المقدمة
لم تكن أوريانا تخاف من الظلام.
كانت تخاف مما يحدث عندما تغلق عينيها.
منذ طفولتها، كان النوم بالنسبة إليها شيئًا يشبه الغرق؛ تغوص فيه ببطء، ثم تجد نفسها في مكان لا تعرفه، بين أصوات بعيدة وأبواب مغلقة ووجوه لا تستطيع تذكرها بعد أن تستيقظ.
كانت الأحلام تتكرر.
لكنها في الآونة الأخيرة بدأت تتغير.
في البداية، كان الأمر مجرد حلم.
ممر طويل.
جدران رمادية.
مصباح يتأرجح فوق رأسها.
وفي نهاية الممر، باب أسود لا مقبض له.
كانت تقف أمامه دائمًا، دون أن تعرف لماذا.
ثم يأتي الصوت.
هادئًا.
قريبًا جدًا من أذنها.
«لا تستيقظي.»
وفي كل مرة كانت أوريانا تستيقظ قبل أن تعرف من صاحب الصوت.
لكن في إحدى الليالي، حدث شيء مختلف.
استيقظت وهي جالسة على سريرها.
كانت الغرفة مظلمة، والساعة تشير إلى 3:17.
حدقت حولها لثوانٍ، ثم تنفست براحة.
كان حلمًا آخر.
مجرد حلم.
مدّت يدها نحو المصباح.
وقبل أن تلمسه…
سمعت ثلاث طرقات.
طرق.
توقفت أنفاسها.
طرق.
نظرت إلى باب غرفتها.
طرق.
ثم جاء صوت من خلف الباب.
صوت تعرفه جيدًا.
صوتها هي.
قال بهدوء:
«أوريانا… لا تفتحي.»
تجمدت في مكانها.
لم تتحرك.
لأنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط:
صوتها لم يكن يجب أن يكون خلف الباب.
اقتربت ببطء.
وضعت أذنها على الخشب.
لم تسمع شيئًا.
ثم جاء الهمس من الجهة الأخرى:
«لأنني أنا الموجودة في الداخل.»
تراجعت أوريانا خطوة.
وفي اللحظة نفسها، انطفأت الساعة.
3:17 اختفت.
حلّ الظلام الكامل.
وعندما أضاءت الغرفة من جديد…
كان بابها مفتوحًا.
لكن الممر خلفه لم يكن ممر منزلها.
كان ذلك الممر الطويل من حلمها.
والباب الأسود كان في نهايته.
هذه المرة…
كان مفتوحًا.
ومن داخله جاء صوت أوريانا مرة أخرى:
«تأخرتِ كثيرًا.»
عندها فقط فهمت أوريانا الحقيقة التي ستغيّر حياتها إلى الأبد:
هي لم تكن تحلم بالمكان.
المكان كان يحلم بها.
الفصل الأول
الساعة 3:17
كانت الساعة 3:16 عندما فتحت أوريانا عينيها.
لم تعرف لماذا استيقظت.
لم يكن هناك صوت.
ولا حلم تتذكره.
فقط ذلك الشعور الغريب الذي جعلها تحدق في سقف غرفتها وكأنها تنتظر شيئًا.
وضعت يدها على صدرها.
نبضات قلبها كانت سريعة.
همست:
— مجرد حلم.
لم يجبها أحد.
جلست على السرير، ومدّت يدها نحو المصباح.
اشتعل الضوء.
الغرفة كما تركتها قبل النوم.
المكتب.
الكتب.
الستائر.
المرآة.
كل شيء في مكانه.
تنفست بارتياح.
ثم نظرت إلى الساعة.
3:17.
توقفت.
كانت العقارب ثابتة.
حدقت فيها لثوانٍ.
ثم تحرك عقرب الثواني.
دورة كاملة.
ثم توقف.
3:17.
عبست أوريانا.
نهضت من السرير واقتربت من الساعة.
