نظرية سودوكو

الفصل 6

الحياة الخامسة : العالم الخفي

1,582 كلمة · 8 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

العام 830 ميلادي – مدينة "تشيتشن إيتزا"، حضارة المايا.

كانت الشمس الحارقة تصبّ جحيمها على الأرض، والهواء مشبع برائحة الغبار والجفاف. الأشجار العملاقة التي كانت تغطي أطراف المدينة بدأت في الذبول، والأنهار التي كانت تجري مثل الشرايين داخل الغابات أصبحت مجرد مجاري طينية مشققة.

وسط هذه الكارثة، وقف "إيتزان"، محارب قوي ذو جسد ممشوق مزين بالوشوم المقدسة، وعينين يشع منهما التحدي. كان ابن أحد القادة العسكريين الكبار في "تشيتشن إيتزا"، لكنه لم يكن مجرد وريث لقوة والده، بل كان محاربًا اشتهر بشجاعته في الحروب ضد القبائل المعادية.

لكن هذه المرة، لم يكن العدو قبيلة أخرى... بل الطبيعة نفسها.

الجفاف المستمر، المجاعات المتزايدة، والأمراض التي بدأت تنتشر، جعلت سكان المدينة يعتقدون أن الآلهة غاضبة عليهم. داخل معبد الشمس، اجتمع الكهنة والقادة يبحثون عن حلّ، وكان القرار خطيرًا... يجب تقديم تضحية بشرية لإرضاء الآلهة.

وقف الكاهن الأعظم في ساحة المعبد المقدس وأعلن أمام الحشود:

"لقد رأينا الرؤى... الدم وحده سيعيد المياه إلى الأرض!"

نظر إيتزان بصدمة، لأنه كان يعلم من ستكون الضحية...

"شاكيل"، شقيقه الأصغر.

وقف إيتزان بين الحشود في ساحة المعبد المقدس، قلبه ينبض بعنف، ووجهه متجهم كأنه منحوت من الحجر. كان يرى كيف يهلل الكهنة ويتلو الكاهن الأعظم التعاويذ، وأعين الناس مليئة بالرهبة، لكن كل هذا الضجيج لم يكن يعني شيئًا أمام الصدمة التي سمعها قبل لحظات.

الضحية... لم تكن شقيقه، بل "إكستالي".

إكستالي... الفتاة التي أحبها بصمت لسنوات، ابنة فنان ماهر نحت أجمل الجداريات في معابد المايا. كانت تختلف عن الأخريات، عيناها الداكنتان تشعان بالذكاء، وروحها حرة كالنسر، لم تكن تخشى التحدث عن أفكارها حتى أمام الكهنة.

والآن... قرروا أن يقتلوها.

وقف الكاهن الأعظم عند حافة الهرم المقدس، مشيرًا نحوها، وهي محاطة بالحراس، مقيدة اليدين، لكن رأسها مرفوع بعنفوان. لم تكن تبكي، لم تكن تتوسل، بل كانت تحدق في الجميع بنظرة ازدراء.

"الدم هو ما يرضي الآلهة! سنقدم لها أنقى روح في المدينة، وسنطلب منها أن تعيد المطر إلى أرضنا!" صرخ الكاهن الأعظم.

نظر إيتزان إلى السماء، الشمس الحارقة لم تكن ترحم، وكأنها تسخر منهم جميعًا. لم يكن يؤمن بخرافات الكهنة، لكنه كان يعلم أن العصيان هنا يعني الموت.

ولكن... أن يقف متفرجًا؟ أن يسمح لهم بذبحها؟

"لا".

دون تفكير، وضع يده على خنجره المزخرف بريش الطيور المقدسة، تحرك بخطوات صامتة بين الجموع، ودون أن يدرك أحد، انقضّ على أحد الحراس، طعنه في عنقه، ثم أمسك بسيفه وسدد ضربة قاطعة نحو الثاني.

صرخات تعالت، الحشد ارتبك، الكهنة بدأوا في الصراخ بأوامر متضاربة، وإيتزان لم ينتظر، هرع نحو إكستالي، قطع قيودها، وأمسك بيدها.

