الفصل الرابع: لا تثق بأحد
«بعض المواقف تبدأ بشيء بسيط، لدرجة إنك ما تعطيها أي اهتمام. لكن مع الوقت، تكتشف إن أبسط الأشياء ممكن تكون بداية لحكاية ما كنت مستعد لها.»
وصلنا للبر، وكانت العائلة متجمعة، وكل واحد مشغول بشيء. فيه اللي يجهز الجلسة، وفيه اللي يتكلم، وفيه اللي ما له أي شغلة إلا إنه يعطي أوامر، وجدتي كانت من النوع الأخير.
فجأة، ارتفع صوتها:
«وين الملح؟!»
سكتوا كلهم، والتفتوا لها.
«أقول وين الملح يا السلقات؟! حتى الملح ما تعرفون تجيبونه معكم؟!»
طالعنا بعض باستغراب. كانت جدتي معصبة بشكل مو طبيعي، وبدأت توبّخ الجميع.
«عائلة ما منها فايدة! لا أحد فيكم يتذكر شيء، ولا أحد فيكم يعرف يتصرف! وش أسوي فيكم أنا؟!»
وللتوضيح، كلمة «السلقات» عند البدو بالسعوديه تعني إناث الكلاب، وكانت جدتي تستخدمها كشتيمة وهي معصبة.
وصلت أنا وخالد عندهم، ووقفنا نطالع المشهد.
قلت: «وش السالفة؟ ليه تصارخون؟»
رد خالد وهو يطالع جدتي: «أتوقع يا جدّه أنتِ ماكلة الملح من هواشك ذا وارتفع الضغط.»
التفتت له جدتي، وشالت نعالها ورمته عليه.
«تنكت أنت ووجهك!»
تفاداه خالد بصعوبة، لكن محد ضحك. واضح إن جدتي كانت جادة، والوضع مو وقت مزح.
قلت: «خلاص، أنا بروح أجيب الملح.»
قالت أمي بسرعة: «أنا بروح معك.»
رد خالد: «يمّه، ارتاحي أنتِ، أنا أروح معه.»
«لاا لاا، بروح مع سيف.»
استغربت إصرارها، لكنها أخذت أغراضها وركبت معي السيارة.
كنت أحس إنها خايفة من شيء، بس ما سألتها. شغّلت السيارة ومشينا ندور بقالة قريبة.
⸻
كنت أسوق، وأمي ساكتة جنبي، لين فجأة ظهرت بنت صغيرة قدام السيارة.
دعست فرامل بسرعة.
كانت لابسة فستانًا أبيض طويلًا، وشعرها يتحرك مع الهواء، ووجهها مليان دموع.
«مامااا… مامااا!»
تجمّدت بمكاني.
عرفتها.
هي نفسها البنت اللي شفناها في الصحراء يوم تعطلت كفرات السيارة.
نزلت عيني عن الطريق للحظة، ثم رجعت أطالعها. كانت تبكي وتطالعنا بخوف.
قالت بسرعة: «بياخذوني الحين، بحاول أكلمكم، انتظرونييي!»
ثم التفتت كأن أحدًا يناديها، وقالت بصوت أضعف:
«باي…»
واختفت.
اختفت كأنها ما كانت موجودة من الأساس.
جلست أطالع المكان، مو قادر أستوعب اللي صار.
قالت أمي بحدة: «سيف! وش تنتظر؟ امش!»
التفت لها. كانت تحاول تبين إنها طبيعية، لكن ملامحها فضحتها.
مشيت وأنا أحاول أقنع نفسي إني تخيلت اللي شفته، مع إني كنت متأكد إنها هي.
⸻
وصلنا لبقالة صغيرة، ونزلت أشتري الملح.
أول ما دخلت، رفع الرجال اللي عند المحاسبة رأسه وطالعني.
«سيف؟»
وقفت لحظة.
«إيه… تعرفني؟»
ابتسم ابتسامة غريبة وقال: «لا لا، اسمك منتشر عندنا. المهم، تبي تشتري ملح؟»
ما اهتميت بكلامه كثير، وقلت: «إيه، أبي ملح.»
