الفصل الخامس: الغرفة التي لم تكن موجودة
اندفعت أوريانا نحو الباب.
أدارت المقبض.
لم يتحرك.
— «ميرانا… الباب ما عم ينفتح!»
لم تجب ميرانا.
استدارت أوريانا.
الغرفة كانت فارغة.
— «ميرانا؟»
لا أحد.
حتى الدفتر الأبيض اختفى.
بقيت أوريانا وحدها.
ومن خلف الباب جاء صوت ميرانا:
— «أوريانا… لا تفتحي.»
وضعت يدها على المقبض.
— «ميرانا؟ وينك؟»
— «أنا برا.»
تراجعت أوريانا.
— «كيف؟»
ضحكة خافتة.
— «لأن الغرفة مو غرفتك.»
نظرت أوريانا حولها.
الجدران نفسها.
السرير نفسه.
الخزانة نفسها.
لكن شيئًا صغيرًا تغيّر.
الساعة.
كانت معلقة فوق الباب.
والوقت:
3:17
قالت أوريانا:
— «لا…»
تذكرت أن الساعة كانت في مكان آخر.
اقتربت منها.
كانت عقاربها تتحرك.
لكنها لم تتحرك للأمام.
كانت تعود للخلف.
3:16… 3:15… 3:14…
ثم توقفت.
3:00.
وفجأة سُمعت طرقة من داخل الخزانة.
دق.
تراجعت أوريانا.
دق.
ثم صوت فتاة صغيرة:
— «أوريانا… افتحي.»
اقتربت أوريانا رغم خوفها.
فتحت باب الخزانة.
لم يكن بداخلها ملابس.
كان هناك ممر ضيق.
ومصباح أبيض في نهايته.
وعلى الجدار لوحة صغيرة كتب عليها:
«الغرفة رقم 0 ليست مكانًا.»
دخلت أوريانا خطوة.
ثم قرأت السطر الثاني:
«إنها ذكرى.»
توقفت.
وفي نهاية الممر ظهر شخص.
طفلة صغيرة.
إيلورا.
كانت تحمل صورة في يدها.
اقتربت ببطء.
— «أوريانا…»
— «إيلورا؟»
هزت رأسها.
— «مو الوقت المناسب تعرفي مين أنا.»
— «أنتِ أختي.»
صمتت إيلورا.
ثم قالت:
— «كنتُ أختكِ.»
ارتجفت أوريانا.
— «شو الفرق؟»
رفعت إيلورا الصورة.
— «الفرق… إن أختكِ ماتت في ذاكرتكِ.»
تراجعت أوريانا.
— «ما فهمت.»
مدّت إيلورا الصورة إليها.
كانت صورة قديمة للعائلة أمام المنزل.
لكن هذه المرة…
لم تكن إيلورا موجودة.
كانت أوريانا وحدها بجانب إلياس.
وفي الخلفية ظهرت نافذة الطابق العلوي.
ثم قالت إيلورا:
— «شوفي منيح.»
نظرت أوريانا إلى النافذة.
كان هناك شخص يقف خلفها.
وجهه واضح.
أوريانا نفسها.
لكن الصورة التُقطت قبل سنوات من ولادتها.
شهقت.
ثم سقطت الصورة من يدها.
وعندما رفعت رأسها…
لم تعد إيلورا أمامها.
كان هناك صوت واحد فقط يأتي من آخر الممر:
— «الآن… تذكرتِ البداية.»
ثم أُغلق باب الخزانة خلف أوريانا.
ولم تعد تعرف كيف تخرج.الفصل الخامس: الغرفة التي لم تكن موجودة — الصفحة التالية
وقفت أوريانا في منتصف الممر.
لم تحاول فتح الخزانة مرة أخرى.
كان هناك شيء في داخلها يخبرها أن الباب لم يعد يقود إلى غرفتها.
بل إلى شيء أقدم.
شيء كانت تحاول ذاكرتها إخفاءه.
سارت نحو الضوء.
كل خطوة كانت تجعل صوتًا خافتًا يتردد خلفها.
خطوة…
ثم صوت آخر.
خطوة.
توقفت.
الصوت توقف.
تابعت.
خطوة…
والصوت عاد.
لكن هذه المرة كان هناك فرق.
الصوت لم يكن خلفها.
كان أمامها.
