ميسينيا، اليونان القديمة، 1200 ق.م
السماء كانت دامسة، تخفي نجومها خلف سُحب ثقيلة كأنها تتآمر ضد الأرض.
البحر صامت على غير عادته، وكأن الآلهة تحبس أنفاسها انتظارا لما سيحدث.
في معبد أبولو، كانت كليونيس تحدق في النيران المقدسة بعينين تملؤهما الرهبة، كانت تعرف أن الليلة مختلفة، أن القدر ينسج خيوطه حولها، وأن لا شيء يمكنه إيقاف ما سيأتي.
حين وضعت طفلها، ساد الصمت!،
حتى "القابلة" (الداية)، التي شهدت ولادات لا تُحصى، تراجعت خطوة إلى الوراء وهي تتفحص الرضيع بعينين مذعورتين.
"أهذا… هل هذا حقًا ابنك؟"
لم تفهم كليونيس السؤال.
حدقت في طفلها، فلم تجد فيه ما يدعو للخوف.
كان طفلاً عادياً، عيناه داكنتان كسواد الليل، لكن لم يكن فيه أي علامة غريبة.
ومع ذلك، نظرات الجميع كانت تقول شيئًا آخر.
ثم، وفي تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم يكن متوقعًا.
كان كسوفًا مباغتًا، لم يتنبأ به الكهنة ولم يحذر منه الفلكيون، امتلأت المدينة بالصراخ، وهرع الناس إلى المعابد، يطلبون رحمة الآلهة.
لكن لم يكن هناك أي رحمة.
"إنه نذير شؤم!" صرخ أحد الكهنة، وهو يحدق في الرضيع بعينين مرتعبتين. "هذا الطفل جلب اللعنة إلى ميسينيا!
لابد أن يُقتل!"
في تلك الليلة، تغير كل شيء.
هربت كليونيس مع طفلها، لكنهم لحقوا بها. لم تستطع الهرب طويلاً. أمسكوا بها، واتهموها بالخيانة، وقالوا إنها أنجبت طفلًا ملعونًا.
وفي ساحة المدينة، حيث اجتمع الناس وهم يتهامسون، وقف الكاهن الأعظم وأصدر الحكم:
"يجب أن تُعدم، حتى تُرفع اللعنة عنّا."
وماتت أمام أعين طفلها.
لكن الرضيع لم يُقتل، لأن أحد الجنود رقّ لحاله وتركه أمام بيت تاجر بسيط في أطراف المدينة.
لم يكن أندرونيكوس يعرف أصله، لكن كل من حوله كانوا يعرفون.
كبر وسط الهمسات، وسط النظرات، وسط الخوف غير المبرر الذي كان يراه في عيون القرويين كلما مر بجوارهم.
لم يكن يعرف أن القدر لم يتركه.
وأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة ليكشف عن وجهه الحقيقي.
مرّت السنوات، وأندرونيكوس كبر ليصبح شابًا قويًا، بعيون تحمل مزيجًا من الغضب والتمرد.
لم يكن يهتم بلعنة قيلت عنه، لكنه كان يعرف أن الجميع يهمس خلف ظهره.
لم يكن يرغب إلا في الرحيل، في إيجاد حياة جديدة، لكن الحياة لم تكن سترحمه بهذه السهولة.
في ليلةٍ لم يختلف سوادها عن تلك الليلة التي وُلِد فيها، اقتحم جنود الملك قريته. لم تكن حربًا، بل كان تطهيرًا.
أحدهم صرخ:
"ابحثوا عن الملعون! لا تتركوا أثرًا له!"
لم يفهم أندرونيكوس، لكن لم يكن لديه وقت ليسأل.
ركض بأسرع ما يستطيع، لكنهم لحقوا به و سقط، قبل أن تهوي عليه السيوف، خرج سهم من العدم، استقر في حلق أحد الجنود.
عندما رفع رأسه، رأى فتاة تقف على سطح أحد البيوت، تحمل قوسًا، بنظرة باردة كأنها لم تقتل للتو رجلًا أمام عينيه.
