في أحد المقاهي الهادئة بقلب القاهرة، جلست ليان على طاولة بجانب النافذة، تنظر إلى المارة في الشارع بتركيز، وكأنها تحاول إيجاد إجابات لأسئلتها بين الوجوه العابرة. كانت قد تلقت تلك الرسالة الغامضة التي قلبت عالمها رأساً على عقب، وها هي الآن تنتظر وصول آدم بفارغ الصبر. لم يكن لديها أدنى فكرة عما يجب أن تقوله له، لكنها كانت تعلم أن هذا اللقاء سيغير كل شيء.
رن جرس هاتفها، فأخرجته من حقيبتها لترى رسالة جديدة: "انتبهي، ماضيه قد يجرحك أكثر مما تتخيلين. لا تثقي به." ارتجفت يدها وهي تقرأ الكلمات، ثم أغلقت الهاتف بعصبية. من هذا الذي يحاول تحذيرها؟ وما السر الذي يخفيه آدم؟
قطع تفكيرها صوت النادل: "حاجة ساقعة يا فندم؟"
ليان: "آه، شكراً. عايزة كابوتشينو." كانت تحتاج إلى شيء دافئ يهدئ أعصابها.
وبينما هي تنتظر، تذكرت أول لقاء لها مع آدم. كان ذلك منذ أسبوعين، عندما دخلت عيادته للمرة الأولى. كانت تشعر بالتوتر بسبب بعض الآلام الغريبة التي لم تفهمها، لكنها لم تتوقع أبدًا أن تلتقي بطبيب مثل آدم. كان وسيمًا، بنظراته الحادة وابتسامته الهادئة. جذبها إليه منذ اللحظة الأولى، لكنها حاولت أن تتجاهل هذا الإحساس.
- هل يمكنني مساعدتكِ؟ صوته الهادئ جعلها تنتبه إليه.
- آه، أيوة، أنا... جاية عشان عندي ألم في قلبي.
آدم: ألم في قلبك؟ هل هو ألم جسدي أم... أشار إلى قلبه. عاطفي؟
ارتبكت ليان، لم تتوقع أن يسألها عن مشاعرها. لكنها قررت أن تكون صادقة:
- الحقيقة، مش عارفة. بس حاسة إن قلبي بيتوجع كل ما افتكر اللي فات.
آدم: يبدو أن قلبكِ يحتاج إلى علاج من نوع خاص. هل تمانعين أن نتحدث قليلاً قبل الفحص الطبي؟
هزت ليان رأسها موافقة، وجلست على الكرسي أمامه. كان الحديث معه يشعرها بالراحة، وكأنها تتحدث إلى صديق قديم. أخبرته عن رحيلها عن القاهرة منذ سنوات، وعن أسباب عودتها الآن. لم تخبره بكل شيء، لكنها شعرت أنه يفهمها.
وفي خضم الحديث، سمعا صوت بكاء طفل في الغرفة المجاورة. نهض آدم بسرعة، وطلب من ليان الانتظار. وعندما عاد، كان وجهه شاحباً:
- آسف على المقاطعة، لكن كان يجب أن أطمئن على طفل صغير. هل يمكن أن نستكمل حديثنا لاحقاً؟
ليان: طبعاً، مش مشكلة. أنا... هتفضل ساكت كده؟
آدم: عفواً، كنت أفكر في... أمور شخصية. هل يمكن أن نلتقي مرة أخرى؟ أود أن أسمع المزيد عنكِ.
كانت ليان على وشك أن توافق، لكن شيئاً ما بداخلها تردد. هل يمكن أن تثق بهذا الرجل؟ هل يمكن أن تخبره بكل شيء؟
- طيب، ممكن نتقابل هنا تاني بعد بكرة؟
آدم: سأكون بانتظاركِ. ثم ابتسم ابتسامة جعلت قلب ليان يخفق.
وها هي الآن تنتظره مرة أخرى، لكن في ظروف مختلفة. لم تعد تلك الفتاة التي تبحث عن علاج لقلبها فقط، بل أصبحت تبحث عن إجابات لأسئلة تدور في رأسها. ما إن لمحت آدم يقترب من المقهى حتى شعرت برعشة تسري في جسدها. كان يمشي بخطوات واثقة، مرتدياً معطفاً أسود أنيقاً، يجعله يبدو كبطل من أبطال الأفلام.
- ازيك يا ليان؟ شكلك قلقانة. قالها آدم وهو يجلس على الكرسي المقابل لها.