رفعتها.
نزعت البطارية.
ثم أعادتها.
لكن الرقم لم يتغير.
3:17.
فتحت هاتفها.
كانت الساعة في الهاتف:
3:17.
أغلقت الشاشة.
فتحتها مجددًا.
3:17.
شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
— مستحيل…
وفجأة…
رن هاتفها.
قفزت من مكانها.
رقم مجهول.
ترددت.
ثم أجابت.
— ألو؟
صمت.
— مين؟
لا شيء.
وضعت الهاتف بعيدًا عن أذنها.
وقبل أن تغلق المكالمة، سمعت نفسًا خافتًا.
ثم صوتًا.
صوتها.
تمامًا.
قال:
— لا تفتحي الباب.
انقطع الاتصال.
تجمدت أوريانا.
لم تكن تخاف من صوتها.
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:
الصوت لم يأتِ من الهاتف.
لقد جاء من خلفها.
استدارت ببطء.
المرآة أمامها.
انعكاسها واقف هناك.
لكن أوريانا لم تكن واقفة.
كانت جالسة على طرف السرير.
أما انعكاسها…
فكان واقفًا.
ينظر إليها.
لم تتحرك أوريانا.
ولم يتحرك انعكاسها.
ثوانٍ طويلة مرت.
ثم رفع انعكاسها يده.
ووضع إصبعه على شفتيه.
وأورِيانا شعرت بأنفاس باردة خلف أذنها.
جاء الهمس:
— قلت لكِ… لا تفتحي الباب.
ثم…
طرقت يدٌ ما باب غرفتها.
طرق.
رفعت أوريانا عينيها نحو الباب.
طرق.
اقترب المقبض من الحركة.
طرق.
ثم جاء صوت من خلف الباب:
— أوريانا؟
كان صوت أخيها إلياس.
لكن أوريانا لم تجب.
لأن انعكاسها في المرآة كان يبتسم.
وهمس دون أن يحرك شفتيه:
— هذا ليس إلياس.لم تستطع أوريانا أن تتحرك.
كان صوت إلياس لا يزال خلف الباب.
— أوريانا؟ افتحي.
شدّت الغطاء بين أصابعها دون أن تشعر.
إلياس لم يكن في المنزل.
كانت تعرف ذلك.
خرج قبل ساعات، وأخبرها أنه سيبيت عند صديقه.
إذًا…
من الذي يقف خلف الباب؟
اقترب الصوت مرة أخرى:
— أوريانا، أنا أخوكِ.
نظرت إلى المرآة.
انعكاسها لم يعد يبتسم.
كان يحدّق في الباب بخوف.
رفعت أوريانا يدها ببطء.
انعكاسها لم يرفع يده.
بل بدأ يهز رأسه.
لا.
تراجعت أوريانا.
ثم جاء صوت إلياس:
— إذا كنتِ تسمعينني… لا تنظري إلى المرآة.
توقفت.
حدقت في المرآة.
كان انعكاسها واقفًا في المكان نفسه.
لكن شيئًا آخر ظهر خلفه.
ظل طويل.
أسود.
لا ملامح له.
كان يقف قريبًا جدًا من انعكاسها.
وضعت أوريانا يدها على فمها حتى لا تصرخ.
ثم انطفأ المصباح.
مرة واحدة.
وعاد.
اختفى الظل.
لكن انعكاسها لم يختفِ.
كان لا يزال هناك.
رفع إصبعه نحو الأرض.
نظرت أوريانا.
كان هناك شيء أسود أسفل المرآة.
ورقة.
لم تكن موجودة قبل دقائق.
انحنت والتقطتها.
كان عليها سطر واحد فقط:
«إذا فتح لكِ الباب، لا تنظري إلى وجهه.»
ثم سمعت المقبض يتحرك.
ببطء.
بدأ الباب ينفتح.
أوريانا تراجعت.
فتحة صغيرة ظهرت في الباب.