رفعت أوريانا هاتفها وأشعلت المصباح.
لم يكن هناك أحد.
ثم ظهر على الجدار أمامها خط أسود.
وتحته كلمات:
«لا تنظري خلفك.»
تجمدت.
وفي اللحظة نفسها…
سمعت صوت إلياس من خلفها:
— «أوريانا، أنا هون.»
أغلقت عينيها.
لا تنظري.
هكذا قالت الجملة على الجدار.
لكن صوت إلياس اقترب.
— «أوريانا… التفي إلي.»
ثم صار الصوت أقرب.
— «أنا إلياس.»
وضعت أوريانا يدها على فمها.
همست:
— «إذا كنت إلياس… شو كنت تقول لإيلورا لما تخاف؟»
صمت الصوت.
ثانية.
ثانيتان.
ثم أجاب:
— «كنت أقول لها… لا تخافي.»
فتحت أوريانا عينيها.
— «غلط.»
ساد الصمت.
— «إلياس الحقيقي كان يقول لها: عدّي للخمسة، وأنا بوصل.»
اختفى الصوت.
وبدأ الممر يهتزّ قليلًا.
ثم ظهرت على الجدار خمس علامات:
١
٢
٣
٤
٥
وبعدها انفتح باب صغير في نهاية الممر.
كان خلفه مكتب قديم.
وعلى المكتب…
جهاز تسجيل.
ضغطت أوريانا زر التشغيل.
خرج صوت طفلة:
— «اليوم العاشر من أيلول… أوريانا رجعت.»
توقفت أوريانا.
الصوت تابع:
— «بس ما بتعرفني.»
ثم صوت رجل.
إلياس.
— «لا تخليها تتذكر.»
صوت الطفلة:
— «وإذا تذكرت؟»
صمت قصير.
ثم قال إلياس:
— «وقتها… لازم نرجعها للغرفة.»
انقطع التسجيل.
نظرت أوريانا إلى الباب خلفها.
ثم إلى جهاز التسجيل.
وعلى المكتب وجدت ورقة صغيرة.
كان مكتوبًا عليها:
«إذا سمعتِ هذا التسجيل، فهذا يعني أن إلياس فشل.»
وتحتها:
«والآن جاء دوركِ.»
ثم ظهرت كلمة أخيرة بالحبر الأسود:
«اختاري: تتذكرين… أم تستيقظين؟»الفصل الخامس: الغرفة التي لم تكن موجودة — الصفحة التالية
حدّقت أوريانا في السؤال.
تتذكرين… أم تستيقظين؟
لم يكن السؤال منطقيًا.
كانت مستيقظة أصلًا.
أو هكذا كانت تظن.
مدّت يدها نحو الورقة، لكن قبل أن تلمسها، انقلبت من تلقاء نفسها.
ظهر على ظهرها سطر واحد:
«إذا كنتِ مستيقظة فعلًا… لماذا لا تستطيعين الخروج؟»
تراجعت أوريانا.
ثم نظرت إلى الباب.
كان مفتوحًا.
الممر خلفه فارغ.
ركضت نحوه.
خطوة.
خطوتان.
ثلاث…
لكن كلما تقدمت، بقي الباب في المكان نفسه.
— «لا… لا، مستحيل.»
ركضت أسرع.
لم يتغير شيء.
وفجأة سمعت صوتًا خلفها:
— «أوريانا.»
توقفت.
كان صوت إيلورا.
— «لا تخافي.»
استدارت.
كانت إيلورا واقفة في نهاية الممر.
هذه المرة لم تكن طفلة.
كانت في عمر أوريانا تقريبًا.
نظرت إليها أوريانا.
— «أنتِ مين؟»
ابتسمت إيلورا بحزن.
— «أنتِ تعرفين.»
— «ما بعرف!»
— «بتعرفي… بس كل مرة بتتذكري، بتخافي.»
اقتربت إيلورا.
— «اسمعيني منيح. البيت ما بيحب الكذب.»
— «وإلياس؟»
— «إلياس مو أول شخص كذب عليكِ.»
— «مين قبله؟»
سكتت إيلورا.
ثم أشارت إلى الباب الموجود خلف أوريانا.
— «أول شخص كذب عليكِ… كان أنتِ.»
تجمدت أوريانا.
— «أنا؟»
أومأت إيلورا.
