اسمي سيف، وكنت أحسب إن حياتي عادية جدًا، لدرجة إن ما عندي شيء مميز أكتبه عنها.
كنت أحب الكتابة من يوم أنا صغير، وأكتب أي فكرة تجي ببالي، حتى لو كانت مجرد حوار سمعته بالصدفة أو موقف صار قدامي. وكان حلمي إني أصير كاتب، وأكتب رواية تخلي اللي يقرؤها يعيش الأحداث كأنه واحد من شخصياتها.
ما كنت أدري إن الأيام بتعطيني قصة ما كنت بقدر أتخيلها، وإن بعض الأشياء اللي كنت أكتبها بخيالي بتصير أقرب للواقع مما توقعت.
ولا كنت أعرف إن رحلة عائلية عادية بتكون بداية كل شيء.
وقتها، ما كان ببالي إلا شيء واحد.
رحلتنا للحفر.
⸻
قبل الرحلة
«فارس! يلااا، تأخرنا!»
صرخت وأنا واقف عند باب غرفة أخوي.
جاءني صوته من داخل الغرفة:
«ياخي ادخل، وش تصارخ؟»
دخلت ولقيته للحين جالس على السرير، ماسك جواله، وشنطته مفتوحة على الأرض.
طالعته باستغراب.
«أنت للحين ما خلصت؟»
رفع رأسه لي بكل برود.
«خلصت.»
أشرت إلى الشنطة.
«أجل هذي وش؟ ديكور؟»
طالع الشنطة، ثم رجع يطالعني.
«وش دخلك أنت؟»
«والله إني غلطان يوم جيت أناديك.»
التفت يكمل أغراضه، وفجأة قال:
«بالمناسبة، أنت اللي بتسوق.»
وقفت مكاني.
«نعم؟»
«سمعتني.»
«يا حبيبي، أنا مالي دخل بالسواقة.»
ضحك وهو يسكر الشنطة.
«أجل أنا بعد مالي دخل.»
قلت وأنا أعقد يدي:
«طيب مين بيسوق؟»
«مدري، خل أمنا تسوق.»
طالعته بصدمة.
«أنت صاحي؟! تبي أمنا تسوق فينا كل هالطريق؟»
«أجل أنت اسوق.»
«قلت لك ما أبي!»
«وأنا ما أبي!»
ارتفعت أصواتنا، وكل واحد يحاول يرمي مسؤولية السواقة على الثاني.
إلى أن جاء صوت أمي من الصالة:
«يا عيال! أنتم من الحين تتهاوشون؟!»
سكتنا لحظة.
ثم قالت بصوت أعلى:
«تعالوا هنا، أنتم الاثنين!»
طلعنا من الغرفة، وأنا متأكد إن فارس بيحاول يورطني.
وقفت أمي قدامنا، وطالعتنا بنظرة خلتنا نسكت قبل حتى ما تتكلم.
قالت:
«من أول ما صحيتوا وأنتم تصارخون! ما تستحون تتهاوشون بهالطريقة قدامي؟ كل واحد منكم يتكلم باحترام!»
قلت بسرعة:
«يمه، هو اللي قال إني بسوق.»
فارس رد على طول:
«لأنه ما يبي يسوق!»
«وأنت بعد ما تبي!»
أمي رفعت يدها.
«خلاص! والله العظيم إنكم بتخلوني أكنسل الرحلة كلها.»
سكتنا.
تبادلنا النظرات، وبعدها قال فارس بهدوء مصطنع:
«خلاص يمه، آسفين.»
قلت وأنا أهز رأسي:
«إيه، آسفين.»
أمي طالعتنا شوي، ثم قالت:
«يلا خذوا أغراضكم وانزلوا. وبالسيارة ما أبي أسمع هوشاتكم هذي.»
قلنا مع بعض:
«إن شاء الله.»
طلعنا من عندها، وأول ما ابتعدنا عنها التفت فارس لي.
«ترى أنت اللي بتسوق.»
ضحكت من القهر.
«ياخي أنت مريض!»
«اسكت يا بزر.»
«الله يعين اللي بيعيش معك.»
«آمين، الله يعينك على نفسك أول.»
⸻
عند السيارة
وصلنا للسيارة، وحطينا الشنط في الخلف.
فارس وقف عند باب السائق، وأنا وقفت عند الباب الثاني.
طالعني وقال:
«يلا، اركب.»
قلت:
«اركب أنت.»
«سيف، لا تبدأ.»
«فارس، أنا ما أبي أسوق.»
تنهد وقال:
«ياخي وش فيها لو سقت؟»
«وش فيها لو أنت سقت؟»
وقفنا نتجادل من جديد، إلى أن طلعت أمي من البيت وشافتنا للحين واقفين.
قالت باستغراب:
«وش فيكم الحين؟»
فارس أشار لي.
«هذا يبي يسوق.»
التفت عليه بسرعة.
«كذاب! أنت اللي تبي تسوق!»
أمي حطت يدها على جبينها.
«يا ربي، وش سويت أنا بنفسي؟!»
ضحكت رغمًا عني، وفارس حاول يكتم ضحكته.
أمي قالت بحزم:
«فارس، أنت اللي بتسوق. سيف، اركب جنبه. وأنا وراكم. وانتهى الموضوع.»
فارس ابتسم ابتسامة انتصار والتفت لي.
«سمعت؟ اركب يا كابتن.»
ركبت جنبه وأنا أتمتم:
«لا تفرح واجد، ترى بنشب لك طول الطريق.»
رد وهو يشغل السيارة:
«وأنا بنزلك بنص الطريق.»
جاء صوت أمي من الخلف:
«سمعتكم!»
اعتدلنا في جلستنا بسرعة.
«ما قلنا شيء يا يمه.»
تحركت السيارة أخيرًا.
⸻
الطريق إلى الحفر
في البداية كانت الأجواء عادية. أمي تسولف معنا من الخلف، وفارس يسوق، وأنا أطالع الطريق من النافذة وأرد على بعض سوالفهم.
بعد فترة، طلعت جوالي وفتحت الملاحظات.
كنت كاتب فكرة لقصة جديدة، وبدأت أعدل عليها.
فارس لمحني وأنا أكتب.
«وش تسوي؟»
«أكتب.»
«وش تكتب؟»
«شيء ما يخصك.»
ضحك.
«ياخي للحين تحاول تصير كاتب؟»
التفت عليه.
«أحاول؟ أنا بصير كاتب غصب عنك.»
«طيب اكتب عني.»
ابتسمت.
«أكتب عنك؟ سهلة. الفصل الأول: الأخ اللي ما يعرف يسوق إلا إذا كان معه أحد ينكد عليه.»
فارس التفت لي للحظة.
«تبي أوقف السيارة وأخليك تكمل مشي؟»
«ركز بالطريق يا سواق.»
ضحكت أمي من الخلف وقالت:
«الله يهديكم، حتى وأنتم تضحكون لازم تتهاوشون.»
قلت لها:
«يمه، هذي طريقتنا بالتعبير عن المحبة.»
رد فارس:
«لا تتكلم عن المحبة وأنت قبل شوي تبي تخليني أسوق لحالي.»
«أنت أصلًا كنت بتخليني أسوق!»
أمي تنهدت.
«يا رب الصبر.»
ضحكنا، ورجع كل واحد انشغل بشيء.
مر وقت، وصارت المباني أقل، والطريق يمتد قدامنا، والصحراء على الجانبين.
كنت أطالع المناظر من النافذة، وأفكر في قصة جديدة. ما كنت أبحث عن شيء معين، بس كنت أحب أراقب التفاصيل وأتخيل قصصًا للأشخاص اللي أشوفهم.
فجأة، انتبهت إن الطريق صار فاضيًا بشكل غريب.
ما فيه سيارات قريبة، ولا مبانٍ واضحة حولنا.
قلت لفارس:
«باقي كثير؟»
رد وهو مركز بالطريق:
«مدري، بس إن شاء الله ما بقي واجد.»
رجعت أتكئ على المقعد.
بعد دقائق، حسّيت إن السيارة خففت سرعتها.
التفت لفارس.
«وش فيك؟»
كان يطالع قدام بتركيز.
«مدري، أحس السيارة فيها شيء.»
وقبل ما أكمل كلامي، توقفت السيارة فجأة.
اندفعت للأمام قليلًا، ومسكت طرف المقعد.
«يا ساتر! وش صار؟»
فارس حاول يشغل السيارة مرة ثانية، لكنها ما استجابت مثل قبل.
أمي مالت للأمام من المقعد الخلفي.
«وش المشكلة يا فارس؟»
قال وهو يحاول يشغلها:
«مدري يمه، فجأة وقفت.»
نزلت من السيارة بعد فارس، وأمي بقيت قريبة من الباب.
لف فارس حول السيارة، وأنا لحقت به.
«وش تتوقع فيها؟»
قال وهو يطالع الكفرات:
«مدري، خلني أشوف.»
وقفت أنتظره، لكن عيني راحت للطريق الممتد خلفنا.
المكان كان هادئًا بشكل غريب.
لا أصوات سيارات، ولا أحد حولنا، بس الهواء الحار وصوت الرمل الخفيف وهو يتحرك مع الريح.
كنت على وشك أرجع للسيارة، لكني لمحت شخصًا بعيدًا.
وقفت مكاني.
«فارس.»
«وش؟»
أشرت إلى الأمام.
«مين هذا؟»
التفت فارس للجهة اللي أشير إليها، وبعدها وقف يطالع.
كان فيه رجل واقف وسط الصحراء، بعيد عن الطريق، وبجانبه طفلة صغيرة.
ما كان فيه أي شيء حولهم يفسر وجودهم هناك.
لا سيارة، ولا بيت، ولا حتى أحد غيرهم.
⸻
الغريب
كان الرجل طويلًا ونحيفًا، لابس ثوبًا فاتح اللون، لكن الغبار واضح عليه. شعره أسود ومبعثر، ولحيته قصيرة، وبشرته سمراء، وملامحه حادة.
كان واقفًا بثبات، يطالعنا كأنه كان ينتظرنا.
لكن اللي لفت انتباهي أكثر كانت الطفلة اللي بجانبه.
كانت صغيرة، يمكن عمرها بين العاشرة والثانية عشرة، ولابسة فستانًا أبيض طويلًا يصل إلى الأرض.
وقفت بجانبه بصمت، ورأسها منخفض قليلًا.
ما كانت تتحرك، ولا تحاول تقترب منه أو تبتعد عنه.
شيء في منظرها خلاني أركز عليها أكثر من الرجل نفسه.
همس فارس:
«وش جابهم هنا؟»
ما جاوبته.
كنت أحاول أفهم وش قاعد يصير.
التفت لأمي، وكانت تطالعهم باستغراب واضح.
قالت بصوت مرتفع قليلًا:
«السلام عليكم!»
الرجل ما رد.
ولا حتى حرّك رأسه.
ظل يطالعنا بنفس النظرة الثابتة.
شعرت بعدم ارتياح، لكني حاولت أقنع نفسي إن الموضوع عادي، وإنه يمكن شخص يسكن في المنطقة أو عنده سبب لوجوده هنا.
إلا أن وجود الطفلة كان محيرًا.
ليش واقفة معه بنص الصحراء؟ وليش ما تكلمت؟ وليش ما كان حولهم أي شيء؟
خطوت خطوة للأمام.
فارس مسك ذراعي.
«وين رايح؟»
طالعته.
«ما بروح مكان، بس أبي أشوف وش عندهم.»
قال بجدية:
«خلّك هنا.»
وقفت مكاني.
رجعت أطالع الرجل.
كانت عيناه ثابتتين علينا، وملامحه ما تغيرت، كأنه ما استغرب من توقفنا ولا من وجودنا.
أما الطفلة، فبقيت ساكتة بجانبه، وفستانها الأبيض يتحرك قليلًا مع الهواء.
ما كنت أعرف من هي، ولا ليش كانت معه، ولا ليش حسّيت إن وجودها في هالمكان مو طبيعي.
كل اللي عرفته وقتها إن رحلتنا للحفر ما عادت رحلة عادية.
وإن توقف السيارة في ذاك المكان كان بداية شيء ما كنت مستعدًا له
💬 التعليقات