المرآة التي تتذكر

الفصل 5

الفصل 5

986 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

إعلان

الفصل الخامس

أختي التي لم تولد

شعرتُ بالأصابع الباردة تلتف حول يدي.

لم أستطع رؤية صاحبتها، لكنني كنت أسمع أنفاسًا صغيرة تتردّد بالقرب مني. كانت الغرفة غارقة في الظلام، وبابها مغلق بإحكام، بينما أمي وإيلين تناديان اسمي من مكان بعيد.

حاولتُ سحب يدي.

فاشتدّت القبضة.

— لا تخافي يا غرام، همست الطفلة. لقد انتظرتكِ طويلًا.

ابتلعتُ خوفي وسألت:

— من أنتِ؟

— أنتِ تعرفينني.

— لا أعرفكِ!

ساد الصمت.

ثم شعرتُ بالأصابع الصغيرة تترك يدي، وسمعت صوت خطوات تتجه نحو النافذة.

فجأة، أضاء مصباح الغرفة وحده.

كانت الطفلة تقف أمامي.

بدت في العاشرة من عمرها تقريبًا، ترتدي ثوبًا أبيض بسيطًا، وشعرها الأسود يصل إلى كتفيها. كانت ملامحها هادئة، لكن عينيها حملتا حزنًا أكبر من عمرها بكثير.

لم تكن تشبهني تمامًا، لكنها امتلكت شيئًا مألوفًا في وجهها، شيئًا جعلني أشعر بأنني رأيتها في حلم قديم.

نظرتُ إلى السوار الفضي حول معصمها.

ثم إلى السوار الذي أرتديه.

كانا متطابقين.

— ما اسمكِ؟ سألتها.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— لم يمنحني أحد اسمًا.

— لا بد أن يكون لكِ اسم!

هزّت رأسها.

— الأسماء تُمنح لمن يسمح العالم بوجودهم.

اقتربت مني، ثم وضعت إصبعها على الصورة التي كنت لا أزال أمسكها.

— لكن أمي كانت تناديني باسم.

تجمّدتُ.

— أمكِ؟

أشارت إلى المرأة الواقفة عند الباب.

التفتُّ نحو أمي.

كانت شاحبة الوجه، وعيناها مثبتتان على الطفلة. لم تبدُ متفاجئة من وجودها، بل بدت كأنها ترى ذكرى حاولت الهرب منها طوال حياتها.

همست أمي:

— لا يمكن أن تكوني هنا.

نظرت الطفلة إليها.

— لكنني هنا يا أمي.

ارتجفت شفتا أمي، ثم غطّت فمها بيدها.

للمرة الأولى، رأيت أمي تبكي بطريقة لم أفهمها؛ لم تكن دموع خوف فحسب، بل دموع شخص وجد أمامه شيئًا ظنّ أنه فقده إلى الأبد.

اقتربتُ منها.

— أمي، هل هذه ابنتكِ؟

لم تجب.

— هل هي أختي؟

رفعت أمي رأسها، ونظرت إليّ بعينين حمراوين.

— نعم.

كانت الكلمة قصيرة، لكنها جعلت الغرفة تبدو أصغر.

نظرتُ إلى الطفلة مجددًا.

— ما اسمكِ؟

ابتسمت.

— كانت أمي تناديني «نور».

نور.

تردّد الاسم في أذني، وشعرتُ بشيء غريب يتحرّك في ذاكرتي. صورة عابرة لطفلة تركض في حديقة، وصوت ضحكة، ويد صغيرة تمسك بيدي.

ثم اختفى كل شيء.

وضعتُ يدي على رأسي.

— لماذا أشعر أنني أعرفكِ؟

اقتربت نور، ولمست جبيني برفق.

— لأنكِ تذكّرتِني مرة، ثم أخذوا الذكرى منكِ.

---

جلسنا حول السرير.

لم تكن أمي قادرة على النظر إلى نور طويلًا، بينما بقيت إيلين قرب الباب، تراقبنا بصمت. أما أنا، فلم أعد أعرف أي سؤال أطرح أولًا.

أخيرًا، قلت:

— أريد أن أعرف ما الذي حدث.

أخذت أمي نفسًا طويلًا.

— قبل ولادتكِ، كنتُ أعيش في منزل قديم مع رجل لم تعرفيه يومًا. كان يؤمن بأن بعض الأماكن تحتفظ بالذكريات، وأن هناك مرايا تستطيع الاحتفاظ بأكثر من صورة.

— الرجل الموجود في الصورة؟ سألتها.

أومأت.

— كان يعرف سرّ المرآة، لكنه لم يخبرني بالحقيقة كاملة. قال إن المرآة تستطيع أن تُبقي ذكرى شخص حيّة، حتى بعد اختفائه من العالم. لكنه حذّرني من استخدامها لتغيير المصير.

نظرتُ إلى نور.

— وماذا حدث لها؟

أغمضت أمي عينيها.

