: العودة
كانت الشمس تنحدر ببطء خلف تلال المدينة الصغيرة حين ترجّلت ليلى من سيارة الأجرة أمام البيت القديم. لم تكن قد رأت هذا الشارع منذ اثني عشر عاماً، ومع ذلك شعرت أن كل حجر فيه، وكل نافذة خشبية متآكلة، وكل رائحة تراب ممزوجة بعبق الياسمين، ما زالت تعرفها كما تعرف خط يدها.
وضعت حقيبتها على الرصيف ونظرت إلى البيت. كان أكثر إهمالاً مما تخيّلت. الطلاء تقشّر عن الجدران، والباب الخشبي الكبير فقد بريقه، وشجرة الياسمين التي زرعتها جدّتها منذ عقود امتدت فروعها بلا نظام حتى غطّت نصف الشرفة. ومع ذلك، حين أغمضت عينيها للحظة، سمعت صوت جدّتها ينادي: "ليلى يا حبيبتي، تعالي اشربي الشاي قبل أن يبرد."
ابتسمت بحزن خفيف. جدّتها رحلت منذ ثلاث سنوات، وتركت لها هذا البيت في وصيتها، مع رسالة صغيرة قالت فيها: "هذا البيت لن يكون بيتاً حقيقياً إلا إذا عاد إليه من يحبه. أعرف أنك سترجعين يوماً، ليلى."
لم تكن ليلى تخطط للعودة بهذه السرعة. كانت قد بنت حياتها في العاصمة؛ عملاً كمهندسة معمارية، وشقة صغيرة تطلّ على النهر، وروتيناً هادئاً لا يشبه صخب المدينة الصغيرة التي نشأت فيها. لكن رسالة من المحامي وصلتها منذ أسبوعين تخبرها أن البيت سيُباع للبلدية إذا لم يُرمَّم خلال ستة أشهر، ليتحوّل إلى مبنى إداري. شيء في داخلها رفض هذا الاحتمال رفضاً قاطعاً، فحزمت حقائبها وأخذت إجازة من العمل، وعادت.
فتحت الباب بالمفتاح القديم الذي احتفظت به كل هذه السنوات، وشعرت برائحة الخشب العتيق والغبار تفوح من الداخل. الأثاث كان لا يزال في مكانه، مغطّى بأقمشة بيضاء اصفرّ لونها. الساعة الحائطية الكبيرة توقفت عند الساعة الرابعة وعشر دقائق، منذ زمن لا تعرف متى بالضبط.
مشت بين الغرف بصمت، تلمس الجدران، تتذكر. غرفة النوم التي كانت تنام فيها كل صيف حين تزورها من المدينة. المطبخ الذي تعلّمت فيه صنع المعمول مع جدّتها. الشرفة التي كانت تجلس فيها مع... توقفت عن التفكير قبل أن يكتمل الاسم في ذهنها. لم تكن مستعدة لذلك، ليس في يومها الأول.
خرجت إلى الشرفة الخلفية لتتنشق الهواء، وهناك، عند السور الفاصل بين حديقة بيت جدّتها وحديقة الجيران، وقفت مذهولة. الشجرة التي زرعها هي وعمر معاً حين كانا في الثانية عشرة من عمرهما - شجرة ليمون صغيرة - أصبحت الآن شجرة كبيرة مثمرة، تتدلى منها حبات الليمون الصفراء كأنها نجوم صغيرة معلقة بين الأوراق.
"لم أكن أتوقع أن تكبر هكذا،" همست لنفسها.
صوت من خلفها جعلها تقفز من مكانها. "هي كبرت، كما كبرنا نحن."
استدارت بسرعة، وهناك، عند حافة السور، واقفاً بثياب العمل وملامح لم تتغير كثيراً سوى أنها أصبحت أكثر نضجاً، كان عمر.
لم تعرف ماذا تقول. اثنتا عشرة سنة، وكل الكلمات التي تخيّلت أنها ستقولها له اختفت في لحظة واحدة. نظرت إليه، وهو ينظر إليها، وبينهما صمت طويل مليء بكل ما لم يُقَل.
"ليلى..." قال أخيراً، وصوته حمل مزيجاً من المفاجأة والحذر. "لم أكن أعرف أنك سترجعين."
"ولا أنا كنت أعرف أنك ما زلت هنا،" ردّت، وحاولت أن يبدو صوتها طبيعياً، لكنها شعرت بارتجاف خفيف في يديها.
"غادرتُ لفترة، للدراسة، ثم عدت منذ خمس سنوات. أعمل صحفياً في جريدة المدينة الآن."
هزّت رأسها، تحاول أن تستوعب أن الرجل الواقف أمامها هو نفسه الصبي الذي كان يشاركها كل أسرارها، ونفسه من ابتعد عنها ذلك الصيف الأخير دون تفسير حقيقي، تاركاً خلفه سؤالاً ظلّ معلّقاً في قلبها لسنوات: لماذا؟
"أنا... جئت لأرمّم بيت جدّتي،" قالت، محاولة تغيير مسار الحديث. "قبل أن تستولي عليه البلدية."
"سمعتُ بذلك،" قال عمر، وبدا في عينيه شيء من الأسف. "الحاجة أم كامل، رحمها الله، كانت طيبة القلب. زرتها كثيراً بعد أن غادرتِ."
هذه الجملة لامست شيئاً في داخلها. لم تكن تعرف أن عمر بقي قريباً من جدّتها كل هذه السنوات، بينما هي، حفيدتها، كانت بعيدة، مشغولة بحياتها الجديدة، تتصل بها فقط في الأعياد.
"شكراً لك،" قالت بصدق. "لم أكن أعرف."
ساد صمت آخر، أقل حرجاً هذه المرة. نظر عمر إلى شجرة الليمون، ثم إليها.
"إذا احتجتِ مساعدة في الترميم، أعرف بعض العمال الجيدين في المدينة. البيت يحتاج عناية كبيرة."
"سأفكر في العرض،" قالت، وابتسمت ابتسامة صغيرة، أول ابتسامة حقيقية منذ عودتها.
"حسناً،" قال، وبدا كأنه يريد أن يقول شيئاً آخر لكنه تراجع. "أهلاً بعودتك، ليلى."
ثم انصرف، تاركاً إياها وحدها في الشرفة، تراقب ظهره يتوارى خلف السور، والليمون يتدلى بصمت كشاهد وحيد على لقاء لم تتوقع أن يحدث في يومها الأول.
جلست على درجة الشرفة، وأخرجت من حقيبتها دفتراً صغيراً كانت تدوّن فيه أفكار الترميم، لكنها وجدت نفسها تكتب شيئاً آخر: "عاد كل شيء كما كان، إلا أنّ كل شيء تغيّر."
نظرت إلى السماء التي بدأت تتلوّن بلون الغروب البرتقالي، وشعرت أن رحلتها إلى هذه المدينة لن تكون فقط عن ترميم بيت قديم، بل عن ترميم شيء آخر، أعمق، ظنّت أنها دفنته منذ سنوات طويلة.