واستمر حديث أوس مع عباب:
— هل ترى أنني تحسنت ولو قليلاً يا عمي؟ أشعر أن التدريب بهذا السيف الثقيل جعل حمل السيف العادي أسهل... حتى عندما عكست قبضتي اليوم، شعرت أن النصل أصبح امتداداً لذراعي.
سكت قليلاً، وانسحب بصره نحو الأفق قبل أن يتابع بصوت مثقل:
— لكن كل هذا.. لا يملأ الوحشة التي تنهشني. في مثل هذا الوقت، كان أخي يصعد التلة ليناديني لطعام أمي.. أمي التي لم تطلب مني يوماً أن أكون قوياً أو غنياً لتحبني. كانت تراني كاملاً رغم كل هذا النقص. الأيام تتغير بوهن، وكل شيء يمضي، إلا أنا.. أقف متجمداً في مكاني.
ارتجف صوته وهو يكمل، ويقول:
— هناك صوت يطمسني من الداخل يا عمي، يسألني بسخرية: "هل هزمك الخوف أم أخافتك الهزائم؟" أردت أن أصرخ بأن الهزائم هي ما ترعبني! أحاول أن أكون بلا خطأ لعل أحداً لا يتخلى عني، لكن خوفي من الفشل هو ما يجعلني أفشل في حماية أي شيء.. وفي النهاية، أسمع ذلك الهمس البارد يخبرني أنني حتى الآن أهرب."
أجابه عُباب بصوت هادئ ورصين:
— ومن منا لا يهرب؟ أنت تقسو على حالك بسبب عدم علمك بالغير وبما في داخلهم. اسمع يا أوس.. ما دمت على طريق الخير فكل شيء يهون. هناك من يظهرون في ثوب الخير لكن من داخلهم سواد حالك، تراهم ملوكاً يرفعون رايات السلام في قلاعهم، ومن خلف الأنظار يفتكون! فلا تغرق نفسك في جوف العزلة وسجن الأفكار، فينتهي بك الحال في أرض معزولة تحاول حماية ما تبقى من فشلك.
توقف عُباب للحظة، ثم نظر في عيني أوس وقال بحسم:
— ما دمت تحاسب نفسك وتقف هنا ممسكاً بسيفك، فأنت في قلب المواجهة.. لم يأتِ موعد الهروب بعد.
دار في قناعة نفس أوس تساؤل مرير: (حتى لو علمت هذا أيضاً، فماذا سيغير فيّ؟ لا يمكن لعقلي تبديل فرضية بنظرية في النهاية).
لكن عُباب قاطع حبل أفكاره وكأنه يقرأها:
— لن تقتنع الآن.. الزمن هو من سيعلمك، مثلما تعلمت أنا.
وفي نصف العالم الآخر، وبجانب "مملكة الضوء"، تقع "مملكة الزهور". مملكة شاسعة المساحة، تكتسي حدودها بأشجار وردية تمتد على مساحات واسعة، تضفي عليها طابعاً هادئاً ولطيفاً. وبسبب كثرة تضاريسها الطبيعية الوعرة، فإنها تمتلك تفوقاً استراتيجياً ساحقاً ضد من يفكر في الدخول في حرب برية ضدها.
وفي منتصف المملكة، وقت الظهيرة، كان الملك جالساً على كرسيه، يتكئ بوجنته على يده وهو يضحك بنشوة قائلاً:
— لم أسعد بخبر منذ مدة مثل خبر هروب الأمير دلهام من مملكة الضوء! لقد كُسرت غطرسة الملك غالب وتباهيه بامتلاك تنين الضوء والظلام في نفس المملكة. وكما ورد في تقرير الجاسوس، فإن الأمير عندما فرّ من الاحتجاز كان في غرفة مشعة ومضيئة، مما يعني أنه حتى لو كانت قوته قد استيقظت، فهي حتماً لا تمثل الظلام.
هنا تدخل القائد الأعلى ووزير الحرب، وهو "نافح" ابن الملك، قائلاً بحماس:
— أليس الآن هو الوقت المناسب لاستعادة مكانتنا وسط الممالك العظيمة؟ لنعقد تحالف حماية مشترك مع "مملكة الضباع" و"مملكة القبور"، وبعدها نشن هجوماً عليهم!