أشار بيده باتجاه مكان بعيد من خلال الباب، وقال: «عندي ملح بذيك المنطقة، شوف النور البعيد ذا؟ تلقاه هناك.»
طالعته باستغراب.
وقتها تذكرت كلام جدتي القديم عن البر، يوم كانت تحذرنا منه وتقول:
«يا عيال، لا تثقون بأي أحد في البر، حتى لو عرف أسماءكم أو قال إنه يعرفكم. لا تمشون ورا أحد، ولا تروحون لمكان ما تعرفونه. ترى مو كل واحد يقابلكم نيته طيبة.»
رجعت أطالع الرجال، وقلت: «لا، يعطيك العافية، بأخذ اللي عندك.»
اشتريت الملح من المحل ورجعت للسيارة، وأنا أحاول ما أفكر في كلامه.
ركبت، وحطيت الملح، ومشينا راجعين.
لكن بعد دقائق، بدأ رأسي يثقل، وحسيت بدوخة غريبة. حاولت أركز بالطريق، وفجأة سمعت همسات أطفال حول أذني.
«أمها… إيه إيه… تركتها… حرام… غميضة… عمي صالح… همم… ثلج… مويه؟ لا لا، مانبي نلعب ذي اللعبة…»
رفعت يدي لأذني، لكن الأصوات ما وقفت.
«وش ذا؟» تمتمت وأنا أحاول أركز.
قالت أمي: «سيف؟ وش فيك؟»
«مدري… أحس بدوخة. ما أبي آكل، أبي أرجع البيت.»
طالعَتني بقلق، وقبل ما ترد، شفت البنت جالسة جنبي.
نفس الفستان الأبيض، ونفس الوجه اللي شفته قبل شوي.
قالت بهدوء: «سيف، أنا أحبك لأنك تحمي ماما وتساعدها، زي بابا صالح.»
التفت لها بسرعة.
«أنتِ؟!»
لكنها كانت تطالعني بابتسامة صغيرة، كأن وجودها شيء عادي.
حاولت أتكلم، لكن ما قدرت. تذكرت إن القرآن يطمئن القلب، فبدأت أقرأ سورة البقرة من حفظي، آية وراء آية، وأنا أحاول أتماسك.
كانت البنت تناظرني، ثم بدأت الهمسات تزيد حولنا، كأن أصواتًا كثيرة تتكلم في الوقت نفسه.
استمرت الأصوات، إلى أن تغير وجه البنت فجأة، والتفتت إلى شيء ما كنت أشوفه.
مدّت يدها للهواء، وكأن أحدًا يمسكها.
ثم اختفت.
لكن هالمرة، ما اختفت لحالها. حسّيت إن شيئًا أخذها بعيدًا، وإن الأصوات اللي كانت حولي بدأت تبتعد معها، لين ساد الصمت.
جلست ساكتًا، أحاول أستوعب اللي صار.
أمي ما تكلمت. كانت تطالعني بنظرة ما قدرت أفهمها، وكأنها تعرف أكثر مما تقول.
⸻
رجعنا للبيت، وحاولت أتصرف بشكل طبيعي. ما كنت أبي أخوف أحد، ولا كنت أعرف كيف أشرح اللي صار أصلًا.
مرّت الساعات، وجاء الليل.
كنت نايم، لكن صحيت فجأة وأنا أحس بتعب ودوخة. فتحت عيوني وطالعت الساعة.
١:٤٤ بعد منتصف الليل.
تقلبت في السرير، لكن ما قدرت أرجع أنام، فطلعت للصالة عشان أرتاح شوي.
كان البيت هاديًا، وكل شيء في مكانه.
إلى أن سمعت صوتًا جايًا من المطبخ.
صوت حركة خفيفة، كأن أحدًا يفتح الأدراج ويقفلها.
وقفت عند باب المطبخ، وناديت:
«جدتي؟»
ما جاء أي رد.
دخلت شوي، وشفتها واقفة هناك، وظهرها لي.
«جدتي؟ وش تسوين للحين؟»
ما ردّت.
قربت خطوة.
«جدتي، تسمعينني؟»
بقيت ساكتة، ثم بدأت تلتفت لي ببطء.
