الفصل الأول
القصر المهجور
كان المساء يقترب ببطء، والضباب يغطّي الطريق المؤدي إلى قمة الجبل.
في نهاية ذلك الطريق، كان يقف القصر.
قصرٌ ضخم مكوّن من طابقين، تحيط به الأشجار اليابسة من كل جانب، وكأنها تحاول إخفاءه عن العالم.
كانت جدرانه مغطاة بالغبار، ونوافذه مكسورة، والباب الحديدي الكبير يئنّ مع كل هبة ريح.
منذ سنوات طويلة، لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
كان أهل القرية يقولون إن القصر مخيف، وإن أصواتًا غريبة كانت تُسمع منه ليلًا.
لكن لم يكن أحد يعرف الحقيقة.
لماذا هُجر القصر؟
وماذا حدث لسكانه؟
في أحد الأيام، اجتمعت عائلة كبيرة مكوّنة من أربع أسر.
وبعد نقاش طويل، قرروا أن يجتمعوا جميعًا في القصر المهجور لقضاء بعض الوقت واستكشاف المكان.
لكن العائلة الأولى قررت الوصول قبل الآخرين بيوم.
توقفت السيارة أمام البوابة.
نزلت امرأة في منتصف الثلاثينات من عمرها.
كانت تولورس.
نظرت إلى القصر طويلًا، ثم قالت:
— لا أعرف لماذا أشعر أن هذا المكان يراقبنا.
اقترب منها زوجها أدريان وضحك قليلًا.
— إنه مجرد قصر قديم يا تولورس.
أما ابنهما الصغير نائل، البالغ من العمر سبع سنوات، فظل واقفًا بجانب السيارة وهو يحدق في نافذة الطابق الثاني.
قال بصوت منخفض:
— أبي…
— ماذا؟
أشار نائل إلى النافذة.
— أظن أن هناك شخصًا يقف هناك.
رفع أدريان رأسه بسرعة.
كانت النافذة فارغة.
ابتسم وقال:
— لا يوجد أحد.
لكن نائل لم يقتنع.
ظل ينظر إلى النافذة للحظات، ثم تبع والديه إلى الداخل.
دفع أدريان الباب بصعوبة.
صدر صوت صرير طويل تردد في أرجاء القصر.
دخلوا.
كان الظلام يملأ المكان.
الغبار يغطي الأثاث، والأرضية مليئة بالأوساخ، ورائحة الرطوبة تملأ الهواء.
نظرت تولورس حولها وقالت:
— علينا تنظيف المكان قبل أن تصل بقية العائلات.
بدأوا بالعمل.
وبعد ساعات، أصبح الطابق الأول أكثر ترتيبًا.
حلّ المساء، وبدأ الظلام يحيط بالقصر من الخارج.
دخلت تولورس إلى المطبخ لإعداد الطعام.
وبينما كانت تقطع بعض الخضار…
توقفت يدها.
سمعت صوتًا.
صرخة.
واضحة جدًا.
رفعت رأسها ببطء.
— أدريان؟
لم يجبها أحد.
خرجت من المطبخ ونظرت في الممر.
كان المكان هادئًا.
عاد أدريان ونائل إلى مكانهما، ولم يبدُ عليهما أنهما سمعا شيئًا.
حاولت تولورس إقناع نفسها بأن ما سمعته مجرد وهم.
وبعد قليل، جلسوا لتناول العشاء.
لكن طوال الوقت…
كانت تولورس تشعر بأن هناك شخصًا آخر يجلس معهم.
شخصًا لا يستطيعون رؤيته.
وبعد انتهاء العشاء، ذهب أدريان ونائل إلى النوم.
أما تولورس، فبقيت مستيقظة.
كانت تحدق في سقف الغرفة.
ثم سمعته.
طرقعة.
فتحت عينيها.
ثم صوت آخر.
خطوة.
تلتها خطوة ثانية.
لكن الصوت لم يكن قادمًا من الممر.
كان قادمًا من الأعلى.
من العلية.
جلست تولورس على السرير، وقلبها يخفق بسرعة.
نظرت إلى أدريان.
كان نائمًا.
ثم نظرت إلى نائل.
كان غارقًا في النوم.
عاد الصوت.
هذه المرة كان أقرب.
نهضت تولورس ببطء.
فتحت الباب وخرجت إلى الممر.
نظرت إلى الدرج المؤدي إلى العلية.
كان مظلمًا.
ومع ذلك…
صعدت.
دون أن تعرف أن تلك الخطوة الأولى نحو العلية…
ستكون آخر ليلة طبيعية في حياتها.
يتبع…
💬 التعليقات