لم ترَ وجهًا.
فقط ممرًا مظلمًا.
ثم جاء صوت إلياس:
— أوريانا…
هذه المرة لم يأتِ الصوت من الخارج.
جاء من داخل الغرفة.
استدارت.
لم يكن أحد خلفها.
لكن هاتفها أضاء فجأة.
وصلتها رسالة.
من إلياس.
فتحتها بأصابع مرتجفة.
كانت الرسالة قصيرة:
«أنا خارج المدينة. لا تفتحي باب غرفتك مهما سمعتِ.»
شعرت أوريانا بأن الأرض اختفت من تحتها.
إذا كان إلياس خارج المدينة…
فمن الذي كان يطرق الباب؟
رفعت عينيها ببطء.
الباب أصبح مفتوحًا بالكامل.
الممر خالٍ.
لكن على الأرض أمامه كانت هناك آثار أقدام.
تبدأ من الباب…
وتتجه نحو سريرها.
ولم تكن آثار أقدام شخص دخل الغرفة.
كانت آثار أقدام شخص…
خرج منها.
ثم سمعت صوتًا خلفها:
— أوريانا؟
أغلقت عينيها.
هذه المرة كان الصوت قريبًا جدًا.
قريبًا من أذنها.
— أوريانا… افتحي عينيكِ.
لم تفتحها.
لأنها تذكرت شيئًا.
شيئًا لم تكن تعرف من أين تذكرته.
كانت جملة قالتها لها أمها عندما كانت صغيرة:
«إذا سمعتِ أحدًا يناديكِ وأنتِ نائمة… لا تستيقظي.»
ثم جاء الهمس:
— لكنّكِ استيقظتِ بالفعل.
فتحت أوريانا عينيها.
والشيء الذي رأته أمامها…
لم يكن وجهًا.
كان وجهها هي.لم تصرخ أوريانا.
لم تستطع.
كان وجهها أمامها.
نفس العينين.
نفس الشعر.
نفس الشحوب.
لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.
الفتاة التي أمامها كانت تبتسم.
ابتسامة صغيرة وهادئة، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
رفعت أوريانا يدها.
رفعت الفتاة يدها أيضًا.
لكن بعد لحظة.
تراجعت أوريانا.
لم تتحرك الفتاة.
حدقتا في بعضهما.
ثم قالت الفتاة:
— تأخرتِ.
ارتجف صوت أوريانا:
— مين إنتِ؟
ابتسمت الأخرى.
— السؤال الغلط.
— شو يعني؟
اقتربت خطوة.
— السؤال الصحيح هو… مين إنتِ؟
شعرت أوريانا بصداع حاد.
وضعت يدها على رأسها.
وفجأة بدأت صور غريبة تمر في عقلها.
ممر.
باب أسود.
طفلة تبكي.
امرأة تمسك بيدها.
ثم غرفة بيضاء.
ثم صوت رجل يقول:
— لا تخبروها أنها استيقظت.
فتحت أوريانا عينيها.
كانت وحدها.
لا فتاة.
لا ظل.
لا أحد.
حدقت في المرآة.
انعكاسها هذه المرة كان طبيعيًا.
ركضت نحو الباب وأغلقته.
ثم أسندت ظهرها إليه.
كانت تحاول التنفس.
— حلم…
قالتها لنفسها.
— كان حلم.
لكن صوتًا صغيرًا في داخلها أجاب:
لا.
نظرت إلى الأرض.
الورقة التي وجدتها قبل قليل كانت لا تزال هناك.
لكن الكتابة تغيرت.
لم تعد:
«إذا فتح لك الباب، لا تنظري إلى وجهه.»
أصبحت:
«لقد نظرتِ إليه.»
وتحتها سطر جديد:
«والآن هو يعرف أنكِ تذكرته.»
شعرت أوريانا بقشعريرة.
رفعت الورقة.