اعتدل الملك في وقفته، ومسح على لحيته وهو يهز رأسه ببطء:
— الزحف المباشر حماقة يا نافح. إذا هاجمنا دون ذريعة، سنكون أول من يكسر الهدنة. وسواء انتصرنا أو هُزمنا، فإن شروط المعاهدة ستجبرنا على تجريد مملكتنا من سلاحها.. وهذا سيكسر ظهرنا لآلاف السنين.
سأل نافح بحيرة:
— فما العمل إذن؟
ابتسم الملك ابتسامة ثعلب عجوز:
— سنلعب حرب العقول. سنشعل النيران في أطراف الممالك ونجلس هنا نتدفأ بها. نموّل من يخدم مصالحنا، ونتركهم يمزقون بعضهم البعض، وفي اللحظة المناسبة.. نمد أيدينا لنقطف ثمار المجد وحدنا.
تمتم أحد قادة المجلس المسنين بشيء من التردد:
— ولمَ كل هذه المخاطرة يا مولاي؟ نحن في أمان ونحتل مرتبة متقدمة خلفهم..
قاطعه الملك بنظرة جليدية قاطعة:
— أتقول لي أن أرضى بالمركز الثاني؟ تذكر هذا جيداً.. من يأتِ في المرتبة الثانية، هو أول الخاسرين!
على الجانب الآخر، وتحت الضوء القاسي لـ "مملكة الضوء"..
كان الملك غالب يقف وسط قادته لإصدار أوامر صارمة، والغضب يغلي خلف ملامحه الجامدة.
— سنعدل خطة الهجوم.. أمرت بتغيير أشرعة ورايات سفينتي المقدمة وطلي هياكلها بألوان داكنة. لن نمنح ذلك المدعو "عُباب" فرصة لتمييز أسطولنا إن لمحنا من بعيد.
ثم التفت الملك غالب نحو ولديه، ورمق الأمير الأوسط (راشن) بنظرة مشبعة بالشك والقسوة، قبل أن يصدر حكمه:
— من سيقود طليعة الأسطول معي هو الأمير الأكبر.. أما أنت يا راشن، فستتبعنا من الخلف بعد مدة. لا مجال للخطأ هذه المرة.
أما في الأراضي الموحشة لـ "مملكة القبور"..
وقف حراس البوابات العالية أمام رجل ملثم يرتدي عباءة تخفي ملامحه.
— من أنت؟ وما الغرض من مجيئك؟ سأله قائد الحرس بصرامة.
أخرج الرجل لفافة جلدية مختومة، ومدها ببرود:
— هدية من مجهول، إلى الملك غِيرفِت شخصياً.
تأهب الحراس، وصاح القائد:
— لا أحد يدخل المملكة دون إذن، سلم الرسالة وانصرف!
ابتسم الملثم ابتسامة خفية تحت لثامه، وألقى اللفافة عند قدمي الحرس، ثم تراجع خطوتين واختفى في الضباب المحيط بالبوابة وكأنه لم يكن سوى طيف.
داخل القصر، وقف الملك غِيرفِت أمام عرشه، بينما انحنى الكاتب الملكي ليقرأ الرسالة بعد أن أمر الملك جميع قادته وحراسه بمغادرة القاعة فوراً.
قرأ الكاتب بصوت مرتجف قليلاً:
— "سلامٌ من محب مجهول. لعل الخبر لم يبلغكم بعد، لكن الأمير دلهام قد فر من قبضة الملك غالب. قوى الديجور لم تعد حبيسة أسوار الضوء.. إن كنت تطمح لقوة لا تُقهر، فابحث عمن يحملون دماء نسل غالب خارج مملكته، وهناك ستجد مبتغاك."
طويت اللفافة، وارتسمت على شفتي الملك غِيرفِت ابتسامة عريضة طافحة بالغطرسة، والتمعت عيناه بجشع واضح.
تمتم الملك بسخرية:
— نسل غالب؟ قوة الديجور؟.. قد تكون فخاً ساذجاً.
اتسعت ابتسامته لتكشف عن أنيابه،
— ولهذا التحدي تحديداً... سأذهب! مُر القادة بالاجتماع فوراً، سنرسم خطة التحرك!
وفي الوقت ذاته، وتحت ظلال الأشجار الوردية في مملكة الزهور..
دخل الجاسوس وانحنى أمام الملك، هامساً بكلمات معدودة تؤكد استلام الملك غِيرفِت للرسالة.
أسند الملك رأسه إلى قبضة يده، ولاحت في عينيه لمعة انتصار مرعبة، وخرجت كلماته كحيّة تلتف حول فريستها:
— والآن... أشعلنا الشرارة.