"اركضي!"

لم تتردد، جرت بجانبه كالمطر الذي يهرب من قبضة الأرض الجافة.

الحراس بدأوا في المطاردة.

الكهنة لعنوه.

المدينة كلها انقلبت ضده.

لكنه لم يهتم.

كل ما كان يهمه... هو الهرب.

ركض الاثنان عبر الأزقة الضيقة، ثم تسلقا أسوار المدينة، واختفيا في الغابة الكثيفة.

لكن إيتزان كان يعلم أن الهرب من المدينة لم يكن كافيًا... المايا لم تكن ترحم الخونة.

كانوا سيرسلون خلفه المرتزقة، المحاربين الذين لا يتوقفون حتى يعلقوا رأسه على الرمح.

وكان هناك الأسوأ...

الغابة نفسها.

غابات المايا لم تكن مجرد أشجار، بل متاهة قاتلة مليئة بالوحوش، الأفاعي السامة، القبائل المعادية، وأخطر شيء... الروح المظلمة، تلك الأسطورة التي جعلت الكثيرين يختفون دون أثر.

لكنه لم يكن يهتم.

كل ما كان يهمه الآن... أن يمسك بيد إكستالي، وألا يتركها تضيع في هذه الحرب التي لم يطلبوها، ولكنهم وجدوا أنفسهم فيها.

كان الهواء مشبعًا برائحة الطين الرطب، وأصوات الحشرات الليلية تملأ الظلام المطبق.

تسللت أشعة القمر الخافتة بين الأغصان المتشابكة، كأنها عيون خفية تراقب خطواتهما المرتبكة فوق الأرض الرخوة.

كانت إكستالي تلهث، قدماها الحافيتان تقطران دمًا من الأشواك الحادة، أما إيتزان، فكان يتقدمها، يجرها وراءه بين الأشجار، بينما أذناه تسترقان السمع لأية حركة مريبة.

ثم جاء الصوت الذي خشياه أكثر من أي شيء آخر.

"إنهم هنا!"

قرع الطبول في عمق الغابة.

طلقات السهام تخترق الهواء.

تجمد الدم في عروق إكستالي، ونظر إليها إيتزان بعينيه المشتعلتين، لم يكن هناك وقت للكلام. أمسك بيدها بقوة، ثم قفز بها نحو المنحدر الصخري.

"تشبثي بي!"

هبط الاثنان داخل نهر ضيق، المياه الباردة كالصقيع غمرت جسديهما، لكن لم يكن هناك وقت للشعور بالراحة، لأن التماسيح كانت هناك، وأعينها تتوهج كالمصابيح في الظلام.

صرخة إكستالي شقت السكون.

حاولت السباحة بعيدًا، لكن تيار الماء سحبها بسرعة نحو دوامة قاتلة، وبينما كانت تقاوم، رأت ظلاً ضخماً يتحرك في المياه نحوها.

لكن قبل أن تتمكن أنياب الوحش من الوصول إليها، كان إيتزان قد اندفع نحوه بسكينه، غرزه في عنقه، ثم سحب إكستالي بعيدًا عن التيار القاتل.

كادت تختنق، لكنه أمسك بها، رفعها إلى الضفة، وصرخ: "اركضي!"

ركض الاثنان، قلوبهما تدق بجنون، لكن الخطر لم ينتهِ بعد.

كان هناك شيء آخر يراقبهما.

في الأعلى، بين الأشجار، كان رجال القبيلة المتوحشة، يقال إنهم أكلة لحوم البشر الذين لم يُهزموا قط، يختبئون في الظلال، ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض.

إيتزان شعر بهم قبل أن يراهم. توقف فجأة، دفع إكستالي خلفه، ثم همس: "لا تتحركي."

ولكنه كان متأخرًا.

سهم مسموم انطلق نحوهما من العدم.

أدرك إيتزان الخطر في اللحظة الأخيرة، اندفع ممسكًا بإكستالي، لكن السهم خدش ذراعه، وشعر على الفور بحرارة سامة تتغلغل في جسده.

