نبض قلبي

الفصل 4

صراع المشاعر

906 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

في لحظة ما، وسط زحام القاهرة الصاخب، توقفت ليان عن المشي. كانت شوارع وسط البلد مزدحمة كعادتها، لكن شيئًا ما جعلها تشعر بالاختناق. تنهدت وهي تتذكر وعدها لنفسها بأن تنسى الماضي وتفتح صفحة جديدة، لكن يبدو أن الماضي يطاردها أينما ذهبت.

جلست على أحد المقاعد في ميدان التحرير، محاولةً التقاط أنفاسها. كانت قد خططت لهذا اليوم بعناية، أرادت أن تبدأ رحلة اكتشاف المدينة من جديد، لكن يبدو أن شوارع القاهرة تحمل ذكريات أكثر مما توقعت. وبينما هي غارقة في أفكارها، سمعت صوته.

"ليان! هل أنت بخير؟" كان آدم يقف أمامها، يبدو عليه القلق. لم تتوقع رؤيته هنا، في هذا المكان بالذات. تنهدت مرة أخرى، محاولةً إخفاء ارتباكها.

"آدم! أه، أيوة...أنا كويسة، بس كنت محتاجة أقعد شوية. القاهرة زحمة النهاردة ولا إيه؟"

جلس آدم بجانبها، نظراته تحمل مزيجًا من الاهتمام والفضول. لم يكن لقاؤهما في المقهى منذ أيام كافياً لتجاوز كل الحواجز بينهما، لكن هناك شيء ما يدفعهما للاقتراب أكثر.

"أنا كمان حسيت بالزحمة دي، بس مش عارف ليه. يمكن عشان..." توقف آدم، مترددًا في إكمال جملته. كان يريد أن يخبرها بأن هذا الشعور بالاختناق ليس بسبب الزحام، بل بسبب ما يحمله كل منهما من أسرار وأحمال.

ليان، بشجاعة لم تعرف مصدرها، قررت أن تكون صريحة:

"آدم، أنا عارفة إن فيه حاجة مضايقاك. مش عايزة أضغط عليك، بس لو حابب تتكلم، أنا هسمعك." كان صوتها هادئًا، لكن نظراتها كانت تحمل إصرارًا.

آدم، بعد لحظة صمت، ابتسم ابتسامة باهتة. لقد شعر بالارتياح لأنها أدركت معاناته، لكنه لم يكن مستعدًا بعد للبوح بكل شيء. في النهاية، هو لم يخبرها حتى الآن عن السبب الحقيقي لانفصاله عن سارة.

"أنا كويس، متشكر لاهتمامك. بس فعلاً النهاردة حاسس إن القاهرة كلها بتضغط عليا. يمكن عشان جاي من سفر، محتاج وقت عشان أتأقلم تاني." لم يكن كذبه متقناً، لكن ليان لم تشأ أن تضغط عليه أكثر.

مرت لحظات من الصمت بينهما، كسرها صوت بائع الذرة المشوي. كان صوته المميز يصدح في الميدان، معلنًا عن بضاعته الساخنة.

"ذرة! يا حلو يا حار!"

نظرت ليان إلى آدم، وابتسمت ابتسامة خفيفة. كانت تعلم أن الذرة المشوي تذكره بطفولته، حيث كان يجلس مع جدته في شرفة المنزل، يشاهدان العالم من فوق بينما يستمتعان بطعم الذرة الساخنة.

"ذرة!" صاح آدم فجأة، وكأنه طفل صغير. نهض من مقعده، وأشار للبائع أن يأتي إليهما. كانت ليان تبتسم بسعادة، فقد شعرت أنها اقتربت خطوة أخرى من عالم آدم الداخلي.

حينما جلسا مرة أخرى، كان آدم يحمل كوبين من الذرة الساخنة. قدم أحدهما إلى ليان، التي أخذته بامتنان.

"فاكر زمان، وأنا صغير، كنت بقعد مع جدتي في البلكونة، ونشوي الذرة دي سوا. كانت من أحلى ذكرياتي." كان صوت آدم دافئًا، يحمل حنينًا لأيام خلت.

ليان، التي بدأت تشعر بالارتباط العاطفي تجاهه، أرادت أن تعرف أكثر:

"وأنا صغيرة، كنت بحب أقعد مع جدي في الجنينة، ونزرع ورد. كان بيقولي إن الوردة الحلوة لازم تتعذب عشان تبقى أحلى. مش عارفة ليه فكرت بيه دلوقتي."