"اتبعني إن كنت تريد البقاء حيًا."
لم يكن يملك خيارًا. تبعها، وهربا معًا عبر الأزقة المظلمة، حتى وصلا إلى الغابة.
هناك، بعيدًا عن أضواء المدينة، التفت إليها وسألها:
"من أنت؟"
نظرت إليه للحظة، ثم قالت بصوت هادئ:
"أنا كاليستين. وأنت؟"
تردد للحظة، ثم قال:
"أنا اللعنة التي يبحثون عنها."
كانت الرياح تعوي بين الأشجار العالية، وأوراق الشجر تتمايل كأنها تهمس بأسرار قديمة. أندرونيكوس وكاليستين كانا يركضان بلا توقف، يلهثان، يختبئان بين الصخور عندما يسمعان أصوات الخيول في الخلف.
لم يكن هناك مكان آمن.
توقفا أخيرًا عند كهف مظلم، دخلته كاليستين دون تردد، وكأنها تعرفه جيدًا.
لم يكن لدى أندرونيكوس خيار سوى اللحاق بها.
داخل الكهف، أشعلت كاليستين شعلة صغيرة، فانكشف المكان، كانت هناك أسلحة متناثرة، خرائط قديمة، وبعض الإمدادات. لم يكن كهفًا، بل كان مخبأ.
"من أنتِ؟" قالها أندرونيكوس وهو يراقبها بحذر. "لماذا أنقذتِني؟"
نظرت إليه بعينين داكنتين قبل أن تقول بهدوء:
"لأنني أعرف حقيقتك."
تجمد في مكانه.
"أي حقيقة؟"
"أنت لست مجرد شخص عادي، أندرونيكوس. أنت الابن الملعون لميسينيا، الرجل الذي تخشاه المملكة بأكملها."
كانت الكلمات تخرج من فمها كأنها لعنات. كان يريد أن ينكر، أن يصرخ في وجهها، أن يقول إنه مجرد شاب يبحث عن مكان له في العالم، لكنه لم يستطع.
لأنه، في أعماقه، كان يعرف أنها على حق.
"أنت آخر وريث لعرش ضائع،أندرونيكوس."
لم ينم أندرونيكوس تلك الليلة.
جلس في زاوية الكهف، يحاول أن يستوعب كل ما قالته كاليستين.
كيف يكون وريثًا لعرش ضائع؟
انه مجرد لقيط تربى بين شوارع ميسينيا، مطرودًا من الجميع.
لكن كاليستين لم تكن تمزح.
"قبل سنوات، كان هناك ملك عظيم، لكنه لم يكن محبوبا من الكهنة.
قيل إنه عصى أوامرهم، وإنه أراد تحرير المدينة من سيطرتهم.
فدبروا له مؤامرة، قتلوا عائلته، ومحوّا كل أثر له. لكن زوجته، الملكة كليونيس، كانت حاملًا بك، ونجحت في الهروب.
حاولت أن تحميك، لكنهم وجدوها في النهاية."
كليونيس…
ذلك الاسم. كان يشعر أنه مألوف، كأن صوته يرنّ داخل عقله منذ ولادته.
كانت أمه؟ هل هذا يعني أن كل شيء كان كذبة؟ هل هذا يعني أنه عاش طوال حياته بدون أن يعرف من يكون حقًا؟
"لماذا تخبرينني بهذا؟"
"لأن ميسينيا تحتاج إليك."
وقفت كاليستين أمامه، نظرتها حادة. "الكهنة يسيطرون على المدينة.
الملوك مجرد دمى بين أيديهم.
منذ قتلوا عائلتك، لم يعرف أحد العدل في هذه الأرض.
الناس يموتون من الجوع، بينما الكهنة يزدادون ثراءً.
الفساد يلتهم كل شيء. وإذا لم تفعل شيئًا، فسيزداد الأمر سوءًا."
"وماذا تريدين مني أن أفعل؟" قالها وهو يضحك بسخرية. "أقتلهم جميعًا؟"
نظرت إليه بعينين لا تحملان أي أثر للمزاح.