"اللـعنة..." تمتم، قبل أن تتشوش رؤيته.

ليس الآن... ليس الآن!

لكنه لم يكن أمام خيار آخر، فقد ظهر الرجال من بين الأشجار، وجوههم ملطخة بالدماء، وعيونهم تلمع بالجوع.

كانوا محاصرين.

إيتزان بالكاد استطاع رفع سيفه، لكن قبل أن يهجموا عليه، صرخت إكستالي بأعلى صوتها، ممسكة بمشعل مشتعل التقطته من الأرض، ولوّحت به في الهواء.

"إيتزان! النار، إنهم يخافون النار!"

لم يتردد لحظة. رغم الدوار الذي بدأ يفتك به، أمسك بالمشعل ولوّح به نحوهم، أجبرهم على التراجع.

ثم جمع كل قوته، أمسك يد إكستالي، وقفز بها نحو المنحدر التالي.

كانت السماء قد بدأت تنير بخيوط الفجر الأولى، لكنهما كانا على آخر رمق لهما.

إيتزان بالكاد يستطيع المشي، وإكستالي كانت مرهقة حد الإغماء. كانا على حافة السقوط، جسديهما محطمين، أنفاسهما متقطعة، والجروح تغطيهما.

ثم، فجأة، ظهر كهفٌ مظلم أمامهما.

نظر إيتزان إلى الداخل، ثم إلى إكستالي، لم يكن هناك خيار آخر.

"ادخلي."

سارا إلى الداخل، وانهارا معًا على الأرض.

كانا على وشك الموت.

لكن حين أغمض إيتزان عينيه، آخر ما رآه كان انعكاس ضوء خافت داخل الكهف...

شيء كان مخبأً هناك... سر قديم... ربما يكون الأمل الوحيد للنجاة.

داخل الكهف، كانت أنفاس إيتزان ثقيلة، والشعور بالدوار يزداد، لكنه رفض الاستسلام. كان يسمع دقات قلبه في أذنيه، وصوت إكستالي اللاهث بجانبه.

"إيتزان، جُرحُك... السم ينتشر!"

لكن لم يكن هناك وقت للقلق. من الداخل، كان الكهف ينبض بشيء غريب. شعلة إكستالي الصغيرة كشفت عن جدران منقوشة بأشكال غريبة، ورسومات تصور مقاتلين يسقطون أمام وحش ضخم ذو أنياب ملتوية.

كان هذا المكان ملعونًا.

لكنهما لم يكونا وحدهما.

صرير صخور يتردد في الظلام.

التفت إيتزان بسرعة، رفع سيفه رغم الوهن، لكن قبل أن يتمكن من فعل أي شيء، سقطت بوابة حجرية ضخمة خلفهما، لتغلق الطريق.

كانا محبوسين.

وفجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهما، وصوت هدير مرعب دوى في الظلام.

شيء ما كان يستيقظ.

وقبل أن يفهما ما يحدث، انفتحت جدران الكهف من الجانبين، وظهر الكهنة.

وجوههم كانت مغطاة بالأقنعة الحجرية، وأجسادهم مطلية بالدماء، وأعينهم تتوهج بضوء غريب، كأنهم ليسوا بشراً. كانوا قد انتظروا قدومهم.

"لقد أتيت، المحارب الهارب. أتيت لتواجه مصيرك."

تقدّم أكبر الكهنة، صوته كان خشنًا كالحجارة، وعيناه مليئتان بالكراهية.

"لقد دنستَ أرض الآلهة، سرقتَ العروس المقدسة، وعصيتَ مشيئتنا. حكمك هو الموت."

أحاط بهما العشرات من الكهنة، وسرعان ما شدّوا وثاق إيتزان وإكستالي، وساقوهما إلى حلبة التضحية.

كانت الساحة مليئة بالجماجم القديمة، ومن وسطها ارتفع تمثال حجري ضخم على شكل وحش بأنياب طويلة، كانت فوهته مفتوحة كأنها تبتلع كل من يدخلها.