وأول ما شفت وجهها، حسّيت إن فيه شيء غلط.
كانت تبتسم.
ابتسامة واسعة وثابتة، ما تشبه ابتسامتها المعتادة أبدًا.
رجعت خطوة لورا.
«جدتي…؟»
رفعت رأسها شوي، وظلت تطالعني من دون ما تتكلم.
ما أدري كم ثانية مرت، لكني حسّيت إنها أطول من اللازم.
وبعدين سمعت همسة خفيفة من وراي:
«سيف…»
التفت بسرعة.
ما كان فيه أحد.
رجعت أطالع جدتي، لكن المطبخ صار فاضيًا.
اختفت.
وقفت مكاني، وقلبي يدق بسرعة. حاولت أقنع نفسي إني كنت أحلم، وإن التعب والدوخة لعبوا براسي.
لكن قبل لا أتحرك، سمعت صوتًا خافتًا قريبًا من أذني:
«صالح…»
هالمرة، ما قدرت أقنع نفسي إن الموضوع مجرد حلم.
لأن الاسم اللي سمعته، كان اسم الرجل اللي قابلناه في الصحراء.
صالح.
ومن ذيك الليلة، بدأت أشياء غريبة تصير لي بشكل متكرر.
وكل مرة كنت أحاول أنساها، كانت ترجع لي بطريقة أغرب من اللي قبلها.
كنت أحسب إن اللي صار انتهى عند البقالة، وإن البنت اختفت وما راح أشوفها مرة ثانية.
لكن واضح إن الموضوع ما انتهى.
وإن الصحراء، وصالح، والبنت اللي تنادي «ماما»، كلهم مرتبطين بشيء أكبر بكثير مما كنت أتخيل
ومن ذيك الليلة، بدأت أشياء غريبة تصير لي بشكل متكرر.
أصوات أسمعها وأنا لحالي، وظلال أشوفها بطرف عيني، وأحلام أصحى منها وأنا متأكد إنها مو مجرد أحلام.
وكل مرة أحاول أنسى، يرجع لي نفس الاسم.
صالح.
لكن اللي صار بعدها كان أسوأ من كل شيء شفته.
في ليلة، صحيت على صوت خطوات برا غرفتي.
خطوة…
ثم الثانية…
ثم توقف الصوت عند بابي.
جلست على السرير، أطالع الباب وأنتظر أي حركة.
وفجأة، سمعت صوت بنت صغيرة تهمس:
«سيف… افتح الباب.»
عرفت الصوت فورًا.
فرح.
قمت من مكاني، لكن قبل ما أوصل للباب، سمعتها تقول:
«سيف، تكفى بسرعة… هو جاي.»
وقفت.
«مين؟»
ما ردّت.
بدلًا من ذلك، سمعت صوت خطوات ثانية، أثقل وأقرب.
ثم جاء صوت رجل من آخر الممر:
«فرح؟ وين رحتي؟»
انحبس نفسي.
كنت أعرف هالصوت.
صوت صالح.
رجعت خطوتين لورا، وأنا أطالع الباب. للحظة، تمنيت إني ما سمعت ولا شيء.
ثم انطرق الباب ثلاث مرات.
طق. طق. طق.
وجاء صوت صالح من وراه:
«سيف… أدري إنك صاحي.»
تجمّدت.
كيف عرف اسمي؟
وقبل ما أقدر أتحرك، قال جملة خلت الدم يبرد بعروقي:
«افتح الباب، يا ولد… أمك ما قالت لك وش سوت بأختك؟»
سكت كل شيء.
حتى خطوات صالح اختفت.
وقفت أطالع الباب، أحاول أستوعب آخر كلمة قالها.
أختك؟
أي أخت؟
وليش أمي بالذات؟
وفجأة، وصلني صوت أمي من داخل غرفتها، تصرخ باسمي:
«سيف! لا تفتح الباب!»
لكن الصوت اللي جاء بعدها…
كان صوت أمي نفسها، من خلف الباب.
«افتح يا سيف، أنا أمك.»
وكان فيه صوتان لأمي… واحد داخل الغرفة، والثاني واقف معي عند الباب
💬 التعليقات