— عندما وُلدت نور، بدأت المرآة تُظهر أشياء لم تحدث بعد. وفي إحدى الليالي، رأيتُ انعكاسًا لطفلتين بدلًا من طفلة واحدة. كانتا أنتِ وإيلين، رغم أن إيلين لم تكن قد وُلدت بعد.

تدخّلت إيلين فجأة:

— هذا غير صحيح.

التفتنا إليها.

كانت تحدّق بأمي بصدمة.

— قلتِ لي إنني وُلدت بعد غرام!

إعلان

ساد الصمت.

نظرت أمي إليها، لكنها لم تجد جوابًا.

شعرتُ بأن الحقيقة تتفكك أمامنا إلى أجزاء متناقضة.

— إذًا، مَن وُلد أولًا؟ سألت.

لم تجب أمي.

لكن نور رفعت يدها.

— لا أحد منكم يعرف الترتيب الحقيقي.

نظرتُ إليها.

— ماذا تقصدين؟

أجابت:

— المرآة لم تحتفظ بذكرياتنا فقط. لقد غيّرت ترتيبها. جعلت الماضي يبدو كأنه حدث بطريقة مختلفة، حتى لم تعد أمي تعرف أيّنا جاءت أولًا.

ثم نظرت إليّ مباشرة.

— لكن هناك شيء واحد لم تستطع تغييره.

— ما هو؟

اقتربت نور وهمست:

— اليوم الذي اختارت فيه أمي أن تنقذني… ثم اكتشفت أنني لم أعد موجودة في العالم.

شعرتُ ببرودة تسري في ظهري.

— كيف يمكن أن تكوني هنا إذا لم تكوني موجودة؟

ابتسمت نور بحزن.

— هذا ما جئتُ لأخبركِ به.

وقبل أن تكمل، سمعنا صوتًا قادمًا من المرآة.

صوت طرق متتابع.

التفتنا جميعًا.

كان سطح المرآة أسود، لكن شيئًا بدأ يظهر خلف الزجاج؛ ظلّ شخص يقف في الجهة الأخرى.

تراجعت أمي فورًا.

— لا تقتربوا منها!

أما إيلين، فرفعت يدها إلى فمها.

— إنه هو…

نظرتُ إليها.

— مَن؟

لم تجب.

ظهر وجه الرجل تدريجيًا خلف الزجاج.

كان الرجل نفسه الذي رأيناه في الصورة القديمة.

نظر إلينا واحدًا واحدًا، ثم توقفت عيناه عند نور.

قال بصوت هادئ:

— حان الوقت لتعودي إلى مكانكِ.

تراجعت نور خطوة.

للمرة الأولى، بدا الخوف واضحًا على وجهها.

أمسكتُ يدها.

— لن تأخذها إلى أي مكان!

نظر الرجل إليّ، وابتسم.

— ما زلتِ تحاولين إنقاذ الجميع يا غرام. أليس هذا ما فعلتِه في المرة السابقة؟

تجمّدتُ.

— أيّ مرة سابقة؟

اقترب الرجل من الزجاج.

— المرة التي اخترتِ فيها أن تنسي.

بدأت المرآة تهتز.

وعلى سطحها، ظهرت صورة أخرى لي.

كنتُ أقف في الغرفة نفسها، لكنني كنت أكبر سنًا، وأرتدي ثيابًا سوداء. وفي يدي مفتاح طويل، بينما كانت نور خلفي تبكي.

رأيت نفسي في الصورة أفتح بابًا صغيرًا، ثم أقول:

«إذا كان لا بدّ أن تختفي إحدانا، فلتكن هي.»

تراجعتُ مذعورة.

— أنا لم أقل هذا!

لكن نور كانت تنظر إليّ وكأنها سمعت العبارة من قبل.

ثم أفلتت يدي.

— كنتُ أتمنى ألّا أتذكّر، قالت بصوت مكسور.

— نور، انتظري!

تراجعت نحو المرآة، وعيناها تلمعان بالدموع.

— أنتِ لم تنسيني يا غرام. أنتِ التي طلبتِ من العالم أن ينساني.

ثم اختفت داخل الزجاج.

صرختُ باسمها واندفعت نحو المرآة، لكنني لم أجد سوى سطح بارد يعكس وجهي.

وقفتُ أمامها، عاجزة عن الحركة.

ثم ظهرت كتابة بطيئة على الزجاج:

«المحاولة الخامسة تبدأ عندما تتذكّرين مَن كنتِ.»

وتحتها، ظهر اسم جديد لم أره من قبل:

«إيلين — صاحبة الاختيار.»

التفتُّ نحو إيلين.

كانت تنظر إلى المرآة بذهول، ثم همست:

— لا… هذا مستحيل.

— ماذا يعني هذا الاسم؟ سألتها.

رفعت عينيها نحوي.

— يعني أنني لم أكن ضحية المرآة يا غرام.

توقفت لحظة، ثم أكملت بصوت مرتجف:

— كنتُ أنا مَن فتحها أول مرة.

إعلان

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق