الفصل الخامس: أخي الذي لا أتذكّره
تراجعت غرام عن المرآة، وأخذت تحدّق في الورقة الموضوعة فوق الطاولة.
«اختاري أيّهما أخوكِ الحقيقي… قبل أن يختاركِ أحدهما.»
كانت الكلمات واضحة، لكن عقلها رفض تصديقها.
كيف يمكن أن يكون هناك كايانان؟
وأيهما كان معها منذ بداية هذه الرحلة؟
رفعت رأسها نحو المرآة.
كان كايان يقف خلف انعكاسها، يحمل المفتاح الفضي بين أصابعه، وينظر إليها بعينين ممتلئتين بالحزن.
حرّك شفتيه ببطء:
— غرام، تذكّري الوعد.
وضعت يدها على الزجاج.
— أيّ وعد؟
لكن انعكاس كايان اختفى فجأة.
وفي اللحظة نفسها، انفتح باب الغرفة بعنف.
دخل كايان الحقيقي، أو الشخص الذي بدا لها أنه الحقيقي، وأمسك بيدها.
— لازم نطلع من هون!
سحبت يدها منه.
— استنى! كيف بدي أعرف إنك كايان فعلًا؟
توقّف مكانه.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
— لأنني أعرف الشيء الذي لا يعرفه أحد غيرنا.
— شو هو؟
اقترب منها وهمس:
— عندما كنتِ صغيرة، كنتِ تخافين من العواصف. كنتِ تختبئين تحت الطاولة، وأنا كنت أجلس بجانبكِ وأخبركِ أن البرق مجرد مصباح كبير في السماء.
ترددت غرام.
كانت الذكرى مألوفة.
لكنها لم تكن متأكدة إن كانت قد عاشتها فعلًا، أم أن البيت زرعها في عقلها.
سألته:
— شو كنت تناديني؟
ابتسم بحزن.
— كنت أناديكِ «غروشة».
اتسعت عيناها.
ذلك اللقب لم يكن يعرفه أحد تقريبًا.
لكن قبل أن تشعر بالارتياح، دوّى صوت طرقات من داخل المرآة.
ثلاث طرقات.
ثم ظهر كايان الآخر مجددًا.
رفع يده ووضعها على الزجاج، وأشار إلى المفتاح الذي يحمله شبيهه.
ثم كتب بإصبعه على سطح المرآة:
«اسأليه عمّن أعطاه المفتاح.»
نظرت غرام إلى كايان الواقف أمامها.
— مين أعطاك المفتاح الفضي؟
اختفت ابتسامته.
— ما في وقت لهالأسئلة.
— جاوبني!
أمسك بذراعها، لكن غرام تراجعت.
قال بصوت منخفض:
— آزر أعطاني إياه.
ساد الصمت.
ثم انطفأت جميع الأنوار، وارتفع صوت ضحكة بعيدة من أعماق المنزل.
عندما عاد الضوء، كان كايان قد اختفى.
وبقي المفتاح الفضي على الأرض.
انحنت غرام والتقطته.
في اللحظة التي لمست فيها أصابعها المعدن، انفتحت ذكرى قديمة في عقلها.
---
كانت طفلة صغيرة تركض في حديقة واسعة.
كان كايان خلفها، يضحك ويحاول اللحاق بها.
وعلى مقعد خشبي، جلس آزر يراقبهما.
قالت الطفلة:
— آزر، إذا كبرت، رح أضل أتذكّر كايان؟
أجابها:
— طبعًا.
— حتى لو نسيت كل شي تاني؟
ابتسم آزر.
— حتى لو نسيتِ اسمكِ نفسه.
اقتربت الطفلة منه، ومدّت يدها الصغيرة.
كان المفتاح الفضي في كفّها.
قالت:
— إذًا خليه معك. إذا نسيت، رجّعني لعندي.
تغيّرت ملامح آزر.
نظر إلى المفتاح، ثم إلى الطفلة.
— أعدكِ.
---
عادت غرام إلى الحاضر وهي تلهث.
لم تكن الذكرى كاملة، لكنها أدركت شيئًا مهمًا.
المفتاح لم يكن ملك كايان.
كان ملكها هي.
وآزر لم يعطه لأحد.
لقد أخذته غرام بنفسها، منذ سنوات طويلة.
لكن لماذا؟
وقبل أن تجد جوابًا، انفتح الباب الموجود داخل المرآة.
خرجت منه فتاة تشبه غرام تمامًا، ترتدي فستانًا أبيض قديمًا.
وقفت الفتاة أمامها، ثم رفعت يدها وأشارت إلى المفتاح.
— أخيرًا تذكّرتِ.
همست غرام:
— مين أنتِ؟
ابتسمت الفتاة، وكانت في عينيها دموع لم تسقط.
— أنا الشخص الذي تركتِه خلفكِ.
— إيلين؟
هزّت الفتاة رأسها.
— لا.
اقتربت خطوة، ثم قالت:
— أنا غرام التي عاشت هنا قبل أن تولدي من جديد.
وفي اللحظة نفسها، انغلق الباب خلفها، وظهرت على الجدار عبارة جديدة:
«السكان لا يدخلون البيت للمرة الأولى… بل يعودون إليه عندما ينسون.»
ثم انطفأ الضوء.
ومن مكان بعيد، جاء صوت آزر:
— غرام، لا تصدّقي الفتاة… إنها لم تكن موجودة أصلًا.
💬 التعليقات