آدم، بنظرة عميقة، أمسك بكوب الذرة الخاص بها، وأخذ حبة صغيرة ووضعها في فمها. كانت هذه الحركة مفاجئة لليان، لكنها شعرت بدفء غريب.

"يمكن عشان الذرة دي بتفكرنا بطفولتنا، لما كانت الحياة أبسط." أكمل آدم، وهو يبتسم ابتسامة تحمل الكثير من المعاني.

في تلك اللحظة، شعرت ليان بأن هناك رابطًا خفيًا بينهما، كأن قدرهما أن يلتقيا ليكملا بعضهما البعض. لكن سرعان ما تذكرت وعدها لنفسها بأن لا تنجرف في المشاعر بسهولة. لقد تعلمت أن الحب قد يكون مخادعًا، وأن الكلمات قد لا تعني شيئًا.

"آدم، أنا..." بدأت ليان، لكن صوت هاتفها قطع حديثها. نظرت إلى الشاشة، لترى اسم "سارة" يضيء الشاشة.

شعرت بالتوتر، لم تكن مستعدة لمواجهة سارة بعد. لقد وعدت آدم بأن تعطيه فرصة، لكن يبدو أن الماضي لن يتركها بسهولة.

"ألو...أيوة يا سارة. أيوة، أنا في وسط البلد. أيوة، معايا آدم. ليه؟" كان صوت ليان مرتبكًا، ونظرات آدم تتساءل عما يحدث.

"أنا...آسفة، مضطرة أقفل. هكلمك بعدين." أغلقت ليان الهاتف، وشعرت بأن الأرض تدور من حولها. كانت سارة تريد شيئًا ما، وهذا ما أثار قلقها.

آدم، الذي لاحظ اضطرابها، أمسك بيدها بلطف. لقد شعر أن هناك سرًا ما تخفيه ليان، وأن هذا السر قد يكون له علاقة بسارة. لكن قبل أن يستفسر، رأى نظرة حزن عميقة في عينيها.

"ليان، أنا عارف إن فيه حاجة مضايقاكي. لو عايزة تتكلمي، أنا هسمعك. متخافيش، أنا معاكي." كانت كلماته صادقة، تحمل وعودًا بالدعم والتفهم.

ليان، التي شعرت بأن دموعها على وشك الانهمار، أمسكت بكوب الذرة الساخن، محاولةً التماسك. لقد أرادت أن تخبره بكل شيء، لكن كيف يمكنها أن تبدأ؟ كيف تخبره عن علاقتها بسارة، وعن وعودها المكسورة، وعن خوفها من تكرار الألم؟

"آدم، أنا..." بدأت ليان، لكن صوت هاتفها قاطعها مرة أخرى. لقد كانت سارة مرة أخرى.

"أيوة يا سارة، في إيه؟" كان صوت ليان متوترًا، وآدم ينظر إليها بقلق.

"أنا محتاجاكي ضروري. تعالي دلوقتي، أنا مستنياكي." كان صوت سارة حادًا، يخفي وراءه عاصفة من المشاعر.

ليان، التي شعرت بأن قلبها ينبض بسرعة، لم تعرف ماذا تقول. هل تذهب إلى سارة وتواجهها، أم تبقى مع آدم وتخبره بكل شيء؟

نظرت إلى آدم، الذي كان ينتظر جوابها. لقد أدرك أن هناك قرارًا صعبًا يجب أن تتخذه ليان، قرارًا قد يغير مجرى حياتها.

"آدم، أنا...أنا مضطرة أمشي. آسفة، هكلمك بعدين." نهضت ليان، تاركةً آدم جالسًا في حيرة. لقد اختارت المواجهة، لكنها لم تكن متأكدة مما ينتظرها.

بينما كانت ليان تغادر، كان آدم يفكر في كل ما حدث. لقد أدرك أن ليان تخفي سرًا كبيرًا، وأن هذا السر قد يكون مفتاحًا لفهمها وفهم علاقتها بسارة. وبينما هو غارق في أفكاره، لم يلاحظ أن هاتفه يرن، وأن المتصل هي سارة.

في مكان ما، في أحد شوارع القاهرة المزدحمة، كانت سارة تقف منتظرةً وصول ليان. لقد أعدت خطة ما، خطة ستغير كل شيء. وبينما هي تنتظر، لم تدرك أن هناك عيونًا تراقبها، عيونًا تحمل الكثير من الغضب والألم.