وقف الكاهن الأكبر فوق المنصة، وأمر بإلقاء إيتزان داخل الفوهة.

لكن إيتزان لم يكن ينوي الموت اليوم.

بينما كان الحراس يسحبونه، التفت إلى إكستالي، ونظر في عينيها نظرة واحدة فقط.

"لا تخافي."

وفي اللحظة التالية، استغل ضعف قيودهم، سحب السكين الصغيرة التي خبأها في ثيابه، وبحركة سريعة، قطع الحبل الذي يقيّد يديه.

ثم هاجم الحراس كالنمر، سحب رمح أحدهم، وغرزه في صدر الآخر، ثم التف بسرعة وضرب الكاهن الأكبر في رأسه.

صرخ الكهنة مندهشين.

لكن ما لم يتوقعه أحد، هو أن الوحش الحجري بدأ يتحرك.

من داخل التمثال، انبثقت ألسنة اللهب، والجدران بدأت تهتز. التماثيل الحجرية التي تحيط بالمكان تحطمت، ومن وسط الركام، خرج المخلوق الحقيقي.

كان موجودًا طوال الوقت، نائمًا تحت المعبد.

كان ضخمًا، بجلد أسود خشن، وعينين مضيئتين بلون الجمر.

زأر بقوة جعلت الصخور تسقط من السقف، وأدرك الجميع الحقيقة البشعة:

هذا لم يكن مجرد كهف... كان قبرًا للوحش الذي عبدوه لقرون.

والآن، هو حر.

اندفع الوحش نحو الكهنة، بدأ يفتك بهم الواحد تلو الآخر، والدماء تناثرت في كل مكان. كان إيتزان يعرف أن الفرصة قد حانت.

"إكستالي، هذا وقتنا! اهربي!"

أمسك بيدها، وركضا بأقصى سرعتهما بين الأنقاض المتساقطة. كان الوحش يزمجر خلفهما، والمعبد ينهار فوق رؤوسهم.

لكن أمامهما كانت هناك مشكلة أكبر: البوابة الحجرية ما زالت مغلقة.

إيتزان لم يتردد. أمسك رمحًا من الأرض، ووجهه نحو نقطة ضعف في الجدار، ثم ألقاه بكل قوته.

"انكسري!"

اصطدم الرمح بالحجر بقوة، وبدأت الشقوق تنتشر، حتى انهار الحائط أخيرًا، وأطلق سيلًا من الضوء الذهبي إلى الداخل.

لقد وجدوا طريقهم إلى الخارج.

بآخر قوة لديهما، قفزا نحو النور، وخرجا من الكهف قبل أن ينهار بالكامل خلفهما، حابسًا الوحش إلى الأبد.

عندما خرجا، كان الفجر قد بزغ، والسماء مصبوغة باللون الأحمر.

إيتزان سقط على ركبتيه، التقط أنفاسه بصعوبة، بينما إكستالي نظرت إليه بعينيها الممتلئتين بالدموع.

"لقد فعلناها... نجونا..."

لكنه لم يكن سعيدًا، لم يكن هناك نصر حقيقي.

مدينتهم ضاعت، عشيرتهم أصبحت في عداد الموتى، والآن هم وحدهم في هذا العالم.

لكن عندما نظرت إليه إكستالي، ورأت الشجاعة في عينيه، عرفت الحقيقة الوحيدة المهمة:

"طالما نحن معًا، سنجد طريقًا."

مسك يدها، ونظر نحو الأفق، حيث بدأت الشمس تشرق على عالم جديد.

كانا الناجين الأخيرين... والأمل الأخير.

العودة إلى جهاز المحاكاة:

داخل ذلك المختبر المختبر المليئ بأصوات الأجهزة و الإختراعات الإلكترونية و أضوائها التي تبعث منها على وجه العالم العجوز

و هو يقوم بإدخال في حياة آخرى بمصادر و تحديات جديدة و يأمل أن يجد نتيجة جديدة تضاف اللى سجل النتائج الرائعة السابقة التى تم تسجيلها .

و همس بصوت خافت :

"لنبدأ".

ثم ضغط على الزر...