"بالضبط."
لم يكن أندرونيكوس يريد أن يصبح قائداً. لم يكن يريد أن يكون بطلاً.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا؛ أنه لا يستطيع أن يعيش وهو مطارد إلى الأبد.
وهكذا، بعد أيام من الاختباء، قرر أن يعود إلى ميسينيا. ليس كطفل منبوذ، بل كرجل يبحث عن حقه.
دخل السوق متخفيًا، مرتديًا عباءة بسيطة. المدينة كانت كما تذكرها، لكنها بدت… أكثر ظلامًا. الناس يسيرون برؤوس مطأطئة، الجنود يراقبون كل شيء، والكهنة يتحركون بين الجموع بعيون مليئة بالغرور.
كان كل شيء فاسدًا.
لكن وسط هذا الظلام، رأى شيئًا لم يتوقعه.
كانت هناك امرأة تقف على منصة، الجنود حولها، وصوت أحد الكهنة يعلن بصوت مرتفع:
"هذه المرأة خانت الآلهة. حكمها هو الموت!"
كانت تلك المرأة إحدى صديقات طفولته.
لم يفكر أندرونيكوس. لم يتردد. اندفع نحوها، وبضربة واحدة، أسقط الجندي الذي كان يمسك بها.
في لحظة واحدة، تحول السوق إلى ساحة معركة.
كان القتال عنيفًا.
أندرونيكوس لم يكن محاربًا مدربًا، لكنه كان غاضبًا.
استخدم قوته، غضبه، وحتى الشوارع الضيقة لصالحه.
لكن العدد كان ضدّه.
عندما ظن أنه انتهى، عندما كاد أحد الجنود أن يغرس سيفه في صدره
اخترقت السهم الأول حلق الجندي.
ثم السهم الثاني، والثالث.
نظر حوله، ورأى كاليستين تقف فوق سطح أحد المنازل، تمطر الأعداء بالسهام.
في تلك اللحظة، فهم كل شيء.
لم يكن عليه أن ينتظر أن يثور أحد من أجله.
لم يكن عليه أن يخاف من قدره.
هو أندرونيكوس، ابن كليونيس، الملك الشرعي لميسينيا.
وفي تلك الليلة، وسط الدم والنيران، بدأ أولى خطواته لاستعادة عرشه.
بعد المعركة، جلس أندرونيكوس
وكاليستين فوق تل يطل على المدينة.
كانت الجروح تغطيهما، لكنهما كانا يبتسمان.
"ماذا الآن؟" سألته كاليستين وهي تحدق في الأفق.
نظر إليها للحظة، ثم قال:
"الآن، نستعيد كل شيء."
ابتسمت، ثم قالت بصوت ناعم:
"إذن… أنا معك، حتى النهاية."
أمسك بيدها، ونظر في عينيها للحظة طويلة.
"حتى النهاية، يا كاليستين."
وفي تلك الليلة، وسط ظلام المدينة، كان هناك ضوء صغير. شعلة أمل، تتوهج بين يدي رجل وامرأة قررا أن يغيرا مصير ميسينيا… معًا.
العودة إلى جهاز المحاكاة:
وسط الظلام الهادئ، لم يكن يُسمع سوى الأزيز الخافت للأجهزة، وكأنها تهمس بأسرار العوالم التي صنعتها.
الشاشات أمام المخترع بدأت تتوهج من جديد، تعرض بيانات متغيرة بسرعة، كأنها تبحث عن مصير آخر يجب أن يُكتب.
وقف المخترع للحظات، يتابع الأرقام والمخططات التي تعكس الذكريات المتشابكة من الحيوات السابقة.
مرر يده فوق لوحة التحكم، فتراقصت أمامه الاحتمالات المختلفة، كلها تتنافس لتكون التجربة التالية.
"حسنًا... لنرى إلى أين ستأخذنا هذه المرة."
بضغطه زر واحدة، بدأت شاشة جديدة في الوميض، تكشف عن لمحة من الزمن القادم...