وكان خلفها شيء مكتوب بخط مختلف.
اسم واحد.
أوريانا.
ثم اسم ثانٍ تحته.
اسم لم تره في حياتها.
إيلورا.
وفجأة…
سمعت طرقًا من داخل خزانتها.
ثلاث طرقات.
طرق.
تجمدت.
طرق.
اقتربت من الخزانة دون إرادتها.
طرق.
وضعت يدها على المقبض.
وقبل أن تفتحه، جاء صوت خافت من الداخل:
— أوريانا…
توقفت.
ثم قال الصوت:
— أنا أعرف لماذا تخافين من الاستيقاظ.
تراجعت خطوة.
— ليش؟
ساد الصمت.
ثم جاء الرد:
— لأنكِ عندما تستيقظين… يموت شخص آخر.لم تستطع أوريانا أن تتحرك.
كانت تحدق في الخزانة.
— شو قصدك؟
لم يجب الصوت.
اقتربت خطوة.
ثم أخرى.
وضعت أذنها على باب الخزانة.
لا شيء.
فتحت الباب بسرعة.
كانت الملابس معلقة في مكانها.
الصناديق القديمة في الأسفل.
ولا أحد.
تنفست بارتياح.
ثم لاحظت شيئًا.
الصندوق الأخير.
كان مفتوحًا.
لم تتذكر أنها فتحته.
انحنت نحوه.
وفي داخله وجدت دفترًا أسود صغيرًا.
رفعته.
كان الغلاف مغطى بالغبار، وعلى الصفحة الأولى اسم مكتوب:
إيلورا.
تجمدت.
قلبت الصفحة.
كان هناك تاريخ قديم.
ثم جملة واحدة:
«اليوم الأول: أوريانا لا تعرفني.»
قلبت الصفحة.
«اليوم السابع: بدأت تسمع صوتي.»
صفحة أخرى.
«اليوم الرابع عشر: بدأت تراني.»
قلبت الصفحة بسرعة.
كانت الجملة التالية مكتوبة بحبر داكن:
«اليوم الثلاثون: استيقظت أوريانا… لذلك لم أعد أحتاج إلى النوم.»
أغلقت الدفتر.
ارتجفت يدها.
ثم انتبهت إلى شيء أسوأ.
الصفحة الأخيرة لم تكن قديمة.
كان الحبر عليها لا يزال رطبًا.
فتحتها.
وجدت:
«اليوم: 10 سبتمبر.»
توقفت أنفاسها.
هذا هو تاريخ اليوم.
وتحت التاريخ:
«الساعة 3:17 — أوريانا قرأت الدفتر.»
نظرت إلى الساعة.
3:17.
ثم ظهرت جملة جديدة أمام عينيها.
لم تكن موجودة قبل لحظة.
الحروف بدت وكأنها تُكتب وحدها:
«الساعة 3:18 — أوريانا ستفتح الباب.»
رفعت رأسها.
باب غرفتها كان مغلقًا.
لكن المقبض بدأ يتحرك.
مرة.
ثم توقف.
ثم تحرك مرة أخرى.
اقتربت أوريانا من الباب.
وفي اللحظة التي وضعت فيها يدها على المقبض…
وصلتها رسالة على هاتفها.
من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة لغرفتها.
من زاوية مرتفعة.
أوريانا موجودة في الصورة.
واقفة أمام الباب.
لكن الصورة لم تكن ملتقطة الآن.
كانت ملتقطة من داخل الخزانة.
وتحت الصورة رسالة واحدة:
«لا تفتحي الباب… لأنني هذه المرة لن أكون خلفه.»
رفعت أوريانا عينيها نحو الخزانة.
بابها كان مفتوحًا.
مع أنها متأكدة أنها أغلقته.
ومن داخل الظلام…
ظهر وجه إيلورا.
ابتسم.
ثم همس:
— الفصل الأول انتهى… لكن نومكِ بدأ.
💬 التعليقات