ليان: كويسة، بس... أنا عايزة أفهم. إيه اللي بيحصل بالظبط؟
آدم: عن إيه بتتكلمي؟
ليان: عن الرسالة اللي جتلي. وعن البنت اللي ظهرت فجأة. وعن ماضيك اللي مش عايزة تحكيلي عنه.
تغيرت ملامح وجه آدم، وكأن سحابة قاتمة مرت أمام عينيه. تنهد بعمق، ثم قال:
- واضح إن في حد بيحاول يخرب حياتي، ومش عارف ليه اختار الوقت ده بالذات. أنا... عندي أعداء، ناس مش عايزاني أكون سعيد. بس أوعدك، هتفهمي كل حاجة في وقتها.
ليان: يعني إيه في وقتها؟ أنا عايزة أعرف دلوقتي. أنا مش هقدر أستنى أكتر من كده.
آدم: أنا عارف إن ده صعب عليكي، بس صدقيني، أنا ممكن أخسرك لو حكيتلك كل حاجة دلوقتي. أنا عايزك تثقي فيا، وتدي لي فرصة.
كانت كلماته صادقة، لكنها لم تكن كافية لإقناع ليان. هناك أشياء لا يمكن تجاهلها، وأسئلة تحتاج إلى إجابات.
- طيب، هسألك سؤال واحد بس، ولو جاوبت عليه هصدقك. قالتها ليان بعيون ثابتة.
آدم: اسألي.
- البنت اللي ظهرت فجأة دي، مين هي؟ وليه ظهرت دلوقتي؟
بدا التوتر على آدم، وكأنه يحاول أن يجد الكلمات المناسبة:
- سارة... هي... كانت جزء من حياتي في الماضي. جزء أنا ندمان عليه.
ليان: يعني إيه؟
آدم: أنا... كنت متجوزها. بس جوازنا كان غلطة، و... انتهى بسرعة.
لم تستطع ليان أن تخفي صدمتها. لم تكن تتوقع أن يكون آدم متزوجاً من قبل. لماذا لم يخبرها؟
- وليه ظهرت دلوقتي؟
آدم: سارة عندها مشاكل نفسية، وبتمر بوقت صعب. أنا بحاول أساعدها، بس هي مش عايزة مساعدتي.
- وليه أنا؟ ليه بتبعتي الرسايل دي؟
آدم: مش عارف. بس أنا متأكد إنها مش عايزة غير إنها تبوظ حياتي.
ليان: أنا مش فاهمة حاجة. يعني إيه تبوظ حياتك؟ إيه اللي حصل بالظبط؟
توقف آدم عن الكلام، ونظر إلى عينَي ليان مباشرة:
- أنا آسف، مش هينفع أحكيلك دلوقتي. أنا عايزك تثقي فيا، وتدي لي فرصة نبدأ من جديد.
كانت ليان على وشك أن ترفض، لكن شيئاً ما بداخلها جعلها تتردد. هل يمكن أن تكون هذه هي الفرصة التي تنتظرها؟ هل يمكن أن يكون آدم هو الشخص الذي سيجعلها تؤمن بالحب مرة أخرى؟
- طيب، هسيبك على راحتك. أنا مش هضغط عليك. لكن لو عايزني أصدقك، لازم تحكيلي كل حاجة في يوم من الأيام.
آدم: أوعدك، هتعرفي كل حاجة. أنا عايزك تكوني معايا، وتساعديني أتخطى ماضي مؤلم. هل ممكن تديني فرصة؟
في تلك اللحظة، شعرت ليان بأن قلبها ينبض بقوة. هل يمكن أن يكون هذا هو الحب؟ هل يمكن أن تمنح آدم فرصة وتواجه معه عواصف الماضي؟
- طيب، أنا هحاول. هحاول أصدقك وأديك فرصة. لكن لو لقيت إنك بتكدب عليا، هتبقى دي آخر مرة تشوفني فيها.
آدم: أنا مش هكدب عليكي، أبداً. أنا عايزك تكوني معايا، ونبدأ صفحة جديدة.
تبادلا النظرات، وكأن كل منهما يبحث عن إجابة في عيون الآخر. ثم وقفا معاً وغادرا المقهى، يدخلان عالماً جديداً من الأسئلة والأسرار.
وفي الطريق، لم تتوقف ليان عن التفكير. هل فعلت الصواب؟ هل يمكن أن يكون آدم صادقاً؟ وبينما هما يسيران، أمسك آدم بيدها، وكأنه يطمئنها بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
ليان: أنا خايفة، يا آدم.
آدم: متخافيش، أنا معاكي. سوا هنقدر نواجه أي حاجة.
كانت كلماته كافية لتهدئتها، لكنها لم تكن تعلم أن الماضي لم يقل كلمته الأخيرة بعد.