كالجليد:
أتيتُ لاستعادة ما نملك.. الولد الصغير، أين هو؟
ردت الأم بثبات محاولة التماسك:
لقد ذهب مع عمه للصيد.
نظر إليها القائد بنظرة احتقار وقال:
أنا لا أصدقكِ، وسأكون سعيداً حتى لو اضطررتُ لقتلكِ كي تخبريني بمكانه.
رفعت الأم رأسها وقالت بصرامة وشموخ:
لقد قلتُ لك إنه مع عمه، وحتى لو كان في مكانٍ آخر، لن أخبرك به حتى لو اقتلعت حنجرتي!
تبسم القائد الأعلى ببرود وقال:
على الرحب والسعة.
وفي لمح البصر، استل سلاحه وطعنها طعنةً قاتلة، لتخرّ سريعة على الأرض ملقاةً في دمائها. وقف فوقها وقال بنبرة قاسية:
أمي طالما لم تحبكِ، وأعتقد أنها ستسعد بمثل هذا الخبر.
في هذه اللحظة، قاطعه أحد الجنود وهو ينظر من النافذة:
هناك ولد ينزل من الجبل قادماً ناحية البيت، لكن يبدو أنه مصاب.
ألقى القائد الأعلى نظرة سريعة وازدرائية من النافذة، ثم أرجع سيفه وقال بسخرية:
إنه ليس المنشود.. هذا الحثالة، لو استيقظ شيءٌ فيه يوماً ما، فسيكون "براز الديجور".
اندلعت ضحكات الجنود الساخرة في أرجاء الغرفة، بينما جثة أم أوس ملقاة على الأرض لا تحراك بها. التفت القائد إليهم وأمرهم بصرامة:
عودوا إلى المملكة فوراً، ولكن أشدد عليكم: من سيخبر الملك بمقتل هذه المرأة، سيلقى مصيرها.. ولكن بعد عائلته!
غادروا المكان وسرعان ما اختفوا.
وبعد لحظات، وصل أوس أخيراً وهو يلهث ويتعرج إلى باب منزله، ليفاجأ بصوت صراخ ينبعث من تحت الأنقاض. من شدة الفزع والتشتت، لم يلاحظ جثة أمه الملقاة على الأرض في البدء، بل أسرع نحو مصدر الصوت ورأى باباً صغيراً في الأرض ففتحه على الفور.
خرج الأخ الأصغر مسرعاً وهو يصرخ ويبكي بحرقة، وارتمى فوق جثة أمه يهلل وينوح.
وقف أوس في مكانه كالصنم، يتفرج على المشهد وذهنه مفصولٌ تماماً عن الواقع، ودارت في رأسه تساؤلات مبعثرة: (ماذا حدث؟ هل هذا حقيقي؟ هل أمي ماتت بحق؟ هل انتهت حياتي بأكملها؟ لمَ لا أشعر بأي شيء؟ لمَ لا أشعر بالحزن؟ هل أنا لا أحبها أم ماذا؟ ولكن... لمَ تنهال الدموع من وسط عينيّ إذن؟ ماذا أفعل في هذا الموقف؟ أهذا هو الشيء الذي يتوجب عليّ مواجهته؟ كنت أتهرب دائماً من أي شيء يسبب الإزعاج، لكن هل أول موقف يتوجب عليّ مواجهته هو هذا؟)
في هذه الأثناء، أقبل العم عُباب مسرعاً وكأنه خرج من الماء للتو، بعدما رأى تلك السفن الغريبة تجتاز الجزيرة، لكنه وصل متأخراً وكأنه تردد في المجيء. وبدون أن يسأل الولدين أي سؤال، كان يعرف الإجابة مسبقاً بمجرد رؤية الجثة؛ ليجدوا جميعاً أنفسهم غارقين في هذه الواقعة المريرة.