— «أنتِ طلبتِ مني أن أنساكِ.»
شعرت أوريانا بدوار.
— «ليش؟»
اقتربت إيلورا حتى أصبحت أمامها تمامًا.
ثم همست:
— «لأنكِ كنتِ تعرفين ماذا يوجد خلف النافذة.»
التفتت أوريانا.
كانت النافذة موجودة الآن في نهاية الممر.
وخلف زجاجها…
كانت تقف أوريانا أخرى.
تنظر إليها.
لكنها لم تكن تبتسم.
كانت تبكي.
ثم رفعت يدها وكتبت على الزجاج:
«لا تصدقي إيلورا.»
تجمدت أوريانا.
نظرت إلى إيلورا.
ثم إلى انعكاسها خلف النافذة.
ثم جاء صوت من جهاز التسجيل في الغرفة:
— «التجربة رقم سبعة عشر… بدأت.»
أغلقت أوريانا عينيها.
وعندما فتحتهما…
لم تعد إيلورا موجودة.
ولا النافذة.
ولا الممر.
كانت واقفة في غرفتها.
الساعة أمامها:
3:17
وعلى وسادتها…
كانت الورقة البيضاء.
لكن هذه المرة كُتب عليها:
«أحسنتِ. لقد استيقظتِ للمرة الثامنة عشرة.»الفصل الخامس: الغرفة التي لم تكن موجودة — الصفحة الأخيرة
لم تستطع أوريانا أن تتحرك.
للمرة الثامنة عشرة؟
نظرت إلى سريرها، ثم إلى النافذة، ثم إلى الساعة.
كل شيء في غرفتها كان طبيعيًا.
وهذا بالضبط ما أخافها.
لأنها بدأت تفهم شيئًا بسيطًا ومخيفًا:
ربما لم تكن المشكلة في أن البيت يتغير…
ربما المشكلة أنها هي التي تتغير كل مرة تستيقظ فيها.
فتحت الورقة من جديد.
ظهر سطر جديد ببطء:
«لا تحاولي تذكّر كل شيء دفعة واحدة.»
ثم:
«ذاكرتكِ تعرف لماذا حذفت نفسها.»
توقفت أوريانا.
— «مين عم يكتب؟»
لا جواب.
ثم جاء صوت طرق خفيف.
دق… دق…
هذه المرة من نافذتها.
اقتربت بحذر.
لم تفتحها.
اكتفت بالنظر من خلف الستارة.
كانت الحديقة فارغة.
لكن على زجاج النافذة من الخارج…
كانت هناك كتابة.
ثلاث كلمات:
«إيلورا لم تختفِ.»
تراجعت أوريانا.
ثم ظهرت كلمة رابعة:
«هربت.»
قبل أن تفهم معناها، رن هاتفها.
اسم المتصل:
ميرانا.
أجابت بسرعة.
— «ميرانا؟ وينك؟»
لم تسمع إلا تشويشًا.
ثم صوت ميرانا، بعيدًا جدًا:
— «أوريانا… لا تثقي بـ—»
انقطع الاتصال.
اتصلت بها أوريانا مجددًا.
لا جواب.
ثم وصلتها رسالة.
صورة.
كانت صورة قديمة للمنزل.
لكن في هذه الصورة…
كان هناك أربعة أطفال أمامه.
إيلورا.
أوريانا.
إلياس.
وطفل رابع.
لم يكن وجهه واضحًا.
أسفل الصورة كُتب:
«كنتِ تظنين أن إيلورا هي السر.»
ثم وصلت رسالة ثانية:
«لكن إيلورا كانت تحاول حمايتكِ من السر الحقيقي.»
وثالثة:
«اسألي إلياس عن الطفل الرابع.»
رفعت أوريانا عينيها نحو الباب.
وفي اللحظة نفسها، سمعت خطوات في الممر.
خطوة…
خطوة…
ثم توقف الصوت أمام غرفتها.
وجاء صوت إلياس:
— «أوريانا؟ افتحي الباب.»
نظرت إلى الساعة.
3:17.
لكن هذه المرة…
لم يكن إلياس هو الشيء الذي أخافها.
بل الرسالة الأخيرة التي ظهرت على هاتفها:
«إلياس ليس وحده خلف الباب.»
نهاية الفصل الخامس.
💬 التعليقات