مرّ الوقت، وحلّت لحظات ما قبل المغرب بقليل. شهدت الجزيرة مشهداً مؤلماً؛ جنازة الألَم تسير بخطى ثقيلة نحو المقابر لتلاقي متواها الأخير.
في نسيم هواء العصر وشمسه الذهبية المائلة إلى اللون الأحمر الدافئ؛ لون الغروب، كانت الجنازة تسير. يحمل خشبة الدفن الابن الأصغر وهو يتحامل على نفسه والدموع تنهال من عينيه كالمطر، وفي الناحية الأخرى يقف عمه وشابان آخران.
وفي الصفوف الخلفية، كان أوس يمشي ورأسه منحنية نحو الأرض، وجهه شاحبٌ كالأموات، يبكي من الداخل وتقطر عيناه الدموع من الخارج، والأسئلة تطحنه من الداخل: (هل ما حدث حقيقي؟ هل ماتت أمي؟ وكيف لي أن أحيا بعدها؟ لا أعرف عالماً لا توجد فيه أمي...)
كان يمشي ويتخبط في الناس كشارب الخمر، ويدور في جوف عقله: (حتى لو عرفت الفاعل، حتى لو تواجد أمامي الآن، ماذا سأفعل؟ أعرف ماذا سأفعل... سأقف مثل الجبان شارد الذهن الذي لا يملك القوة لاستعادة الثأر لأمه أو حتى حماية أخيه! هه.. أو أقول لك؟ أعرف ماذا ستفعل يا أوس؛ ستتهرب من الموقف وتقول في جوف ذهنك إنك قوي ولكنك ستسامح القاتل، لأن أمك ما كانت لتريد أن تراك قاتلاً! ستتهرب من حقيقة أنك فاشل، تهرب خلف الأعذار لإقناع نفسك بذكاء، وأنت محض جبان غبي!)
في تلك الأثناء، ناداه أخوه الأصغر بصوت متقطع ليساعدهم في تنزيل أمهما إلى القبر.
وبعد الانتهاء من الدفن، أخذ العمُّ الأخَ الأصغر معه إلى بيته. أما أوس، فقد انصرف وحيداً وصعد إلى أعلى الجبل، ليجلس بجانب صخرته تحت ظل شجرة كبيرة يكسوها ضوء القمر المنساب وسط النجوم الساطعة.
نظر إلى الصخرة وقال بصوت مكسور:
ماذا أفعل في رأيك يا أرك؟ هل يتوجب عليّ البحث عن قتلة أمي، أم تقوية نفسي لحماية أخي؟ لا أعرف ماذا أفعل.. طالما لم أعلم ماذا أفعل! كنت دائماً أتهرب من المسؤوليات وأقول: ما دمتُ أحيا حياة هادئة فلِمَ الغلبة؟ لم أتعب عقلي يوماً في التفكير في كمية فشلي وقلة حيلتي، وها أنا الآن جالسٌ بجانبك أنوح مثل النساء، لا حول لي ولا قوة.. ثرثارٌ وغد لا أجيد شيئاً سوى الاستلقاء على الجبل ومشاهدة النجوم!
سكت قليلاً ثم واصل بنبرة أشد سوداوية:
في رأيك... لو كنتُ أنا مكان أمي، هل كان أحدٌ سيريد قتلي؟ بالطبع لا! فوجودي على قيد الحياة مثل عدمه.. أنا مثل الصفر، أرى نفسي في العدد "صفر"؛ المكان الذي أوضع فيه هو الذي يجعل لي قيمة، وها قد ذهبت من كانت تشعرني بقيمة نفسي.. ما دمتُ بدون أحد، فأنا صفر.. لكن في حالتي أنا، أنا صفرٌ على الشمال! لقد تعبتُ من نفسي... أليس ما يخفيه هذا البحر من ورائه مخيفاً يا أرك؟
ساد الصمت الجبل، ولم يجد أوس سوى صدى صوته وصمت الجبل يجيبانه:
......
معك حق.